الأربعاء، 28 يناير 2026

Textual description of firstImageUrl

ج31: قصة نبي الله لوط مع قومه الشواذ جنسيا بالمثلية - كيف وصف القرآن حال النبي لوط لما جاءه الضيوف الذين لم يعرف أنهم ملائكة - ما الفرق بين قوله (ولما جاءت رسلنا لوطا) وبين قوله (ولما أن جاءت رسلنا) - ماذا الذي كشفه لنا القرآن عن حال قوم لوط بقوله عنهم (وجاءه قومه يُهرعون إليه) - ما الذي أفاده قوله تعالى (من قبل كانوا يعملون السيئات) - هل جاء كل أهل القرية إلى بيت النبي لوط لأن القرآن قال (وجاءه قومه يهرعون إليه).

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة

قصة نبي الله لوط عليه السلام

مع قومه الشواذ جنسيا بالمثلية

اللُّواطِيُّون والسُّحَاقيَّات

(الجزء الحادي والثلاثون)

حال النبي لوط لما جاءته رسل الله (سيء بهم وضاق بهم ذرعا) - (وجاءه قومه يهرعون إليه) - فائدة قوله (من قبل كانوا يعملون السيئات)

  

#- فهرس:

:: الفصل الحادي والثلاثون :: عن حال نفسية النبي لوط وقت أن جاءه الضيوف الذين لم يعرف أنهم ملائكة – وحال قوم لوط لما عرفوا بوجود رجال في بيت النبي لوط ::

1- س93: كيف وصف القرآن حال النبي لوط لما جاءه الضيوف الذين لم يعرف أنهم ملائكة ؟

2- س94: ما الفرق بين قوله (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم) وبين قوله (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم) ؟

3- س95: ماذا الذي كشفه لنا القرآن عن حال قوم لوط بقوله عنهم (وجاءه قومه يُهرعون إليه) وذلك  لما عرفوا بوجود رجال في منزل النبي لوط ؟   

4- س96: ما الذي أفاده قوله تعالى (من قبل كانوا يعملون السيئات) ؟

5- س97: هل جاء كل أهل القرية إلى بيت النبي لوط لأن القرآن قال (وجاءه قومه يهرعون إليه) ؟

*****************

:: الفصل الحادي والثلاثون ::

******************

 

..:: س93: كيف وصف القرآن حال النبي لوط لما جاءه الضيوف الذين لم يعرف أنهم ملائكة ؟ ::..

 

- قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) هود:77-78.

 

- قال تعالى: (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:33.

 

#- وإليك تفسير ما سبق من كلام العلماء:

 

1- قال الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله (المتوفى:333 هـ):

- وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ):

- قوله (سِيءَ بِهِمْ) قيل: أي: ساءه مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم.

- (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) أي: لم يدر كيف يصنع بهم .. وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه.

- والذرع: قيل هو المقدرة والقوة أي: ضاق مقدرته وقوته.

- (وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ): قيل فظيع شديد .. لأنه يوم يهتك فيه الأستار .. ويفضح الرجال.

- وفيه دليل جواز الاجتهاد لأنه قال: يوم عصيب فظيع .. فبعد لم يظهر له شدته لكنه قاله اجتهادًا .. واللَّه أعلم. (تفسير تأويلات أهل السنة ج6 ص159).

 

2- قال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ):

- (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) ..، قد علم أن الملائكة ذاهبون إلى قوم لوط من قوله: (إنا أرسلنا إلى قوم لوط) هود:70.

- فالتقدير: ففارقوا إبراهيم وذهبوا إلى لوط- عليهما السلام- فلما جاءوا لوطا .. فحذف ما دل عليه المقام إيجازا قرآنيا بديعا.

- وقد جاءوا لوطا كما جاءوا إبراهيم- عليهما السلام- في صورة البشر، فظنهم ناسا وخشي أن يعتدي عليهم قومه بعادتهم الشنيعة، فلذلك سيء بهم.

- ومعنى (ضاق بهم ذرعا) ضاق ذرعه بسببهم أي بسبب مجيئهم.

