بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة
قصة نبي الله لوط عليه السلام
مع قومه الشواذ جنسيا بالمثلية
اللُّواطِيُّون والسُّحَاقيَّات
(الجزء التاسع والعشرون)
#- فهرس:
:: الفصل التاسع والعشرون :: عن مسائل حول مجادلة النبي إبراهيم مع الملائكة في قوم لوط ::
1- س83: كيف كانت مجادلة النبي إبراهيم مع الملائكة في قوم لوط ؟
#- أولا: ما هو المفهوم الجدال ؟
#- ثانيا: حقيقة مجادلة النبي إبراهيم للملائكة في قوم
لوط.
#- ثالثا: روايات قيلت عن كيفية مجادلة النبي إبراهيم
مع الملائكة أو مع ربه.
2- س84: هل كانت مجادلة إبراهيم في قوم
لوط عن اعتراض لأمر الله ؟
3- س85: كيف
يكون إبراهيم حليما على قوم لوط ويرجو تأخير العذاب لهم في حين الله الحليم لم
يرضى بتأخير العذاب لهم ؟
4- س86: لماذا أتى القرآن بلفظ (يجادلنا في قوم لوط) ولم يقل "جادلنا" ؟
5- س87: ماذا أفاد قول الملائكة (إنا مهلكو أهل هذه القرية) ؟ وماذا أفاد وصف القرية بقولهم (إن أهلها كانوا ظالمين) ؟
*****************
:: الفصل التاسع والعشرون ::
******************
..:: س83: كيف كانت مجادلة النبي إبراهيم
مع الملائكة في قوم لوط ؟ ::..
1-
قال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا
إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ
جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ
نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى
قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا
بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا
أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
(72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ
إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ
(74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ
أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ
عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) هود:69-76.
2- قال تعالى حاكيا عن دعوة النبي لوط وما ترتب
عليها: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ
الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى
قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا
ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ
فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ
وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:30-32.
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
#- أولا: ما
هو المفهوم الجدال ؟
- الجدال: هو الحوار الّذي يحدث بين طرفين
أو أكثر .. على سبيل المغالبة في الرأي أي إقناع الآخر بالرأي .. وذلك الجدل قد
يكون لإثبات حق (كما في حال الأنبياء مع أهل الكفر) .. أو إثبات باطل (كما في حال
أهل الكفر مع الأنبياء) .. أو لبيان إشكالية (كالتي جادلت في ظهار زوجها لها) ..
أو اعتراض على رأي لغرابته مع الواقع (كما جادل إبراهيم الملائكة على إهلاك قرية
قوم لوط وفيها نبيا بينهم).
- والغرض من أي جدال هو المغالبة بالرأي
على رأي الآخر .. أي إقناع الآخر.
-
والجدل: قد يكون محمود أو مذموم .. وذلك حسب هو جدل لإثبات
حق إم لإثبات باطل.
- والجدل إما مأخوذ من لفظ الجَدَالة: وهي
الأرض الصلبة .. والمعنى أن كل شخص يريد أن يغلب الآخر برأيه ليسقط الرأي المقابل
.. كما يسقط المصارع من يصرعه على الأرض .. أو مأخوذ من جَدْل الحبل أي تقوية
فتلته .. وكأن كل طرف يريد أن يقوي حجته على حجة الآخر .. مثلما تزداد قوة الحبل
المجدول كلما زادت فتلته. والله أعلم.
#- ثانيا: حقيقة
مجادلة النبي إبراهيم للملائكة في قوم لوط.
- قال تعالى: (فَلَمَّا
ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ
(74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود:74-75.
- فهنا ظهر لفظ المجادلة أو المحاورة .. ولكن يفسر
القرآن بعد ذلك .. كيف كانت هذه المجادلة وعلى أي أساس.
1- ولكن بعض
العلماء فهم أن أساس المجادلة هو ما جاء في سورة العنكبوت ..، وذلك حينما قالت
الملائكة: (إنَّا
مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) العنكبوت:31 ..، فقال النبي إبراهيم ردا عليهم: ( قَالَ
إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:32.
2- وقول النبي إبراهيم للملائكة: (إِنَّ فِيهَا لُوطًا) فيه
معنيان:
- الأول: اعتراض على أنهم لم يستثنوا لوط حينما وصفوا
أهل القرية بالظالمين.
- الثاني: معارضة (مجادلة) الملائكة بأنه كيف يهلكون
أهل قرية وفيهم نبي قائم بينهم ؟
3- وإليك تفسير مما قاله بعض العلماء - ثم أذكر تعقيبا بعد ذلك:
أ- قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله (المتوفى:606
هـ):
- إن إبراهيم لما سمع قولهم قال لهم: (إن فيها
لوطا): إشفاقا عليه ليعلم حاله.
- أو لأن الملائكة لما قالوا: (إنا مهلكوا) وكان إبراهيم يعلم أن الله لا
يهلك قوما وفيهم رسوله .. فقال تعجبا (إن فيهم لوطا) فكيف يهلكون.
- فقالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها .. يعني تعلم
أن فيهم لوطا فلننجينه وأهله ونهلك الباقين. (تفسير مفاتيح الغيب ج25 ص51).
ب- قال الإمام ناصر الدين البيضاوي رحمه الله (المتوفى:
685هـ):
- (قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً):
- اعتراض عليهم بأن فيها من لم يظلم ..
- أو معارضة للموجب بالمانع وهو كون النبي
بين أظهرهم. (تفسير
البيضاوي ج4 ص193).
- معنى قوله (معارضة للموجب بالمانع): أي مجادلة معهم بما يوجب منع
نزول العذاب بالقرية وهو وجود لوط فيها.
ج- قال الإمام محمد متولي الشعراوي رحمه الله (المتوفى: 1418 هـ):
-
ومجادلة سيدنا إبراهيم في عقاب قوم لوط .. لم تكن ردّاً لأمر الله .. ولكن
طلباً للإمهال لعلهم يؤمنون .. ذلك أن قلب إبراهيم عليه السلام قلب رحيم.
-
ولذلك يأتي الحق سبحانه بالعلة في المجادلة في قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ
أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).
-
إذن: فالعلة في الجدال أنه حليم .. لا يُعجِّل بالعقوبة.
-
وأوَّاه أي: يتأوه من القلب .. والتأوه رقة في القلب.
- وإن كان التأوه من الأعلى فهذا يعني
الخوف من ألا يكون قد أدى حق الله تعالى .. وإن كان التأوه للأقل فهو رحمة ورأفة.
-
ولذلك فقد طلب إبراهيم عليه السلام من الله تعالى تأجيل العذاب
لقوم لوط لعلهم يؤمنون .. وتأوُّههُ هنا لله تعالى .. وعلى هؤلاء الجهلة بما
ينتظرهم من عذاب أليم.
-
وقال الحق سبحانه في صفات إبراهيم أنه (منيب) أي: يرجع إلى الحكم وإلى الحق في
قضاياه. (تفسير
الشعراوي ج11 ص6570)
#-
ثم يقول الإمام
الشعراوي:
-
وأيضاً كانت حجة إبراهيم عليه السلام في الجدال ما قاله الحق سبحانه في
سورة العنكبوت:
(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا
إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية إِنَّ أَهْلَهَا
كَانُواْ ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً) العنكبوت:31-32 .
-
وكان سؤال إبراهيم للملائكة: كيف تُهلكون أهل هذه القرية
وفيهم من هو يؤمن بالله وعلى رأسهم نبي من الله هو لوط عليه السلام .. وردت عليه
الملائكة:
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين) العنكبوت:32.
-
وكأن إبراهيم خليل الرحمن يعلم أن وجود مؤمنين مع الكافرين
في قرية واحدة .. يبيح له الجدال عن أهل القرية جميعاً.
-
ويتلقى إبراهيم الرد هنا في سورة هود في الآية التالية: (يا إبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا)
-
وقول الملائكة: (يا إبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا) هود:76..، يعني إبلاغ إبراهيم أن
مسألة تعذيب من لم يؤمن من قوم لوط أمرٌ مُنتهٍ ومحسوم .. فهم قد جاءوا لينفذوا ..
لا ليهدِّدوا.
-
وأبلغوا إبراهيم: (إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ
رَبَّكَ) هود:76 ..، وإذا ما كان الأمر قد جاء من
الله .. فإبراهيم عليه السلام لأنه (مُّنِيبٌ) يعلم أن أي أمر من الله تعالى
لا بد أن يُنفَّذ، فلا بد أن يَتقبَّل أمرَ الحق سبحانه: (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ
غَيْرُ مَرْدُودٍ) هود:76..، أي: لا أحد بقادر على
أن يرد عذاب الله. وكما أن هناك وعداً من الله تعالى غير مكذوب، فهناك أيضاً عذاب
غير مردود. (تفسير
الشعراوي ج11 ص6571-6572)
د- قال
الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ) عند قوله (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ):
- وقوله: (يجادلنا) هو جواب فلما صيغ بصيغة المضارع
لاستحضار الحالة العجيبة كقوله: (ويصنع الفلك) هود:38 .
-
وقوله: (في قوم لوط) على تقدير مضاف .. أي في عقاب
قوم لوط.
-
والمجادلة هنا: دعاء ومناجاة.
-
سأل بها إبراهيم عليه السلام ربه .. العفو عن قوم لوط خشية إهلاك
المؤمنين منهم.
-
وقد تكون المجادلة مع الملائكة ..، وعديت إلى ضمير الجلالة لأن
المقصود من جدال الملائكة التعرض إلى أمر الله بصرف العذاب عن قوم لوط.
-
والحليم: الموصوف بالحلم وهو صفة تقتضي الصفح واحتمال
الأذى.
-
والأواه: أصله الذي يكثر التأوه، وهو قول: أوه ..، وأوه: اسم فعل
نائب مناب أتوجع، وهو هنا كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس.
-
والمنيب: من أناب إذا رجع، وهو مشتق من النوب وهو النزول. والمراد
التوبة من التقصير، أي محاسب نفسه على ما يحذر منه.
-
وحقيقة الإنابة: الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته وتركه. (التحرير والتنوير ج12 ص123-124 - مختصرا).
#- وقال الإمام بن عاشور في
قوله (إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ
إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا) العنكبوت:31-32.