- فهو استعارة تمثيلية لحال من لم يجد حيلة في أمر يريد علمه .. بحال الذي لم يستطع مد ذراعه كما يشاء.

- وقوله: (هذا يوم عصيب) قاله في نفسه .. كما يناجي المرء نفسه إذا اشتد عليه أمر.

- والعصيب: الشديد فيما لا يرضي. يقال: يوم عصيب إذا حدث فيه أمر عظيم من أحوال الناس أو أحوال الجو كشدة البرد وشدة الحر.

- وأراد: أنه سيكون عصيبا لما يعلم من عادة قومه السيئة وهو مقتض أنهم جاءوه نهارا.

- ومن بديع ترتيب هذه الجمل .. أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا علم أنه لا مخلص منه ضاق به ذرعا، ثم يصدر تعبيرا عن المعاني وترتيبا عنه كلاما يريح به نفسه. (تفسير التحرير والتنوير ج12 ص125 – مختصرا في كلامه).

 

3- قال الإمام محمد متولي الشعراوي رحمه الله (المتوفى: 1418 هـ):

- ويقول الحق سبحانه: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سيء بِهِمْ).

- أي: أن لوطاً شعر بالسوء، وضاق بهم ذرعاً.

- والذرع مأخوذ من الذراع التي فيها الكف والأصابع وندفع بها الأشياء .. وأي شيء تستطيع أن تمد إليه ذراعك لتدفع به .. وإن لم تَطُله ذراعك قلت: "ضقت به ذرعاً" ..، أي: أن يدي لم تطله .. وهو أمر فوق قوتي وطاقتي وفوق ما آتاني الله من الآلات ومن الحيل.

- وما الذي يسيء لوطاً في مجيء الملائكة ؟

- قيل: لأن الملائكة قد جاءوا على الشكل المعروف من الجمال، فحين يُقال: "فلان ملاك" ، أي: شكله جميل..، ولوط عليه السلام يعلم أن آفة قومه هي إتيان الذكور. (تفسير الشعراوي ج11 ص6573-6574).

 

4- قال الإمام محمد سيد طنطاوي رحمه الله (المتوفى: 1431 هـ):

- وقد بدأ سبحانه القصة هنا بتصوير ما اعترى لوطا- عليه السلام- من ضيق وغم عند ما جاءته الرسل فقال: (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ).

- أي: وحين جاء الملائكة إلى لوط- عليه السلام- بعد مفارقتهم لإبراهيم .. ساءه وأحزنه مجيئهم .. لأنه كان لا يعرفهم .. ويعرف أن قومه قوم سوء .. فخشي أن يعتدى قومه عليهم، بعادتهم الشنيعة، وهو عاجز عن الدفاع عنهم.

- قال ابن كثير ما ملخصه: "يخبر الله- تعالى- عن قدوم رسله من الملائكة إلى لوط- عليه السلام- بعد مفارقتهم لإبراهيم ... فأتوا لوطا- عليه السلام- وهو على ما قيل في أرض له. وقيل في منزله، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون، على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم ... " (تفسير ابن كثير ج 4 ص 266).

- وقوله: (وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) تصوير بديع لنفاد حيلته، واغتمام نفسه وعجزه عن وجود حيلة للخروج من المكروه الذي حل بهم.

- وَقالَ هذا (يَوْمٌ عَصِيبٌ): أي وقال لوط- عليه السلام- في ضجر وألم: هذا اليوم الذي جاءني فيه هؤلاء الضيوف، يوم (عصيب) أي: شديد هوله وكربه. (التفسير الوسيط ج7 ص246-247).

 

#- وخلاصة القول:

- أن رسل الله حينما ذهبوا إلى النبي لوط في هيئة رجال .. ولم يعرف النبي لوط أنهم ملائكة .. فهذا أصابه بحالة نفسية في داخله يصورها لنا القرآن ..

- أن تواجدهم في تلك القرية وفي بيته شيء أذى لوط في نفسيته بسبب حضورهم .. وذلك لما سيترتب عليه لو عرف أهل القرية بتواجدهم عنده فسيأتون يغتصبوهم ..

- وزاد الألم النفسي بلوط بسبب ضيق ذرعه وهو قلة حيلته في دفع المكروه عن ضيوفه ..

- ولم يجد لوط مهرب من الألم النفس إلا أن واسى نفسه بأن هذا اليوم هو يوم عصيب أي شديد الكرب.

- والله أعلم.

 

************************

..:: س94: ما الفرق بين قوله (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) وبين قوله (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ) ؟ ::..

 

- قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) هود:77-78.


- قال تعالى: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:30-33.


#- سنلاحظ في هاتين السورتين اختلافا طفيفا في بعض الألفاظ ..

- ففي سورة العنكبوت ظهر حرف (أن) .. واختفى قول النبي لوط (هذا يوم عصيب) .، ولكن في سورة هود قد اختفى حرف (أن) .. وظهر قول لوط (هذا يوم عصيب) .. وهنا نسأل ما الحكمة ؟


#- قال الإمام شهاب الدين الألوسي رحمه الله (المتوفى: 1270 هـ):

- (أَنْ) مزيدة لتأكيد الكلام التي زيدت فيه .. فتؤكد الفعلين واتصالهما المستفاد من (لما) .. حتى كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان ..، فكأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث. (تفسير روح المعاني ج10 ص360)


- معنى قوله (من غير ريث): أي من غير بطيء .. أي بمجرد رؤيتهم نزل بنفسيته السوء والإحساس بقلة الحيلة.


#- قال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ):

- (أن) حرف مزيد للتوكيد .. وأكثر ما يزاد بعد (لما) وهو يفيد تحقيق الربط بين مضمون الجملتين اللتين بعد (لما) .. فهي هنا لتحقيق الربط بين مجيء الرسل ومساءة لوط بهم.

- ومعنى تحقيقه هنا .. سرعة الاقتران والتوقيت بين الشرط والجزاء تنبيها على أن الإساءة عقبت مجيئهم وفاجأته من غير ريث .. وذلك لما يعلم من عادة معاملة قومه مع الوافدين على قريتهم .. فلم يكون لوط عالما بأنهم ملائكة لأنهم جاءوا في صورة رجال.

- فأريد هنا التنبيه على أن ما حدث به من المساءة وضيق الذرع .. كان قبل أن يعلم بأنهم ملائكة جاءوا لإهلاك أهل القرية .. وقبل أن يقولوا لا تخف ولا تحزن. (التحرير والتنوير ج20 ص245).


#- وخلاصة القول أخي الحبيب:

1- أن حرف (أن) قد زيد في سورة العنكبوت لإضافة معنى جديد وهو ليفيد سرعة تحقيق السوء في نفسية لوط مع الإحساس بقلة الحيلة والعجز.. اي أن المشكلة النفسية للوط لم تتأخر حتى جاءه أهل القرية .. لا .. بل تحققت فور وصول الضيوف .. لأنه يعلم ما سيترتب على ذلك من شر بسبب ظنه أن ضيوفه مجرد رجال ولم يعرف أنهم ملائكة في صورة رجال.  


2- والمقصد من سورة العنكبوت هو ملخص قصة لوط وإظهار جزئية مهمة جدا في القصة .. وهي إجابة دعوة النبي لوط بنصرة الملائكة له .. وليس حكاية قول النبي لوط .. ولذلك لم يظهر في سورة العنكبوت أي قول للنبي لوط .. بعد أن قال (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ).. لأن الله أراد أن يظهر تدبيره بعد ذلك.

 

#- ولذلك حذف قول النبي لوط (هذا يوم عصيب) في سورة العنكبوت .. لأن سورة العنكبوت أرد الله فيها إظهار انتصار الملائكة للوط بإجابة لدعوته (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) التي طلبها لوط في سورة العنكبوت .. فحكت الآية سريعا ما حدث لنفسية لوط عن مجيئهم إليه .. وانتقلت مباشرة لبيان ما جاءت لفعله الملائكة وما قالته الملائكة لطمأنة لوط بنجاته وبناته .. ليتناسب ذلك مع قول النبي لوط (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ).