-
وجملة (إن أهلها كانوا ظالمين): تعليل للإهلاك وقصد به استئناس إبراهيم
لقبول هذا الخبر المحزن .. وأيضا لأن العدل يقتضي أن لا يكون العقاب إلا على ذنب
يقتضيه.
-
والظلم: ظلمهم أنفسهم بالكفر والفواحش .. وظلمهم الناس بالغصب
على الفواحش والتدرب بها.
-
وقوله (إن فيها لوطا): خبر مستعمل في التذكير بسنة الله
مع رسله من الإنجاء من العذاب الذي يحل بأقوامهم. (التحرير والتنوير ج20 ص242).
هـ- قال الإمام محمد سيد طنطاوي رحمه الله (المتوفى: 1431 هـ) - في
تفسير (يجادلنا في قوم لوط):
-
حكى سبحانه ما كان من إبراهيم بعد أن سكن خوفه .. واطمأن إلى ضيوفه فقال: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ
الرَّوْعُ) أي: الخوف والفزع .. بسبب اطمئنانه إلى
ضيوفه .. وعلمه أنهم ليسوا من البشر.
-
(وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) منهم بالولد، واتصال النسل،
فازداد سرورا بهم.
-
بعد كل ذلك .. أخذ إبراهيم (يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) أي: يجادل رسلنا ويحاورهم في شأن قوم
لوط .. وفي كيفية عقابهم .. بعد أن أخبروه بأنهم ذاهبون لإهلاكهم.
-
وأضاف سبحانه .. المجادلة إلى نفسه مع أنها كانت
مع الملائكة .. لأن نزولهم لإهلاك قوم لوط إنما كان بأمره تعالى .. فمجادلة
إبراهيم لهم هي مجادلة في تنفيذ أمره تعالى.
- وقال سبحانه: (يُجادِلُنا) مع أنها كانت في الماضي ..
لتصوير هذه الحالة في الذهن تصويرا حاضرا .. حتى تزداد منه العبرة والعظة.
#-
وهذه المجادلة التي كانت بين إبراهيم وبين الملائكة الذين أرسلوا
لإهلاك قوم لوط، قد حكاها سبحانه في سورة العنكبوت في قوله: (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا
إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) .. أي القرية التي يسكنها قوم
لوط .. (إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ . قالَ إِنَّ فِيها
لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا
امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) الآيتان 31- 32.
-
وهذا التفسير للمجادلة التي دارت بين إبراهيم والملائكة في عقاب
قوم لوط هو الصحيح .. لأن خير تفسير للقرآن هو ما كان بالقرآن.
-
وما ورد من أقوال تخالف ذلك فلا يلتفت إليها .. لعدم استنادها
إلى النقل الصحيح. (التفسير
الوسيط ج7 ص242-243).
و- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- لعل إبراهيم عليه السلام .. بعد أن جادل الملائكة في قوم لوط
وكيفية إهلاك قرية وفيها نبيا من الأنبياء .. ثم توجه إلى ربه ليشفع لقرية قوم لوط
في تأخير العذاب عنهم عسى أن يؤمن من أحد .. لعل تكن لدعوته استجابة .. ويظهر لي
ذلك من خلال جملة (لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) أن إبراهيم توجه لربه راجيا منه
أن يؤخر العذاب قليلا .. لعل منهم من قد يتوب ويؤمن .. وما فعل إبراهيم هذا
اعتراضا على حكم ربه وإنما لأن ما يحمله في قلبه من الرحمة هو ما دفعه لذلك .. إذ
أن حال إبراهيم هو الصبر على الأذى رجاء التغيير .. والتألم دائما لهموم الناس ..
ودائم الرجوع إلى الله في كل شيء.
- ولكن الله طلب من إبراهيم الإعراض عن هذا
الأمر .. فقد قضي الأمر ولا راد لأمر الله .. لأنك لا تعرف ما فعلوه أيها الحليم ولا تعرف كم
أمهلناهم حتى يتوبوا فما ازدادوا إلا ظلما وفجورا .. والله أعلم.
#- ثالثا: روايات
قيلت عن كيفية مجادلة النبي إبراهيم مع الملائكة أو مع ربه:
1-
أثر عن الصحابي
حذيفة بن اليمان.
-
جاء في (أثر صحابي
صحيح السند – ومنكر المتن) .. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ:
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ
حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ جُنْدَبٌ: قَالَ حُذَيْفَةُ: (لَمَّا أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ
إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لِيُهْلِكُوهُمْ، قِيلَ لَهُمْ: لَا تُهْلِكُوا قَوْمَ لُوطٍ
حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ
لُوطٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ..
-
قَالَ: وَطَرِيقُهُمْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: فَأَتَوْا إِبْرَاهِيمَ
فَبَشَّرُوهُ بِمَا بَشَّرُوهُ، (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ
وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) هود:74 ..
-
قَالَ: كَانَتْ مُجَادَلَتُهُ إِيَّاهُمْ .. أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إِنْ كَانَ
فِيهِمْ خَمْسُونَ يَعْنِي نَفْسًا أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا: لَا.
-
قَالَ: أَرَأَيْتُمْ فَأَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لَا.
-
قَالَ: فَثَلَاثُونَ ؟ قَالُوا: لَا.
-
حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَشَرَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ .. "شَكَّ سُلَيْمَانُ".
-
فَأَتَوْا لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَعْمَلُ فِيهَا،
فَحَسِبَهُمْ ضِيفَانًا .. فَأَقْبَلَ بِهِمْ حِينَ أَمْسَى إِلَى أَهْلِهِ ..
فَأَمْسَوْا مَعَهُ.
-
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَمَا تَرَوْنَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ ؟
-
قَالُوا: وَمَا يَصْنَعُونَ؟
-
قَالَ: هُمْ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ شَرًّا مِنْهُمْ. فَانْتَهَوْا بِهِ إِلَى
أَهْلِهِ .
-
فَانْطَلَقَتِ الْعَجُوزُ السُّوءُ، امْرَأَتُهُ، فَأَتَتْ قَوْمَهَا فَقَالَتْ:
لَقَدْ تَضَيَّفَ لُوطًا اللَّيْلَةَ قَوْمٌ مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَحْسَنَ وُجُوهًا
.. وَلَا أَطْيَبَ رِيحًا مِنْهُمْ .. فَأَقْبَلُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ..
حَتَّى دَفَعُوا الْبَابَ .. حَتَّى كَادُوا أَنْ يَغْلِبُوهُ عَلَيْهِ.
-
فَقَامَ مَلَكٌ بِجَنَاحِهِ .. فَصَفِقَهُ دُونَهُم .. ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ.
-
ثُمَّ عَلَوْا الْأَحَاجِيرَ فَعَلَوْا مَعَهُ ..
-
ثُمَّ جَعَلَ يُخَاطِبُهُمْ: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هود:78 ..،
حَتَّى بَلَغَ: (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) هود:80 ..، (قَالُوا يَا لُوطُ
إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) هود:81 ..
-
فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ.
-
فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا عَمِيَ.
-
قَالَ: فَبَاتُوا بِشَرِّ لَيْلَةٍ عُمْيًا، يَنْتَظِرُونَ الْعَذَابَ.
-
قَالَ: وَسَارَ بِأَهْلِهِ ..
-
فَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ فِي هُلْكِهِمْ .. فَأُذِنَ لَهُ .. فَارْتَفَعَ
الْأَرْضَ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا .. فَأَلْوَى بِهَا حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ
سَمَاءِ الدُّنْيَا نُبَاحَ كِلَابِهِمْ .. وَأَوْقَدَ تَحْتَهَا نَارًا .. ثُمَّ
قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ. فَسَمِعَتِ امْرَأَتُهُ الْوَجْبَةُ وَهِيَ مَعَهُ ..
فَالْتَفَتَتْ .. فَأَصَابَهَا الْعَذَابُ) رواه ابن أبي الدنيا في
العقوبات..، (قلت خالد صاحب الرسالة): السند ظاهره متصل صحيح .. وإن كان في نفسي شيئا منه وأشعر
بأن حميد بن هلال لم يسمع من جندب بن عبد الله .. والله أعلم.
#-
قلت تعقيبا على أثر
الصحابي حذيفة: المتن غير صحيح .. ليه ؟
أ-
لأن القرآن لم يذكر أن العذاب مشروط بشهادة لوط عليهم ثلاث مرات .. فهذا باطل ومخالف للقرآن مخالفة
صريحة لأن الله قال: (قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ
آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) هود:76.
-
ثم كيف يعقل النبي لوط عليهم .. وهو الذي دعا ربه بنزول عذابه بهم
؟!!
ب-
هذا الأثر مخالف لحديث النبي الصحيح .. لأن الرسل أتوا لقوم لوط في منتصف النهار
وليس مساءا .. وقابلوا ابنته لوط ولم يقابلوا لوط ..!!
-
إذ جاء في (حديث صحيح): عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ..، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ
مَسْعُودٍ ..، وَعَنْ أُنَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا قَالَ: (لَمَّا خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ
عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَ قَرْيَةِ لُوطٍ وَأَتَوْهَا نِصْفَ النَّهَارِ ..
فَلَمَّا بَلَغُوا نَهَرَ سَدُومٍ ... لَقَوُا ابْنَةَ لُوطٍ تَسْتَقِي مِنَ
الْمَاءِ لِأَهْلِهَا وَكَانَ لَهُ ابْنَتَانِ ..
-
فَقَالُوا لَهَا: يَا جَارِيَةُ هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟
-
قَالَتْ: نَعَمْ، مَكَانَكُمْ لَا تَدْخُلُوا حَتَّى آتِيَكُمْ.
-
فَأَتَتْ أَبَاهَا .. فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ أَدْرِكْ فِتْيَانًا عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ مَا
رَأَيْتُ وُجُوهَ قَوْمٍ هِيَ أَحْسَنُ مِنْهُمْ لَا يَأْخُذُهُمْ قَوْمُكَ
فَيَفْضَحُوهُمْ .. وَقَدْ كَانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أَنْ يُضِيفَ رَجُلًا حَتَّى
قَالُوا: حَلَّ عَلَيْنَا فَلْيُضَيِّفِ الرِّجَالَ.
-
فَجَاءَهُمْ وَلَمْ يُعْلِمْ أَحَدًا إِلَّا بَيْتَ أَهْلِ لُوطٍ.
-
فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهُ .. قَالَتْ: إِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ
رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ.
-
فَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ .. إلى آخر الحديث) رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح
على شرط مسلم .. ووافقه الذهبي..، (قلت خالد صاحب الرسالة): السند صحيح كما قال الإمام
الحاكم والذهبي.
ج-
ليس في القرآن إشارة لهذه المجادلة التي تم ذكرها في
الرواية .. وإنما المجادلة كانت في كيفية إهلاك قرية وفيها نبي صالح
يسكنها.. ولعل إبراهيم ارتقى بالشفاعة لأهل القرية بتأخير العذاب لهم لعل أحد منهم
يؤمن.
د-
قول الرواية (فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ
تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا عَمِيَ) فهذا كلام غير متصور في العقل حدوثه .. لأن من حدث له ذلك هم بعض أهل القرية الذين
أرادوا اقتحام منزل النبي لوط .. ليس لكل القرية .. وإلا فما فائدة حدوث العذاب
نهارا ؟!!
- وسياتي
توضيح تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ
ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) القمر:37.
هـ-
وقول الرواية (فَارْتَفَعَ الْأَرْضَ الَّتِي كَانُوا
عَلَيْهَا .. فَأَلْوَى بِهَا حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ سَمَاءِ الدُّنْيَا نُبَاحَ
كِلَابِهِمْ .. وَأَوْقَدَ تَحْتَهَا نَارًا .. ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ) فهذا ما لا وجود له في القرآن .. بل ظاهر
القرآن مخالف له .. لأن جعل العالي سافلا بمعنى هدم أعلي مدائنهم ومساواتها بالأرض
.. فلم يعد لهم ما يحتمون به .. ثم نزلت عليهم الحجارة من سجيل أي من طين متحجر.
@- فمن أجل ما سبق .. قلت أن المتن منكر ولا يصح.
2- أثر عن الصحابي عبد الله بن عباس:
أ-
جاء في (أثر
صحابي ضعيف) .. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْحِمَّانِيُّ، عَنِ الأعمش، عن المنهال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: (قَالَ الْمَلَكُ لإِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ
فِيهَا خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) رواه الطبري في تفسير. (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر ضعيف .. فيه (جابر بن نوح الحماني) ضعيف
الحديث .. قد ضعفه أبو حاتم والنسائي ويحيى بن معين وبن عدي. (راجع تهذيب الكمال ترجمة رقم 876)..،
فضلا عن تدليس الأعمش في الرواية عن المنهال بن عمرو إذ لم يصرح الأعمش بالتحديث
عنه..، قال الإمام الذهبي: وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف، ولا يدرى به، فمتى قال
حدثنا فلا كلام، ومتى قال " عن " تطرق إلى احتمال التدليس إلا في شيوخ
له أكثر عنهم: كإبراهيم، وابن أبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا
الصنف محمولة على الاتصال. (راجع ميزان الإعتدال ترجمة 3517 ج2 ص224).
ب– جاء في (أثر صحابي ضعيف) .. عن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ
الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي سَعْدٌ .. قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّيِ
الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ
الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا
مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ
فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا) العنكبوت:32.
- قَالَ: فَجَادَلَ إِبْرَاهِيمُ
عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَلَائِكَةَ فِي قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ
يُتْرَكُوا .. فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا عَشْرَةُ أَبْيَاتٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ أَتَتْرُكُونَهُمْ ؟
- فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ:
لَيْسَ فِيهَا عَشْرَةُ أَبْيَاتٍ وَلَا خَمْسَةٌ .. وَلَا أَرْبَعَةٌ .. وَلَا
ثَلَاثَةٌ .. وَلَا اثْنَانِ ..
- قَالَ: فَخَشِيَ إِبْرَاهِيمُ
عَلَى لُوطٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ
أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ
مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:32 ..، فَذَلِكَ قَوْلُهُ (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ
لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود:74.
- فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: (يَا
إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ
آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) هود:76.
-
فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
فَانْتَسَفَ الْمَدِينَةَ , وَمَا فِيهَا بِأَحَدِ جَنَاحَيْهِ .. فَجَعَلَ
عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَتَبِعَتْهُمُ الْحِجَارَةُ بِكُلِّ أَرْضٍ) رواه الآجري في ذم اللواط.. (قلت خالد صاحب الرسالة): أثر ضعيف جدا .. وهذا السند ضعيف جدا وفيه (عطيه
العوفي) وابنه (الحسن بن عطية العوفي) و (محمد بن الحسن بن عطية) و (الحسين بن
الحسن بن عطية العوفي) وهو عم سعد بن محمد العوفي .. جميعهم ضعفاء .. وهذا يسمى
بسند العوفيين .. ومنتشر بكثرة في التفاسير .. فإذا رأيت هذا السند فاعرف مباشرة
أنه سند ضعيف جدا .. ، وقال الإمام أحمد شاكر رحمه الله في تخريج تفسير الطبري
عند الخبر رقم305 ج1 ص263: (هذا الإسناد
من أكثر الأسانيد دورانا في تفسير الطبري، وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة
واحدة، إن صح هذا التعبير! وهو معروف عند العلماء بـ "تفسير العوفي").
اهـ
4-
أثر عن التابعي سعيد بن جبير.
-
جاء في (أثر
تابعي ضعيف سندا ومتنه مجهول المصدر) .. عن يعقوب القمي قال: حَدَّثَنَا جعفر عن سعيد
"بن جبير": (يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ» قال: لما جاءه
جبرئيل ومن معه، قالوا لإبراهيم: «إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ
إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ» قال لهم ابراهيم: اتهلكون قريه فيها أربعمائة
مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا:
لا،
قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها مائة
مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟
قالوا:
لا، قال: أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا؟ قالوا: لا.
-
وكان ابراهيم يعدهم أربعة عشر بامرأة لوط .. فسكت عنهم، واطمأنت نفسه) رواه الطبري في تفسيره..، (قلت خالد صاحب الرسالة): أثر ضعيف السند ..، ولا دليل على صحة هذا
المتن من القرآن ولا حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا يوجد مصدر شرعي صحيح يقول
بهذه المجادلة .. وسبب ضعف السند أن فيه (محمد بن حميد الرازي) شيخ الطبري وهو
ضعيف. (راجع تهذيب التهذيب
ج9 ص131) ..، وفيه (جعفر بن أبي المغيرة القمي) قال عنه بن منده: ليس بالقوى في سعيد بن جبير (راجع تهذيب التهذيب ج2 ص108).
5-
وجاءت روايات عن بعض التابعين مثل قتادة والسدي وابن اسحاق وابن جريج .. وكلها روايات
بدون ذكر للمصدر الذي نقلوا عنه هذه المجادلة ..!!
-
وعموما لا قيمة لهذه الروايات بدون مصدر شرعي موثوق فيه لقبولها .. وإنما أحببت فقط الإشارة إلى أن كثير من
الأقوال تقول بهذه المجادلة بين إبراهيم والملائكة دون ذكر مصدر هذه المجادلة .. والتي
مصدرها توراة اليهود والنصارى .. ولعل التابعين وبعض الصحابة أخذوها عن اهل الكتاب
الذين أسلموا ..
#- وإليك
بيان ما جاء في توراة اليهود والنصارى:
-
جاء في سفر التكوين .. أن ضيوف إبراهيم كانوا ثلاثة .. وواحد منهم
كان الرب متجسدا ف صورة إنسان وهو ما تكلم مع إبراهيم بعد ذهاب الملكين لتدمير
قرية لوط وهي قرية سدوم.
22-
وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ .. وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ
فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ.
23
فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ ؟
24
عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ .. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ
وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟
25
حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ،
فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ
عَدْلًا؟
26
فَقَالَ الرَّبُّ: إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ
.. فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ.
27
فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا
تُرَابٌ وَرَمَادٌ.
28
رُبَّمَا نَقَصَ الْخَمْسُونَ بَارًّا خَمْسَةً. أَتُهْلِكُ كُلَّ الْمَدِينَةِ بِالْخَمْسَةِ؟
..، فَقَالَ: لاَ أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ.
29
فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ .. فَقَالَ:
لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ.
30
فَقَالَ: لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ..
فَقَالَ: لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ.
31
فَقَالَ: إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ..
فَقَالَ: لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ.
32
فَقَالَ: لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ
يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ .. فَقَالَ: لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ.
33
وَذَهَبَ الرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ .. وَرَجَعَ
إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ) سفر التكوين 18: 22-33.
#-
ونذكركم أن الرب في الرواية
التوراتية كان متجسد في صورة إنسان وقت ان كان يكلمه إبراهيم .. وليس كان إبراهيم
يناجيه بقلبه ويكلمه الله بالوحي .. لا .. الرب عندهم كان متجسد في صورة إنسان وقد
توسخت قدمه وغسلها إبراهيم .. وقدم إليه الطعام فأكله..!!
-
وهذه عقيدة باطلة عند المسلمين .. وسبق الكلام عن ذلك في الفصل السابق من هذه الرسالة.
#-
إذن: مسألة المجادلة في أعداد البيوت الموجودة في قرية قوم
لوط .. هي في الأصل رواية توراتية وليست إسلامية .. وإنما الرواية القرآنية فقط تقول
أن إبراهيم جادل في كيفية إهلاك قرية وفيها نبي موجود بينهم .. ثم يقال لعل
إبراهيم سأل ربه في تأخير العذاب عن قوم لوط إذ ربنا يؤمن أحد منهم .. ولكن
إبراهيم لم يمنع نزول العذاب.
#- وخلاصة
القول:
1- مجادلة النبي إبراهيم عن قوم لوط .. إنما بسبب وجود النبي لوط فيها .. إذ كيف يتم
هلاك قرية ونبيها فيها قائم بينهم .. ولعل سأل ربه التأخير في نزول العذاب لعل أحد
من القرية يؤمن.