- فالغرض في سورة العنكبوت بيان إجابة دعاء النبي لوط عليه السلام .. ولذلك يتم حكاية القصة مختصرة جدا.

- والله أعلم.

********************

..:: س95: ماذا الذي كشفه لنا القرآن عن حال قوم لوط بقوله عنهم (وجاءه قومه يُهرعون إليه) وذلك  لما عرفوا بوجود رجال في منزل النبي لوط ؟ ::..


- قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) هود:77-78.


- قال تعالى: (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ) الحجر:67-68.


#- أولا: من تفاسير العلماء حول قوله (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ):

1- قال الإمام محمد متولي الشعراوي رحمه الله (المتوفى: 1418 هـ):

- قول تعالى: (يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) هود:78.

- يبيِّن أنهم أقبلوا باندفاع .. كأنهم يعشقون ما يذهبون إليه .. لأن كلاً منهم له دربة على ذلك الفعل المشين .. أو أن كلاً منهم ذاهب إلى ما يحب دون تَهيُّب .. باندفاع من نفسه ودَفْع من غيره، مثلما تقول: "سنوزع تمويناً بالمجان" .. هنا تجد الناس يتدافعون، كل منهم من تلقاء نفسه .. وغيره يدفعه ليرتد إلى الوراء.

- وقوم لوط كانوا على دُرْبة بتلك الفاحشة.

- يقول الحق سبحانه عنهم: (وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات) هود:78 ..، أي: أن هذه المسألة عندهم كانت محببة .. ولهم دربة عليها وخفيفة على قلوبهم .. ولا حياء يمنعهم عنها.

- فالحياء يعني أن بعض الناس يعمل السيئة ويخشى الآخرون أن يفعلوها، لكن إذا ما كانوا يحبون تلك السيئة، فلن يخجل أحد من الآخر. (تفسير الشعراوي ج11 ص6576).


- معنى كلمة (دُرْبة): أي خبرة أو تجربة أو ممارسة أي محنكين ومحترفين في ذلك.


#- وقال الإمام الشعراوي رحمه الله:

- وقوله سبحانه: (وَجَآءَ أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ) الحجر:67 ..، يجمع لقطات مُركّبة عن الأمر الفاحش الشائع فيما بينهم، وكانوا يستبشرون بفعله ويَفْرحون به؛ فهم مَنْ ينطبق عليهم قوله الحق: (كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) المائدة:79. (تفسير الشعراوي ج13 ص7737-7738).

 

2- قال الإمام محمد سيد طنطاوي رحمه الله (المتوفى: 1431 هـ):

- (يُهرعون)- بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبنى للمفعول- أي: يدفع بعضهم بعضا بشدة، كأن سائقا يسوقهم إلى المكان الذي فيه لوط وضيوفه.

- يقال: هرع الرجل وأهرع - بالبناء للمفعول فيهما- إذا أعجل وأسرع لدافع يدفعه إلى ذلك.

- قال الآلوسى: والعامة على قراءته مبنيا للمفعول، وقرأ جماعة يهرعون- بفتح الياء مع البناء للفاعل- من هرع- بفتح الهاء والراء- وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان، كأن بعضه يدفع بعضا. (تفسير الآلوسى ج 12 ص 95).

- أي: وبعد أن علم قوم لوط بوجود هؤلاء الضيوف عند نبيهم، جاءوا إليه مسرعين يسوق بعضهم بعضا إلى بيته من شدة الفرح، ومن قبل هذا المجيء، كان هؤلاء القوم الفجرة، يرتكبون السيئات الكثيرة، التي من أقبحها إتيانهم الرجال شهوة من دون النساء.