2- مسألة أن
إبراهيم جادل الملائكة بأنه لو كان يوجد
خمسين بيت مؤمن في القرية أو أربعين أو
عشرين أو خمسة بيوت من المؤمنين في قرية لوط .. فلا يتم نزول العذاب بهم حينئذ .. (فهذه مجادلة لا دليل عليها في القرآن أو في حديث النبي صلى الله عليه وسلم).
- وإنما هذه المجادلة موجود في توراة اليهود والنصارى ولعل بعض
الصحابة والتابعين أخذوا ذلك عمن أسلموا من أهل الكتاب في زمانهم.. لأنهم لم يجدوا
لهذه المجادلة مخالفة لظاهر نص القرآن .. والله أعلم.
#- ويشهد لصحة كلامي في نقل هذه المجادلة عن اهل الكتاب الذين
أسلموا .. هو ما جاء فيما رواه الآجري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: (كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ
السَّلَامُ يُشْرِفُ عَلَى سَدُومَ كُلَّ يَوْمٍ , فَيَقُولُ: وَيْلٌ لَكَ سَدُومُ
يَوْمًا هَالِكٌ , قَالَ: فَجَاءَتْ إِبْرَاهِيمَ الرُّسُلُ , وَهُوَ قَوْلُهُ
تَعَالَى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا)
... إلى آخر الرواية الطويلة) رواه الآجري في ذم اللواط .. بسند مقبول ولكن متن فيه
نكارة .. وكعب هو التابعي (كعب الأحبار) وكان من علماء اليهود في زمنه وأسلم
وحسن إسلامه.
- والله أعلم.
*****************
..:: س84: هل كانت مجادلة إبراهيم في قوم
لوط عن اعتراض لأمر الله ؟ ::..
1-
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ
الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ
لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود:74-75.
#- ذكر الإمام الفخر الرازي رحمه الله (المتوفى:606 هـ)
- مسألتين حول هذه
الآية وأجاب عنهما .. فقال رحمه الله:
أ-
فإن قيل: هذه المجادلة إن كانت مع الله تعالى فهي جراءة على الله
.. والجراءة على الله تعالى من أعظم الذنوب .. ولأن المقصود من هذه المجادلة إزالة
ذلك الحكم وذلك يدل على أنه ما كان راضيا بقضاء الله تعالى وأنه كفر.
ب-
وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضا عجيبة ..
لأن المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط .. فإن كان قد اعتقد فيهم
أنهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظن بهم.
-
وإن اعتقد فيهم أنهم بأمر الله جاءوا فهذه المجادلة تقتضي أنه كان
يطلب منهم مخالفة أمر الله تعالى وهذا منكر. (التفسير الكبير مفاتيح الغيب ج18 ص376).
#- والجواب على ما سبق – قال الفخر الرازي ما مختصره:
1-
أنه تعالى مدحه عقيب هذه الآية فقال: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) .. ولو كان هذا الجدل من الذنوب
لما ذكر عقيبه ما يدل على المدح العظيم. (التفسير الكبير مفاتيح الغيب ج18 ص376).
2-
أن المراد من هذه المجادلة سعي إبراهيم في تأخير العذاب عنهم ...،
مجادلة إبراهيم عليه السلام إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيما بينهم. (التفسير الكبير مفاتيح الغيب ج18 ص376-377 - مختصرا).
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- ليس في مجادلة إبراهيم لربه أو لملائكته أي غرابة أو إساءة
.. حتى يكون لها سؤال .. لأنها ليست مجادلة لمنع أمر الله .. وإنما شفاعة لربه أن
يؤخر العذاب فيهم لعل منهم من ينصلح ولذلك عذر الله إبراهيم فقال عنه : (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) ..، ولم يكن يعلم عليه السلام أن هذا الأمر فيه
قضاء غير مردود ولا شفاعة فيه .. فقد قضي الأمر لأسباب كان إبراهيم يجهلها مثل
استيلاء الفساد في نفوسهم والظلم والفسق وعشق المنكر وجعلوا من الدعارة الذكورية
أي اللواط منهج حياة لهم.
- والله أعلم.
*******************
..:: س85: كيف يكون إبراهيم حليما على
قوم لوط ويرجو تأخير العذاب لهم في حين الله الحليم لم يرضى بتأخير العذاب لهم ؟ ::..
- قد يخاطرك سؤال فتقول: إذا كان إبراهيم هو حليم وحاول الشفاعة في
قوم لوط .. فلماذا الله الحليم جل شأنه لم يكن حليما عليهم ؟!
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- أنت مخطيء في فهم حلم الله .. وحلم إبراهيم .. ليه ؟
1- فحُلم إبراهيم كان عن جهالة بما وصل إليه حال قوم لوط ..
ولم يعرف أنهم هم من طلبوا العذاب إنكارا للقدرة الإلهية .. ولم يعرف بدعوة النبي
لوط .. حين قالوا للوط: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ
كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ)
العنكبوت:29-30.
2- ولو لم يكن الله حليما بهم .. ما كان أرسل فيهم لوطا يحذرهم وينذرهم
ومكث فيهم سنوات كثيرة قيل أنها بلغت عشرون عاما .. والبعض قال ثلاثون.
#- أما رفع الحلم الإلهي عنهم فذلك لأسباب:
1- هم من طلبوا بأنفسهم عذاب الله إن كان نبي الله المرسل
إليهم هو صادق .. دلالة على تحديهم لله في الأرض بأنه غير قادر عليهم.
2- ولأن الله أرسل لهم لوطا وحاورهم كثيرا وأنذرهم
عذاب الله مرارا وتكرارا ..، لقطع العذر عنهم.
3- علم الله بحالهم وما فعلوه ويفعلوه واستباحوه من
اللواط وعشق المنكر وقطع الطرق .. حتى أصبح الإفساد في الأرض منهج حياة في أنفسهم
وفيمن حولهم من أهل القرى.
- والله أعلم.
*****************
..:: س86: لماذا أتى القرآن بلفظ (يجادلنا في قوم لوط) ولم يقل "جادلنا" ؟ ::..
#-
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ
الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ
أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود:75-76.
1-
قال الإمام
إبراهيم بن عمر البقاعي رحمه الله (المتوفى:855 هـ) .. عند قوله (يجادلنا في قوم لوط):
-
وضع المضارع موضع الماضي .. إشارة إلى تكرر المجادلة .. مع
تصوير الحال .. أي جادلنا فيهم جدالاً كثيراً. (تفسير نظم الدرر ج9 ص334).
2- قال
الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ):
- وقوله: (يجادلنا) هو جواب فلما صيغ بصيغة المضارع
لاستحضار الحالة العجيبة كقوله: (ويصنع الفلك) هود:38 . (التحرير والتنوير ج12 ص123).
3-
قال الإمام محمد
سيد طنطاوي رحمه الله (المتوفى: 1431 هـ):
- وقال سبحانه: (يُجادِلُنا) مع أنها كانت في الماضي ..
لتصوير هذه الحالة في الذهن تصويرا حاضرا .. حتى تزداد منه العبرة والعظة.(التفسير الوسيط ج7 ص243).
#-
وخلاصة القول:
-
أتى القرآن عن إبراهيم بلفظ (يجادلنا)
لتتصور حال إبراهيم عليه السلام وأنه كان يحاول متوسلا وشافعا بأقصى ما استطاع من عزيمة .. ليؤخر نزول العذاب بالقرية عسى أن يؤمن أحد منهم.
-
ولفظ (يجادلنا) يوحي
إلي في نفسي هذا اللفظ .. بأن الإلحاح على الله مطلوب في العبادة .. ومن وراءه
رجاء إجابة الدعاء .. ولكن في غير المستبيح للحرام .. أي ولا تطلب رحمة الله للذي
يقول أن المعصية حلال وليست حرام ..، ولكن لو كان الشخص يفعل المعصية وهو يعلم
أنها معصية فهذا يرجى له التوبة بالدعاء له لأنه ليسن بمستكبر على الله بجحود
أحكام الله بل هو مقر بالعيان ولكن نفسه تغلبه .. وعسى أن يقبل الله دعاءك للعاصي
بظهر الغيب طالما ليس هذا العاصي غير مستبيح لحرمات الله ليتحدى الله في الأرض.
- والله أعلم.
*******************
..:: س87: ماذا أفاد قول الملائكة (إنا مهلكو أهل هذه القرية) وماذا أفاد وصف القرية بقولهم
(إن أهلها كانوا ظالمين) ؟ ::..
#- قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ
أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:31-32.
#- قال الإمام إبراهيم بن عمر البقاعي رحمه الله
(المتوفى:855 هـ):
-
(إنا مهلكو) وأضافوا تحقيقاً لأن الأمر قد حق
وفرغ منه .. فقالوا: (أهل هذه القرية).
-
ثم عللوا ذلك بقولهم: (إن أهلها) إفهاماً لأن المراد أهلها
الأصلاء في ذلك .. إخراجاً للوط عليه السلام.
-
(كانوا ظالمين) أي عريقين في هذا الوصف .. فلا
حيلة في رجوعهم عنه. (نظم
الدرر ج14 ص429 -
مختصرا).
#- قلت (خالد
صاحب الرسالة)
عن وصف الملائكة
لأهل القرية بقولهم فيهم (إن أهلها كانوا ظالمين):
1-
دلت شهادة الملائكة فيهم بقولهم عنهم (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ): إلى تمكين الظلم فيهم تمكينا
لم يعد يفارقهم .. وكانه حقا من حقوقهم أن يظلموا أنفسهم والناس من حولهم.. لأن
لفظ (كانوا) يدل على ثبات الوصف فيهم .. ولفظ (إن) يدل على تأكيد الوصف فيهم
تأكيدا لازما فيهم لا يحتمل الشك.
2-
وجملة (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ): فيها دليلا على أن ما فعلوه كان عن اختيار منهم .. وليس لأن هذه طبيعة خلقتهم
واختلاف هرمونات فيهم كما يقول الكذابون .. لأن الظلم لا يصدر إلى عن نفس
عاقلة متفهمة ولها قدرة على الإختيار واتخاذ القرار بالإيجاب أو الرفض.
3-
وجملة (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ): دلت على أن لوط ليس من الظالمين .. لأنه ليس
من أهلها.
4-
وجملة (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا
ظَالِمِينَ): دلت على استحقاق قوم لوط لنزول العذاب بهم .. لأن وصفهم بالظالمين المتمكن
الظلم منهم .. أي ظالمين بكفرهم بالله وممارسة الفحشاء علنا وجهرا واغتصاب أموال
الناس بقطع الطريق عليهم وقتلهم مع استباحة كل ذلك دون ندم أو توبة ..
- والله
أعلم.
#-
ومن الفصل القادم إن شاء الله نبدأ في سرد أحداث النهاية لقوم لوط من لحظة وصول
الملائكة للنبي لوط عليه السلام في قرية سدوم .. والله ولي التوفيق.
*****************
(الجزء التاسع والعشرون)
#- فهرس:
:: الفصل التاسع والعشرون :: عن مسائل حول مجادلة النبي إبراهيم مع الملائكة في قوم لوط ::
1- س83: كيف كانت مجادلة النبي إبراهيم مع الملائكة في قوم لوط ؟
#- أولا: ما هو المفهوم الجدال ؟
#- ثانيا: حقيقة مجادلة النبي إبراهيم للملائكة في قوم
لوط.
#- ثالثا: روايات قيلت عن كيفية مجادلة النبي إبراهيم
مع الملائكة أو مع ربه.
2- س84: هل كانت مجادلة إبراهيم في قوم لوط عن اعتراض لأمر الله ؟
3- س85: كيف
يكون إبراهيم حليما على قوم لوط ويرجو تأخير العذاب لهم في حين الله الحليم لم
يرضى بتأخير العذاب لهم ؟
4- س86: لماذا أتى القرآن بلفظ (يجادلنا في قوم لوط) ولم يقل "جادلنا" ؟
5- س87: ماذا أفاد قول الملائكة (إنا مهلكو أهل هذه القرية) ؟ وماذا أفاد وصف القرية بقولهم (إن أهلها كانوا ظالمين) ؟
*****************
:: الفصل التاسع والعشرون ::
******************
..:: س83: كيف كانت مجادلة النبي إبراهيم
مع الملائكة في قوم لوط ؟ ::..
1- قال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) هود:69-76.
2- قال تعالى حاكيا عن دعوة النبي لوط وما ترتب
عليها: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ
الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى
قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا
ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ
فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ
وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:30-32.
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
#- أولا: ما
هو المفهوم الجدال ؟
- الجدال: هو الحوار الّذي يحدث بين طرفين
أو أكثر .. على سبيل المغالبة في الرأي أي إقناع الآخر بالرأي .. وذلك الجدل قد
يكون لإثبات حق (كما في حال الأنبياء مع أهل الكفر) .. أو إثبات باطل (كما في حال
أهل الكفر مع الأنبياء) .. أو لبيان إشكالية (كالتي جادلت في ظهار زوجها لها) ..
أو اعتراض على رأي لغرابته مع الواقع (كما جادل إبراهيم الملائكة على إهلاك قرية
قوم لوط وفيها نبيا بينهم).
- والغرض من أي جدال هو المغالبة بالرأي
على رأي الآخر .. أي إقناع الآخر.
-
والجدل: قد يكون محمود أو مذموم .. وذلك حسب هو جدل لإثبات
حق إم لإثبات باطل.
- والجدل إما مأخوذ من لفظ الجَدَالة: وهي
الأرض الصلبة .. والمعنى أن كل شخص يريد أن يغلب الآخر برأيه ليسقط الرأي المقابل
.. كما يسقط المصارع من يصرعه على الأرض .. أو مأخوذ من جَدْل الحبل أي تقوية
فتلته .. وكأن كل طرف يريد أن يقوي حجته على حجة الآخر .. مثلما تزداد قوة الحبل
المجدول كلما زادت فتلته. والله أعلم.
#- ثانيا: حقيقة
مجادلة النبي إبراهيم للملائكة في قوم لوط.
- قال تعالى: (فَلَمَّا
ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ
(74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود:74-75.
- فهنا ظهر لفظ المجادلة أو المحاورة .. ولكن يفسر
القرآن بعد ذلك .. كيف كانت هذه المجادلة وعلى أي أساس.
1- ولكن بعض
العلماء فهم أن أساس المجادلة هو ما جاء في سورة العنكبوت ..، وذلك حينما قالت
الملائكة: (إنَّا
مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) العنكبوت:31 ..، فقال النبي إبراهيم ردا عليهم: ( قَالَ
إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:32.
2- وقول النبي إبراهيم للملائكة: (إِنَّ فِيهَا لُوطًا) فيه
معنيان:
- الأول: اعتراض على أنهم لم يستثنوا لوط حينما وصفوا
أهل القرية بالظالمين.
- الثاني: معارضة (مجادلة) الملائكة بأنه كيف يهلكون
أهل قرية وفيهم نبي قائم بينهم ؟
3- وإليك تفسير مما قاله بعض العلماء - ثم أذكر تعقيبا بعد ذلك:
أ- قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله (المتوفى:606
هـ):
- إن إبراهيم لما سمع قولهم قال لهم: (إن فيها
لوطا): إشفاقا عليه ليعلم حاله.
- أو لأن الملائكة لما قالوا: (إنا مهلكوا) وكان إبراهيم يعلم أن الله لا
يهلك قوما وفيهم رسوله .. فقال تعجبا (إن فيهم لوطا) فكيف يهلكون.
- فقالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها .. يعني تعلم
أن فيهم لوطا فلننجينه وأهله ونهلك الباقين. (تفسير مفاتيح الغيب ج25 ص51).
ب- قال الإمام ناصر الدين البيضاوي رحمه الله (المتوفى:
685هـ):
- (قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً):
- اعتراض عليهم بأن فيها من لم يظلم ..
- أو معارضة للموجب بالمانع وهو كون النبي
بين أظهرهم. (تفسير
البيضاوي ج4 ص193).
- معنى قوله (معارضة للموجب بالمانع): أي مجادلة معهم بما يوجب منع
نزول العذاب بالقرية وهو وجود لوط فيها.
ج- قال الإمام محمد متولي الشعراوي رحمه الله (المتوفى: 1418 هـ):
-
ومجادلة سيدنا إبراهيم في عقاب قوم لوط .. لم تكن ردّاً لأمر الله .. ولكن
طلباً للإمهال لعلهم يؤمنون .. ذلك أن قلب إبراهيم عليه السلام قلب رحيم.
-
ولذلك يأتي الحق سبحانه بالعلة في المجادلة في قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ
أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).
-
إذن: فالعلة في الجدال أنه حليم .. لا يُعجِّل بالعقوبة.
-
وأوَّاه أي: يتأوه من القلب .. والتأوه رقة في القلب.
- وإن كان التأوه من الأعلى فهذا يعني
الخوف من ألا يكون قد أدى حق الله تعالى .. وإن كان التأوه للأقل فهو رحمة ورأفة.
-
ولذلك فقد طلب إبراهيم عليه السلام من الله تعالى تأجيل العذاب
لقوم لوط لعلهم يؤمنون .. وتأوُّههُ هنا لله تعالى .. وعلى هؤلاء الجهلة بما
ينتظرهم من عذاب أليم.
-
وقال الحق سبحانه في صفات إبراهيم أنه (منيب) أي: يرجع إلى الحكم وإلى الحق في
قضاياه. (تفسير
الشعراوي ج11 ص6570)
#-
ثم يقول الإمام
الشعراوي:
-
وأيضاً كانت حجة إبراهيم عليه السلام في الجدال ما قاله الحق سبحانه في
سورة العنكبوت:
(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا
إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية إِنَّ أَهْلَهَا
كَانُواْ ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً) العنكبوت:31-32 .
-
وكان سؤال إبراهيم للملائكة: كيف تُهلكون أهل هذه القرية
وفيهم من هو يؤمن بالله وعلى رأسهم نبي من الله هو لوط عليه السلام .. وردت عليه
الملائكة:
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين) العنكبوت:32.
-
وكأن إبراهيم خليل الرحمن يعلم أن وجود مؤمنين مع الكافرين
في قرية واحدة .. يبيح له الجدال عن أهل القرية جميعاً.
-
ويتلقى إبراهيم الرد هنا في سورة هود في الآية التالية: (يا إبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا)
-
وقول الملائكة: (يا إبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا) هود:76..، يعني إبلاغ إبراهيم أن
مسألة تعذيب من لم يؤمن من قوم لوط أمرٌ مُنتهٍ ومحسوم .. فهم قد جاءوا لينفذوا ..
لا ليهدِّدوا.
-
وأبلغوا إبراهيم: (إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ
رَبَّكَ) هود:76 ..، وإذا ما كان الأمر قد جاء من
الله .. فإبراهيم عليه السلام لأنه (مُّنِيبٌ) يعلم أن أي أمر من الله تعالى
لا بد أن يُنفَّذ، فلا بد أن يَتقبَّل أمرَ الحق سبحانه: (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ
غَيْرُ مَرْدُودٍ) هود:76..، أي: لا أحد بقادر على
أن يرد عذاب الله. وكما أن هناك وعداً من الله تعالى غير مكذوب، فهناك أيضاً عذاب
غير مردود. (تفسير
الشعراوي ج11 ص6571-6572)
د- قال
الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ) عند قوله (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ):
- وقوله: (يجادلنا) هو جواب فلما صيغ بصيغة المضارع
لاستحضار الحالة العجيبة كقوله: (ويصنع الفلك) هود:38 .
-
وقوله: (في قوم لوط) على تقدير مضاف .. أي في عقاب
قوم لوط.
- والمجادلة هنا: دعاء ومناجاة.
-
سأل بها إبراهيم عليه السلام ربه .. العفو عن قوم لوط خشية إهلاك
المؤمنين منهم.
-
وقد تكون المجادلة مع الملائكة ..، وعديت إلى ضمير الجلالة لأن
المقصود من جدال الملائكة التعرض إلى أمر الله بصرف العذاب عن قوم لوط.
- والحليم: الموصوف بالحلم وهو صفة تقتضي الصفح واحتمال الأذى.
-
والأواه: أصله الذي يكثر التأوه، وهو قول: أوه ..، وأوه: اسم فعل
نائب مناب أتوجع، وهو هنا كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس.
- والمنيب: من أناب إذا رجع، وهو مشتق من النوب وهو النزول. والمراد التوبة من التقصير، أي محاسب نفسه على ما يحذر منه.