- وقد طوى القرآن الكريم ذكر الغرض الذي جاءوا من أجله، وأشار إليه بقوله: (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) للإشعار بأن تلك الفاحشة صارت عادة من العادات المتأصلة في نفوسهم الشاذة، فلا يسعون إلا من أجل قضائها. (التفسير الوسيط ج7 ص247-248).


#- وقال الإمام طنطاوي رحمه الله:

- قوله تعالى: (وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ).

- والمراد بأهل المدينة: أهل مدينة سدوم التي كان يسكنها لوط وقومه.

- ويستبشرون: أي يبشر بعضهم بعضا بأن هناك شبانا في بيت لوط عليه السلام ..، من الاستبشار وهو إظهار الفرح والسرور.

- وهذا التعبير الذي صورته الآية الكريمة .. يدل دلالة واضحة على أن القوم قد وصلوا إلى الدرك الأسفل من الانتكاس والشذوذ وانعدام الحياء.

- إنهم لا يأتون لارتكاب المنكر فردا أو أفرادا .. وإنما يأتون جميعا - أهل المدينة- وفي فرح وسرور .. وفي الجهر والعلانية .. لا في السر والخفاء.

- ولأى غرض يأتون ؟

- إنهم يأتون لارتكاب الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين.

- وهكذا النفوس عند ما ترتكس وتنتكس .. تصل في مجاهرتها بإتيان الفواحش .. إلى ما لم تصل إليه بعض الحيوانات. (التفسير الوسيط ج8 ص64).

 

3- قال الإمام إبراهيم بن عمر البقاعي رحمه الله (المتوفى:855 هـ):

- (وجاءه قومه): أي الذين فيهم قوة المحاولة.

- (يهرعون) أي كأنهم يحملهم على ذلك حامل لا يستطيعون دفعه.

- (إليه) أي في غاية الإسراع فعل الطامع الخائف فوت ما يطلبه. (نظم الدرر ج9 ص339).


4- قال الإمام الطاهر بت عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ) عند قوله (وجاء أهل المدينة يستبشرون):

- (يستبشرون): يفرحون ويسرون.

- وصيغ بصيغة المضارع .. لإفادة التجدد مبالغة في الفرح ..

- ذلك أنهم علموا أن رجالا غرباء حلوا ببيت لوط- عليه السلام- ففرحوا بذلك ليغتصبوهم كعادتهم السيئة. (التحرير والتنوير ج14 ص66).


#- ثانيا: قلت (خالد صاحب الرسالة) حسب ما فهمت من الآية بعد مراجعة كلام العلماء:

- لما سمع قوم لوطا خبر وجود رجال في بيت النبي لوط فحكى الله لنا حالهم بقوله: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) .. من الآية نفهم الآتي:


1- أن زوجة النبي لوط قد خانته وذهبت لتخبر أهل القرية بوجود رجال في بيت لوط .. وإلا ما كانوا عرفوا بوجودهم.


- وهذا يكشف لنا أن نساء هذا المجتمع أيضا كن يؤيدن الرجال في فعلهم بل ويحرضوهن عليه .. وهذا يظهر من فعل امرأة لوط وهي زوجة نبي إذ لم ترضى بالإيمان المنكر لهذه الظاهرة الحقيرة في المجتمع ..!!


2- مجرد معرفة أهل القرية بخبر وجود رجال عند لوط .. ذهبوا مسرعين إلى بيته يطالبون بإخراج الضيوف الذين عنده .. ليغتصبوهم.


- وهذا مشهد يجعل العقل يقف في حالة ذهول تام .. إذ ما هذه الجرأة والوقاحة والحقارة التي أصابت هذا المجتمع .. حتى أصبح الناس فيه يتصارعون على الوصول لفتحة الخراء للمفاخرة بمن يفعل أولا اللواط .. بل يسرعون وهم فرحون جدا وفي حالة سرور كامل بما سيفعلوه .. !!


3- وهذا المشهد نفهم منه: أن هذه القرية كانت بلغت من القوة العسكرية والإقتصادية ما جعلها تقوى على العباد بهذه الجرأة المستباحة .. دون تصور منهم لوجود أي ردع لهم من أي قرية قريبة منهم يمكن أن تقاومهم .. فهم بقوتهم فرحون .. بل ويقهرون خلق الله بشهوتهم. 