-
وحقيقة الإنابة: الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته وتركه. (التحرير والتنوير ج12 ص123-124 - مختصرا).
#- وقال الإمام بن عاشور في
قوله (إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ
إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا) العنكبوت:31-32.
-
وجملة (إن أهلها كانوا ظالمين): تعليل للإهلاك وقصد به استئناس إبراهيم
لقبول هذا الخبر المحزن .. وأيضا لأن العدل يقتضي أن لا يكون العقاب إلا على ذنب
يقتضيه.
- والظلم: ظلمهم أنفسهم بالكفر والفواحش .. وظلمهم الناس بالغصب على الفواحش والتدرب بها.
- وقوله (إن فيها لوطا): خبر مستعمل في التذكير بسنة الله مع رسله من الإنجاء من العذاب الذي يحل بأقوامهم. (التحرير والتنوير ج20 ص242).
هـ- قال الإمام محمد سيد طنطاوي رحمه الله (المتوفى: 1431 هـ) - في
تفسير (يجادلنا في قوم لوط):
-
حكى سبحانه ما كان من إبراهيم بعد أن سكن خوفه .. واطمأن إلى ضيوفه فقال: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ
الرَّوْعُ) أي: الخوف والفزع .. بسبب اطمئنانه إلى
ضيوفه .. وعلمه أنهم ليسوا من البشر.
-
(وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) منهم بالولد، واتصال النسل،
فازداد سرورا بهم.
-
بعد كل ذلك .. أخذ إبراهيم (يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) أي: يجادل رسلنا ويحاورهم في شأن قوم
لوط .. وفي كيفية عقابهم .. بعد أن أخبروه بأنهم ذاهبون لإهلاكهم.
-
وأضاف سبحانه .. المجادلة إلى نفسه مع أنها كانت
مع الملائكة .. لأن نزولهم لإهلاك قوم لوط إنما كان بأمره تعالى .. فمجادلة
إبراهيم لهم هي مجادلة في تنفيذ أمره تعالى.
- وقال سبحانه: (يُجادِلُنا) مع أنها كانت في الماضي ..
لتصوير هذه الحالة في الذهن تصويرا حاضرا .. حتى تزداد منه العبرة والعظة.
#-
وهذه المجادلة التي كانت بين إبراهيم وبين الملائكة الذين أرسلوا
لإهلاك قوم لوط، قد حكاها سبحانه في سورة العنكبوت في قوله: (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا
إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) .. أي القرية التي يسكنها قوم
لوط .. (إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ . قالَ إِنَّ فِيها
لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا
امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) الآيتان 31- 32.
-
وهذا التفسير للمجادلة التي دارت بين إبراهيم والملائكة في عقاب
قوم لوط هو الصحيح .. لأن خير تفسير للقرآن هو ما كان بالقرآن.
- وما ورد من أقوال تخالف ذلك فلا يلتفت إليها .. لعدم استنادها إلى النقل الصحيح. (التفسير الوسيط ج7 ص242-243).
و- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- لعل إبراهيم عليه السلام .. بعد أن جادل الملائكة في قوم لوط
وكيفية إهلاك قرية وفيها نبيا من الأنبياء .. ثم توجه إلى ربه ليشفع لقرية قوم لوط
في تأخير العذاب عنهم عسى أن يؤمن من أحد .. لعل تكن لدعوته استجابة .. ويظهر لي
ذلك من خلال جملة (لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) أن إبراهيم توجه لربه راجيا منه
أن يؤخر العذاب قليلا .. لعل منهم من قد يتوب ويؤمن .. وما فعل إبراهيم هذا
اعتراضا على حكم ربه وإنما لأن ما يحمله في قلبه من الرحمة هو ما دفعه لذلك .. إذ
أن حال إبراهيم هو الصبر على الأذى رجاء التغيير .. والتألم دائما لهموم الناس ..
ودائم الرجوع إلى الله في كل شيء.
- ولكن الله طلب من إبراهيم الإعراض عن هذا
الأمر .. فقد قضي الأمر ولا راد لأمر الله .. لأنك لا تعرف ما فعلوه أيها الحليم ولا تعرف كم
أمهلناهم حتى يتوبوا فما ازدادوا إلا ظلما وفجورا .. والله أعلم.
#- ثالثا: روايات
قيلت عن كيفية مجادلة النبي إبراهيم مع الملائكة أو مع ربه:
1-
أثر عن الصحابي
حذيفة بن اليمان.
-
جاء في (أثر صحابي
صحيح السند – ومنكر المتن) .. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ:
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ
حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ جُنْدَبٌ: قَالَ حُذَيْفَةُ: (لَمَّا أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ
إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لِيُهْلِكُوهُمْ، قِيلَ لَهُمْ: لَا تُهْلِكُوا قَوْمَ لُوطٍ
حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ
لُوطٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ..
-
قَالَ: وَطَرِيقُهُمْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: فَأَتَوْا إِبْرَاهِيمَ
فَبَشَّرُوهُ بِمَا بَشَّرُوهُ، (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ
وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) هود:74 ..
-
قَالَ: كَانَتْ مُجَادَلَتُهُ إِيَّاهُمْ .. أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إِنْ كَانَ
فِيهِمْ خَمْسُونَ يَعْنِي نَفْسًا أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا: لَا.
-
قَالَ: أَرَأَيْتُمْ فَأَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لَا.
-
قَالَ: فَثَلَاثُونَ ؟ قَالُوا: لَا.
-
حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَشَرَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ .. "شَكَّ سُلَيْمَانُ".
-
فَأَتَوْا لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَعْمَلُ فِيهَا،
فَحَسِبَهُمْ ضِيفَانًا .. فَأَقْبَلَ بِهِمْ حِينَ أَمْسَى إِلَى أَهْلِهِ ..
فَأَمْسَوْا مَعَهُ.
-
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَمَا تَرَوْنَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ ؟
-
قَالُوا: وَمَا يَصْنَعُونَ؟
-
قَالَ: هُمْ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ شَرًّا مِنْهُمْ. فَانْتَهَوْا بِهِ إِلَى
أَهْلِهِ .
-
فَانْطَلَقَتِ الْعَجُوزُ السُّوءُ، امْرَأَتُهُ، فَأَتَتْ قَوْمَهَا فَقَالَتْ:
لَقَدْ تَضَيَّفَ لُوطًا اللَّيْلَةَ قَوْمٌ مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَحْسَنَ وُجُوهًا
.. وَلَا أَطْيَبَ رِيحًا مِنْهُمْ .. فَأَقْبَلُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ..
حَتَّى دَفَعُوا الْبَابَ .. حَتَّى كَادُوا أَنْ يَغْلِبُوهُ عَلَيْهِ.
-
فَقَامَ مَلَكٌ بِجَنَاحِهِ .. فَصَفِقَهُ دُونَهُم .. ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ.
-
ثُمَّ عَلَوْا الْأَحَاجِيرَ فَعَلَوْا مَعَهُ ..
-
ثُمَّ جَعَلَ يُخَاطِبُهُمْ: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هود:78 ..،
حَتَّى بَلَغَ: (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) هود:80 ..، (قَالُوا يَا لُوطُ
إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) هود:81 ..
-
فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ.
-
فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا عَمِيَ.
-
قَالَ: فَبَاتُوا بِشَرِّ لَيْلَةٍ عُمْيًا، يَنْتَظِرُونَ الْعَذَابَ.
-
قَالَ: وَسَارَ بِأَهْلِهِ ..
-
فَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ فِي هُلْكِهِمْ .. فَأُذِنَ لَهُ .. فَارْتَفَعَ
الْأَرْضَ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا .. فَأَلْوَى بِهَا حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ
سَمَاءِ الدُّنْيَا نُبَاحَ كِلَابِهِمْ .. وَأَوْقَدَ تَحْتَهَا نَارًا .. ثُمَّ
قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ. فَسَمِعَتِ امْرَأَتُهُ الْوَجْبَةُ وَهِيَ مَعَهُ ..
فَالْتَفَتَتْ .. فَأَصَابَهَا الْعَذَابُ) رواه ابن أبي الدنيا في
العقوبات..، (قلت خالد صاحب الرسالة): السند ظاهره متصل صحيح .. وإن كان في نفسي شيئا منه وأشعر
بأن حميد بن هلال لم يسمع من جندب بن عبد الله .. والله أعلم.
#-
قلت تعقيبا على أثر
الصحابي حذيفة: المتن غير صحيح .. ليه ؟
أ-
لأن القرآن لم يذكر أن العذاب مشروط بشهادة لوط عليهم ثلاث مرات .. فهذا باطل ومخالف للقرآن مخالفة
صريحة لأن الله قال: (قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ
آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) هود:76.
-
ثم كيف يعقل النبي لوط عليهم .. وهو الذي دعا ربه بنزول عذابه بهم
؟!!
ب-
هذا الأثر مخالف لحديث النبي الصحيح .. لأن الرسل أتوا لقوم لوط في منتصف النهار
وليس مساءا .. وقابلوا ابنته لوط ولم يقابلوا لوط ..!!
-
إذ جاء في (حديث صحيح): عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ..، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ
مَسْعُودٍ ..، وَعَنْ أُنَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا قَالَ: (لَمَّا خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ
عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَ قَرْيَةِ لُوطٍ وَأَتَوْهَا نِصْفَ النَّهَارِ ..
فَلَمَّا بَلَغُوا نَهَرَ سَدُومٍ ... لَقَوُا ابْنَةَ لُوطٍ تَسْتَقِي مِنَ
الْمَاءِ لِأَهْلِهَا وَكَانَ لَهُ ابْنَتَانِ ..
-
فَقَالُوا لَهَا: يَا جَارِيَةُ هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟
-
قَالَتْ: نَعَمْ، مَكَانَكُمْ لَا تَدْخُلُوا حَتَّى آتِيَكُمْ.
-
فَأَتَتْ أَبَاهَا .. فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ أَدْرِكْ فِتْيَانًا عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ مَا
رَأَيْتُ وُجُوهَ قَوْمٍ هِيَ أَحْسَنُ مِنْهُمْ لَا يَأْخُذُهُمْ قَوْمُكَ
فَيَفْضَحُوهُمْ .. وَقَدْ كَانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أَنْ يُضِيفَ رَجُلًا حَتَّى
قَالُوا: حَلَّ عَلَيْنَا فَلْيُضَيِّفِ الرِّجَالَ.