- وكأنهم لقوة أحوالهم العسكرية والإقتصادية في ذلك الوقت .. استباحوا المجتمع الإنساني من حولهم .. استعلاء عليهم .. وأرادوا أن يلوثوه كما تلوثوا حتى لا يفتح أحد فمه بالكلام عليهم .. ولذلك كانوا يفعلون هذا بالغرباء كما يفعلوه بأنفسهم.


- ولكن كانوا يفعلون ذلك بأنفسهم في مجتمعهم عن محبة وعشق في فعل ذلك لمن يرغب ولذلك صنعوا نوادي الدعارة والمنكر .. وأما فعلهم النجاسة بالغرباء فهم يفعلوه قهرا وإذلالا لهم.


4- ولفظ (يُهرعون) يصور لنا أمر مرعب .. وكأنهم مثل الكلاب مسعورة التي ترى هدف يتحرك أمامها وتتدافع بقوة وسرعة في نهش لحم من يقابلها بكل عنف ودون رحمة.


- فلفظ (يهرعون) هو بمعنى يسرعون ويتدافع بعضهم لبعض لمن يسبق ليكون المغتصب الأول لهذه الغنيمة الذكورية وهم الرجال الموجودين عند النبي لوط.


5- ولفظ (يستبشرون) .. هو أيضا يصور لنا أمر مرعب آخر في نفسية هؤلاء القوم .. إذ يظهر لنا مدى انشراح نفوسهم لفعل اللواط بل وجاهزية أنفسهم دائما لممارسة اللواط وهم في حالة غامرة من السعادة التي لا توصف ..!!


- وكلا من لفظ (يهرعون) ولفظ (يستبشرون) .. يظهر أن الشذوذ الجنسي أو عشق المثلية الجنسية .. لم يعد مجرد هواية أو نزوة .. بل أصبح عقيدة ومنهج حياة وعبادة يجب القيام بها كلما ظهر سبب يدفعهم لفعلها .. مهما كانت العواقب.

- فهم يسرعون مندفعين في شوق لفعل الفاحشة ..، بل وفي قلوبهم فرحة وسعادة لا توصف باغتصاب الخلق وفعل الفاحشة بهم ..!!

 

6- والآيات تكشف لنا أن هذا المجتمع .. قد تحول بالكامل لحب النجاسة .. واتخاذ فتحة الخراء جزء أصيل من قوميتهم .. ومنهج حياة لهم يكسبهم سعادة عجيبة في أنفسهم ..!!


- فكان المحرك لأنفسهم .. هو حب النجاسة من خلال حب فتحة الخراء .. هذه الفتحة التي أصبحت رمزا لسعادتهم وعشقا لنجاستهم بما لم يبلغه أي مجتمع في الوجود حتى زمانهم .. !!


@- وخلاصة القول:

- اللهم احفظنا بحفظك الذي حفظت به النبي لوط وبناته .. واجعلنا مؤيدين بروح التوفيق بالعمل لك كما تحب وترضى .. وطهر بلاد المسلمين ممن ينشرون النجاسات فيها واحفظ ذرياتنا يا رب .. آمين.


*********************

..:: س96: ما الذي أفاده قوله تعالى (من قبل كانوا يعملون السيئات) ؟ ::..


- قال تعالى: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) هود:78.


1- قال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ):

- وقد طوى القرآن ذكر الغرض الذي جاؤوا لأجله .. مع الإشارة إليه بقوله: (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) .. فقد صارت لهم دأبا لا يسعون إلا لأجله. (التحرير والتنوير ج12 ص126 - مختصرا).

 

- معنى قوله (صارت لهم دأبا): أي حالهم.

 

2- قلت (خالد صاحب الرسالة):

- قوله (كانوا يعملون السيئات): دلت على أن أسلوب حياتهم هو عشق النجاسة بلا انقطاع عن فعلها أبدا دون أي ندم.

- والمقصد هو: أنه في حين جاءهم خبر وجود رجال في بيت لوط .. كان حالهم في تلك اللحظة هو فعل المنكرات المتنوعة .. إذ كانوا في ناديهم يفعلون ما لا يمكن للعقل تصوره في العلاقات ببعضهم البعض .. لأن لفظ السيئات لا يكون إلا في العلاقات بين طرفين .. فلك أن تتخيل وتطلق الخيال لعقلك لما كان يفعله هذا المجتمع من كافة أنواع الدعارة التي لا يمكن لعقل أهل زمانهم أن يتصوروا حدوثها بل وكانوا يفعلون ذلك في العلن وجهرا عيني عينك ..!!


- فما هذه النفوس التي تسرع بقوة حتى تغتنم من فعل الدعارة الذكورية أي الشذوذ الجنسي بالرجال .. وكأنهم جائعون لممارسة الجنس الشاذ في فتحة الخراء ..!!

 

- فكانوا في سيئات .. وسارعوا يتدافعون لبيت لوط لفعل سيئات ..!!

- فيا له من شيء حقير .. أن تظل النفس نجسة طوال اليوم .. بل وتسرع للنجاسة كلما تيسر لها الأمر ..!!

- والله أعلم.

 

***********************

 ..:: س97: هل جاء كل أهل القرية إلى بيت النبي لوط لأن القرآن قال (وجاءه قومه يهرعون إليه) ؟ ::..


- قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ....) هود:77-78.


- هنا قد تسأل فتقول: هل معنى ذلك أن القرية كلها أتت لبيت النبي لوط ؟ لأن هذا غريب حينئذ .. إذ قد يكون منهم من لم يعرف أو نائم أو غير متواجد بالقرية .. فكيف يكون جاء قوم لوط إلى بيت لوط ؟

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة):

1- أكيد لم تأتي القرية كلها آنذاك ولا كل قومه .. بل جاء من بلغه الخبر منهم .. ولكن لما كان الجميع سيفعل ذلك في حال معرفته أو تواجده بالقرية .. فكأن القرية كلها أتت إليه .. وذلك لاتفاق عزائمهم على فعل ذلك حينما يجدون ذكورا فمنهجهم هو فعل الفاحشة بهم.

 

- ولذلك أوضح الله ذلك في سورة أخرى فقال: (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ) الأنبياء:74 .. فكل القرية منهجها حب الخبائث وهي الفواحش بكل ما تحمله كلمة فاحشة من معنى خبيث.

 

2- قال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ):

- (وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات).

- أي جاءه بعض قومه .. وإنما أسند المجيء إلى القوم لأن مثل ذلك المجيء دأبهم وقد تمالؤوا على مثله .. فإذا جاء بعضهم فسيعقبه مجيء بعض آخر في وقت آخر.

- وهذا من إسناد الفعل إلى القبيلة إذا فعله بعضها. (التحرير والتنوير ج12 ص126).

 

- معنى قوله (دأبهم - تمالؤوا): أي كان من دأبهم أي حالهم المتكرر أن يتمالؤوا أي يجتمعوا ويتعاونوا على فعل هذا الشيء القبيح وهو اغتصاب الغرباء .. بخلاف استباحة الفحشاء في أنفسهم بينهم وبين بعض.

3- من الملاحظ في جزئية مجيء قرية قوم لوط إليه:

- أن هذه الجزئية قد اتفق عليها توراة اليهود والنصارى مع القرآن .. وهو جنون القرية كلها وشغفها باللواط والبحث عنه في أي مكان .. إذ جاء في توراة اليهود والنصارى: (أَحَاطَ بِالْبَيْتِ رِجَالُ الْمَدِينَةِ .. رِجَالُ سَدُومَ .. مِنَ الْحَدَثِ إِلَى الشَّيْخِ .. كُلُّ الشَّعْبِ مِنْ أَقْصَاهَا) سفر التكوين4:19.