-
فَجَاءَهُمْ وَلَمْ يُعْلِمْ أَحَدًا إِلَّا بَيْتَ أَهْلِ لُوطٍ.
-
فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهُ .. قَالَتْ: إِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ
رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ.
-
فَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ .. إلى آخر الحديث) رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح
على شرط مسلم .. ووافقه الذهبي..، (قلت خالد صاحب الرسالة): السند صحيح كما قال الإمام
الحاكم والذهبي.
ج-
ليس في القرآن إشارة لهذه المجادلة التي تم ذكرها في
الرواية .. وإنما المجادلة كانت في كيفية إهلاك قرية وفيها نبي صالح
يسكنها.. ولعل إبراهيم ارتقى بالشفاعة لأهل القرية بتأخير العذاب لهم لعل أحد منهم
يؤمن.
د-
قول الرواية (فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ
تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا عَمِيَ) فهذا كلام غير متصور في العقل حدوثه .. لأن من حدث له ذلك هم بعض أهل القرية الذين
أرادوا اقتحام منزل النبي لوط .. ليس لكل القرية .. وإلا فما فائدة حدوث العذاب
نهارا ؟!!
- وسياتي
توضيح تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ
ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) القمر:37.
هـ-
وقول الرواية (فَارْتَفَعَ الْأَرْضَ الَّتِي كَانُوا
عَلَيْهَا .. فَأَلْوَى بِهَا حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ سَمَاءِ الدُّنْيَا نُبَاحَ
كِلَابِهِمْ .. وَأَوْقَدَ تَحْتَهَا نَارًا .. ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ) فهذا ما لا وجود له في القرآن .. بل ظاهر
القرآن مخالف له .. لأن جعل العالي سافلا بمعنى هدم أعلي مدائنهم ومساواتها بالأرض
.. فلم يعد لهم ما يحتمون به .. ثم نزلت عليهم الحجارة من سجيل أي من طين متحجر.
@- فمن أجل ما سبق .. قلت أن المتن منكر ولا يصح.
2- أثر عن الصحابي عبد الله بن عباس:
أ-
جاء في (أثر
صحابي ضعيف) .. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْحِمَّانِيُّ، عَنِ الأعمش، عن المنهال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: (قَالَ الْمَلَكُ لإِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ
فِيهَا خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) رواه الطبري في تفسير. (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر ضعيف .. فيه (جابر بن نوح الحماني) ضعيف
الحديث .. قد ضعفه أبو حاتم والنسائي ويحيى بن معين وبن عدي. (راجع تهذيب الكمال ترجمة رقم 876)..،
فضلا عن تدليس الأعمش في الرواية عن المنهال بن عمرو إذ لم يصرح الأعمش بالتحديث
عنه..، قال الإمام الذهبي: وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف، ولا يدرى به، فمتى قال
حدثنا فلا كلام، ومتى قال " عن " تطرق إلى احتمال التدليس إلا في شيوخ
له أكثر عنهم: كإبراهيم، وابن أبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا
الصنف محمولة على الاتصال. (راجع ميزان الإعتدال ترجمة 3517 ج2 ص224).
ب– جاء في (أثر صحابي ضعيف) .. عن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ
الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي سَعْدٌ .. قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّيِ
الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ
الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا
مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ
فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا) العنكبوت:32.
- قَالَ: فَجَادَلَ إِبْرَاهِيمُ
عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَلَائِكَةَ فِي قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ
يُتْرَكُوا .. فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا عَشْرَةُ أَبْيَاتٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ أَتَتْرُكُونَهُمْ ؟
- فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ:
لَيْسَ فِيهَا عَشْرَةُ أَبْيَاتٍ وَلَا خَمْسَةٌ .. وَلَا أَرْبَعَةٌ .. وَلَا
ثَلَاثَةٌ .. وَلَا اثْنَانِ ..
- قَالَ: فَخَشِيَ إِبْرَاهِيمُ
عَلَى لُوطٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ
أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ
مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:32 ..، فَذَلِكَ قَوْلُهُ (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ
لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود:74.
- فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: (يَا
إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ
آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) هود:76.
-
فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
فَانْتَسَفَ الْمَدِينَةَ , وَمَا فِيهَا بِأَحَدِ جَنَاحَيْهِ .. فَجَعَلَ
عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَتَبِعَتْهُمُ الْحِجَارَةُ بِكُلِّ أَرْضٍ) رواه الآجري في ذم اللواط.. (قلت خالد صاحب الرسالة): أثر ضعيف جدا .. وهذا السند ضعيف جدا وفيه (عطيه
العوفي) وابنه (الحسن بن عطية العوفي) و (محمد بن الحسن بن عطية) و (الحسين بن
الحسن بن عطية العوفي) وهو عم سعد بن محمد العوفي .. جميعهم ضعفاء .. وهذا يسمى
بسند العوفيين .. ومنتشر بكثرة في التفاسير .. فإذا رأيت هذا السند فاعرف مباشرة
أنه سند ضعيف جدا .. ، وقال الإمام أحمد شاكر رحمه الله في تخريج تفسير الطبري
عند الخبر رقم305 ج1 ص263: (هذا الإسناد
من أكثر الأسانيد دورانا في تفسير الطبري، وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة
واحدة، إن صح هذا التعبير! وهو معروف عند العلماء بـ "تفسير العوفي").
اهـ
4-
أثر عن التابعي سعيد بن جبير.
-
جاء في (أثر
تابعي ضعيف سندا ومتنه مجهول المصدر) .. عن يعقوب القمي قال: حَدَّثَنَا جعفر عن سعيد
"بن جبير": (يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ» قال: لما جاءه
جبرئيل ومن معه، قالوا لإبراهيم: «إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ
إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ» قال لهم ابراهيم: اتهلكون قريه فيها أربعمائة
مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا:
لا،
قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها مائة
مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟
قالوا:
لا، قال: أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا؟ قالوا: لا.
-
وكان ابراهيم يعدهم أربعة عشر بامرأة لوط .. فسكت عنهم، واطمأنت نفسه) رواه الطبري في تفسيره..، (قلت خالد صاحب الرسالة): أثر ضعيف السند ..، ولا دليل على صحة هذا
المتن من القرآن ولا حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا يوجد مصدر شرعي صحيح يقول
بهذه المجادلة .. وسبب ضعف السند أن فيه (محمد بن حميد الرازي) شيخ الطبري وهو
ضعيف. (راجع تهذيب التهذيب
ج9 ص131) ..، وفيه (جعفر بن أبي المغيرة القمي) قال عنه بن منده: ليس بالقوى في سعيد بن جبير (راجع تهذيب التهذيب ج2 ص108).
5-
وجاءت روايات عن بعض التابعين مثل قتادة والسدي وابن اسحاق وابن جريج .. وكلها روايات
بدون ذكر للمصدر الذي نقلوا عنه هذه المجادلة ..!!
-
وعموما لا قيمة لهذه الروايات بدون مصدر شرعي موثوق فيه لقبولها .. وإنما أحببت فقط الإشارة إلى أن كثير من
الأقوال تقول بهذه المجادلة بين إبراهيم والملائكة دون ذكر مصدر هذه المجادلة .. والتي
مصدرها توراة اليهود والنصارى .. ولعل التابعين وبعض الصحابة أخذوها عن اهل الكتاب
الذين أسلموا ..
#- وإليك
بيان ما جاء في توراة اليهود والنصارى:
-
جاء في سفر التكوين .. أن ضيوف إبراهيم كانوا ثلاثة .. وواحد منهم
كان الرب متجسدا ف صورة إنسان وهو ما تكلم مع إبراهيم بعد ذهاب الملكين لتدمير
قرية لوط وهي قرية سدوم.
22-
وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ .. وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ
فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ.
23
فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ ؟
24
عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ .. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ
وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟
25
حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ،
فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ
عَدْلًا؟
26
فَقَالَ الرَّبُّ: إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ
.. فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ.
27
فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا
تُرَابٌ وَرَمَادٌ.
28
رُبَّمَا نَقَصَ الْخَمْسُونَ بَارًّا خَمْسَةً. أَتُهْلِكُ كُلَّ الْمَدِينَةِ بِالْخَمْسَةِ؟
..، فَقَالَ: لاَ أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ.
29
فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ .. فَقَالَ:
لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ.
30
فَقَالَ: لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ..
فَقَالَ: لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ.
31
فَقَالَ: إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ..
فَقَالَ: لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ.
32
فَقَالَ: لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ
يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ .. فَقَالَ: لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ.
33
وَذَهَبَ الرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ .. وَرَجَعَ
إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ) سفر التكوين 18: 22-33.
#-
ونذكركم أن الرب في الرواية
التوراتية كان متجسد في صورة إنسان وقت ان كان يكلمه إبراهيم .. وليس كان إبراهيم
يناجيه بقلبه ويكلمه الله بالوحي .. لا .. الرب عندهم كان متجسد في صورة إنسان وقد
توسخت قدمه وغسلها إبراهيم .. وقدم إليه الطعام فأكله..!!
-
وهذه عقيدة باطلة عند المسلمين .. وسبق الكلام عن ذلك في الفصل السابق من هذه الرسالة.
#-
إذن: مسألة المجادلة في أعداد البيوت الموجودة في قرية قوم
لوط .. هي في الأصل رواية توراتية وليست إسلامية .. وإنما الرواية القرآنية فقط تقول
أن إبراهيم جادل في كيفية إهلاك قرية وفيها نبي موجود بينهم .. ثم يقال لعل
إبراهيم سأل ربه في تأخير العذاب عن قوم لوط إذ ربنا يؤمن أحد منهم .. ولكن
إبراهيم لم يمنع نزول العذاب.
#- وخلاصة
القول:
1- مجادلة النبي إبراهيم عن قوم لوط .. إنما بسبب وجود النبي لوط فيها .. إذ كيف يتم
هلاك قرية ونبيها فيها قائم بينهم .. ولعل سأل ربه التأخير في نزول العذاب لعل أحد
من القرية يؤمن.