- لاحظ جملة (من الحدث إلى الشيخ - كُلُّ الشَّعْبِ) ... فالقرية كلها صارت في نجاسة.

- والله أعلم.

*****************
يتبع إن شاء الله تعالى
*****************
والله أعلم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
هذه الرسالة وكل مواضيع المدونة مصدرها - مدونة الروحانيات فى الاسلام -  ولا يحق لأحد نقل أي موضوع من مواضيع أو كتب أو رسائل المدونة .. إلا بإذن كتابي من صاحب المدونة - أ/ خالد أبوعوف .. ومن ينقل موضوع من المدونة أو جزء منه (من باب مشاركة الخير مع الآخرين) فعليه بالإشارة إلى مصدر الموضوع وكاتبه الحقيقي .. ولا يحق لأحد بالنسخ أو الطباعة إلا بإذن كتابي من الأستاذ / خالد أبوعوف .. صاحب الموضوعات والرسائل العلمية .

هناك 3 تعليقات:

  1. رب زدنا علما وفهما وحكمة
    وزادك الله نورا وحسن التأويل استاذنا الفاضل
    آمين يارب العالمين

    ردحذف
  2. يالطيف الطف بنا احمنا واكفنا شر كل من ينوى بنا اذيه واجعل أيديهم لاتصل الينا يارب

    اللهم صلى على محمد وال محمد 🌹
    اللهم ارزقني حبك وحب نبيك 🩵
    يارب بالمصطفى بلغ مقاصدنا 🕊️

    ردحذف
  3. رب زدنا علما وفهما وحكمة
    وزادك الله نورا وحسن التأويل استاذنا الفاضل
    جزاكم الله خيرا أستاذنا الفاضل
    ==============

    - الصمت بعد القهر ليس مجرد فراغٍ في الكلام، بل هو فراغٌ في الوجود نفسه.
    إنه لحظة يتوقف فيها الزمن الداخلي، ويصبح الإنسان كأنه حجر ألقي في بئرٍ بلا قاع .
    هناك، في الأعماق، لا يعود الصوت صوتًا، ولا الأمل أملًا، بل يتحول كل شيء إلى سؤالٍ معلّق في الفراغ .
    هذا الصمت هو امتحان للروح : هل تستسلم وتذوب كما يذوب الملح في الماء؟ أم تتحول إلى بذرةٍ تتشبث بالظلام لتشق طريقها نحو النور؟
    القهر يكشف لنا أن الحياة ليست دائمًا ساحة للانتصار، بل هي أحيانًا ساحة للهزيمة التي تفضح حقيقتنا، وتعرّي هشاشتنا، وتضعنا أمام أنفسنا بلا أقنعة .
    لكن في هذا العري يكمن السر .
    فالإنسان الذي يجرؤ أن ينظر إلى صمته كمرآة، سيكتشف أن الموت الجزئي الذي أصابه ليس نهاية، بل بداية .
    بداية وعي جديد، بداية ثورة صامتة، بداية حكمة لا تُشترى ولا تُعلَّم، بل تُولد من رحم الألم.
    إنه ليلٌ طويل، نعم ، لكنه الليل الذي يسبق الفجر .
    والفجر لا يأتي إلا بعد أن يكتمل الليل، ولا يولد إلا من رحم الظلمة .
    هكذا يصبح الصمت بعد القهر إمّا قبرًا يدفن فيه الإنسان نفسه حيًا، وإمّا رحمًا يخرج منه إنسان آخر، أكثر صدقًا، أكثر صفاءً، وأكثر قدرة على مواجهة الحقيقة .
    فانظر إلى صمتك بعد القهر ، لا كاستسلام، بل كدعوة إلى ميلاد جديد .
    ميلاد إنسان لا يُقهر، لأنه عرف أن القهر لا يقتل إلا من لم يجد معنى، أما من وجد المعنى… فلا سلطان عليه إلا الله .
    ...........
    د. مصطفى محمود .. الله يرحمه.
    ===========
    اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله وسلم.

    ردحذف

ادارة الموقع - ا/ خالد ابوعوف