2- مسألة أن
إبراهيم جادل الملائكة بأنه لو كان يوجد
خمسين بيت مؤمن في القرية أو أربعين أو
عشرين أو خمسة بيوت من المؤمنين في قرية لوط .. فلا يتم نزول العذاب بهم حينئذ .. (فهذه مجادلة لا دليل عليها في القرآن أو في حديث النبي صلى الله عليه وسلم).
- وإنما هذه المجادلة موجود في توراة اليهود والنصارى ولعل بعض
الصحابة والتابعين أخذوا ذلك عمن أسلموا من أهل الكتاب في زمانهم.. لأنهم لم يجدوا
لهذه المجادلة مخالفة لظاهر نص القرآن .. والله أعلم.
#- ويشهد لصحة كلامي في نقل هذه المجادلة عن اهل الكتاب الذين
أسلموا .. هو ما جاء فيما رواه الآجري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: (كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ
السَّلَامُ يُشْرِفُ عَلَى سَدُومَ كُلَّ يَوْمٍ , فَيَقُولُ: وَيْلٌ لَكَ سَدُومُ
يَوْمًا هَالِكٌ , قَالَ: فَجَاءَتْ إِبْرَاهِيمَ الرُّسُلُ , وَهُوَ قَوْلُهُ
تَعَالَى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا)
... إلى آخر الرواية الطويلة) رواه الآجري في ذم اللواط .. بسند مقبول ولكن متن فيه
نكارة .. وكعب هو التابعي (كعب الأحبار) وكان من علماء اليهود في زمنه وأسلم
وحسن إسلامه.
- والله أعلم.
*****************
..:: س84: هل كانت مجادلة إبراهيم في قوم
لوط عن اعتراض لأمر الله ؟ ::..
1-
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ
الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ
لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود:74-75.
#- ذكر الإمام الفخر الرازي رحمه الله (المتوفى:606 هـ)
- مسألتين حول هذه
الآية وأجاب عنهما .. فقال رحمه الله:
أ-
فإن قيل: هذه المجادلة إن كانت مع الله تعالى فهي جراءة على الله
.. والجراءة على الله تعالى من أعظم الذنوب .. ولأن المقصود من هذه المجادلة إزالة
ذلك الحكم وذلك يدل على أنه ما كان راضيا بقضاء الله تعالى وأنه كفر.
ب- وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضا عجيبة .. لأن المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط .. فإن كان قد اعتقد فيهم أنهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظن بهم.
-
وإن اعتقد فيهم أنهم بأمر الله جاءوا فهذه المجادلة تقتضي أنه كان
يطلب منهم مخالفة أمر الله تعالى وهذا منكر. (التفسير الكبير مفاتيح الغيب ج18 ص376).
#- والجواب على ما سبق – قال الفخر الرازي ما مختصره:
1-
أنه تعالى مدحه عقيب هذه الآية فقال: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) .. ولو كان هذا الجدل من الذنوب
لما ذكر عقيبه ما يدل على المدح العظيم. (التفسير الكبير مفاتيح الغيب ج18 ص376).
2-
أن المراد من هذه المجادلة سعي إبراهيم في تأخير العذاب عنهم ...،
مجادلة إبراهيم عليه السلام إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيما بينهم. (التفسير الكبير مفاتيح الغيب ج18 ص376-377 - مختصرا).
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- ليس في مجادلة إبراهيم لربه أو لملائكته أي غرابة أو إساءة
.. حتى يكون لها سؤال .. لأنها ليست مجادلة لمنع أمر الله .. وإنما شفاعة لربه أن
يؤخر العذاب فيهم لعل منهم من ينصلح ولذلك عذر الله إبراهيم فقال عنه : (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) ..، ولم يكن يعلم عليه السلام أن هذا الأمر فيه
قضاء غير مردود ولا شفاعة فيه .. فقد قضي الأمر لأسباب كان إبراهيم يجهلها مثل
استيلاء الفساد في نفوسهم والظلم والفسق وعشق المنكر وجعلوا من الدعارة الذكورية
أي اللواط منهج حياة لهم.
- والله أعلم.
*******************
..:: س85: كيف يكون إبراهيم حليما على
قوم لوط ويرجو تأخير العذاب لهم في حين الله الحليم لم يرضى بتأخير العذاب لهم ؟ ::..
- قد يخاطرك سؤال فتقول: إذا كان إبراهيم هو حليم وحاول الشفاعة في
قوم لوط .. فلماذا الله الحليم جل شأنه لم يكن حليما عليهم ؟!
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- أنت مخطيء في فهم حلم الله .. وحلم إبراهيم .. ليه ؟
1- فحُلم إبراهيم كان عن جهالة بما وصل إليه حال قوم لوط ..
ولم يعرف أنهم هم من طلبوا العذاب إنكارا للقدرة الإلهية .. ولم يعرف بدعوة النبي
لوط .. حين قالوا للوط: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ
كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ)
العنكبوت:29-30.
2- ولو لم يكن الله حليما بهم .. ما كان أرسل فيهم لوطا يحذرهم وينذرهم
ومكث فيهم سنوات كثيرة قيل أنها بلغت عشرون عاما .. والبعض قال ثلاثون.
#- أما رفع الحلم الإلهي عنهم فذلك لأسباب:
1- هم من طلبوا بأنفسهم عذاب الله إن كان نبي الله المرسل
إليهم هو صادق .. دلالة على تحديهم لله في الأرض بأنه غير قادر عليهم.
2- ولأن الله أرسل لهم لوطا وحاورهم كثيرا وأنذرهم
عذاب الله مرارا وتكرارا ..، لقطع العذر عنهم.
3- علم الله بحالهم وما فعلوه ويفعلوه واستباحوه من
اللواط وعشق المنكر وقطع الطرق .. حتى أصبح الإفساد في الأرض منهج حياة في أنفسهم
وفيمن حولهم من أهل القرى.
- والله أعلم.
*****************
..:: س86: لماذا أتى القرآن بلفظ (يجادلنا في قوم لوط) ولم يقل "جادلنا" ؟ ::..
#-
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ
الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ
أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود:75-76.
1-
قال الإمام
إبراهيم بن عمر البقاعي رحمه الله (المتوفى:855 هـ) .. عند قوله (يجادلنا في قوم لوط):
-
وضع المضارع موضع الماضي .. إشارة إلى تكرر المجادلة .. مع
تصوير الحال .. أي جادلنا فيهم جدالاً كثيراً. (تفسير نظم الدرر ج9 ص334).
2- قال
الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ):
- وقوله: (يجادلنا) هو جواب فلما صيغ بصيغة المضارع
لاستحضار الحالة العجيبة كقوله: (ويصنع الفلك) هود:38 . (التحرير والتنوير ج12 ص123).
3-
قال الإمام محمد
سيد طنطاوي رحمه الله (المتوفى: 1431 هـ):
- وقال سبحانه: (يُجادِلُنا) مع أنها كانت في الماضي .. لتصوير هذه الحالة في الذهن تصويرا حاضرا .. حتى تزداد منه العبرة والعظة.(التفسير الوسيط ج7 ص243).
#-
وخلاصة القول:
-
أتى القرآن عن إبراهيم بلفظ (يجادلنا)
لتتصور حال إبراهيم عليه السلام وأنه كان يحاول متوسلا وشافعا بأقصى ما استطاع من عزيمة .. ليؤخر نزول العذاب بالقرية عسى أن يؤمن أحد منهم.
-
ولفظ (يجادلنا) يوحي
إلي في نفسي هذا اللفظ .. بأن الإلحاح على الله مطلوب في العبادة .. ومن وراءه
رجاء إجابة الدعاء .. ولكن في غير المستبيح للحرام .. أي ولا تطلب رحمة الله للذي
يقول أن المعصية حلال وليست حرام ..، ولكن لو كان الشخص يفعل المعصية وهو يعلم
أنها معصية فهذا يرجى له التوبة بالدعاء له لأنه ليسن بمستكبر على الله بجحود
أحكام الله بل هو مقر بالعيان ولكن نفسه تغلبه .. وعسى أن يقبل الله دعاءك للعاصي
بظهر الغيب طالما ليس هذا العاصي غير مستبيح لحرمات الله ليتحدى الله في الأرض.
- والله أعلم.
*******************
..:: س87: ماذا أفاد قول الملائكة (إنا مهلكو أهل هذه القرية) وماذا أفاد وصف القرية بقولهم
(إن أهلها كانوا ظالمين) ؟ ::..
#- قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ
أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) العنكبوت:31-32.
#- قال الإمام إبراهيم بن عمر البقاعي رحمه الله
(المتوفى:855 هـ):
-
(إنا مهلكو) وأضافوا تحقيقاً لأن الأمر قد حق
وفرغ منه .. فقالوا: (أهل هذه القرية).
-
ثم عللوا ذلك بقولهم: (إن أهلها) إفهاماً لأن المراد أهلها
الأصلاء في ذلك .. إخراجاً للوط عليه السلام.
-
(كانوا ظالمين) أي عريقين في هذا الوصف .. فلا
حيلة في رجوعهم عنه. (نظم
الدرر ج14 ص429 -
مختصرا).
#- قلت (خالد
صاحب الرسالة)
عن وصف الملائكة
لأهل القرية بقولهم فيهم (إن أهلها كانوا ظالمين):
1-
دلت شهادة الملائكة فيهم بقولهم عنهم (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ): إلى تمكين الظلم فيهم تمكينا
لم يعد يفارقهم .. وكانه حقا من حقوقهم أن يظلموا أنفسهم والناس من حولهم.. لأن
لفظ (كانوا) يدل على ثبات الوصف فيهم .. ولفظ (إن) يدل على تأكيد الوصف فيهم
تأكيدا لازما فيهم لا يحتمل الشك.
2-
وجملة (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ): فيها دليلا على أن ما فعلوه كان عن اختيار منهم .. وليس لأن هذه طبيعة خلقتهم
واختلاف هرمونات فيهم كما يقول الكذابون .. لأن الظلم لا يصدر إلى عن نفس
عاقلة متفهمة ولها قدرة على الإختيار واتخاذ القرار بالإيجاب أو الرفض.
3-
وجملة (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ): دلت على أن لوط ليس من الظالمين .. لأنه ليس
من أهلها.
4-
وجملة (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا
ظَالِمِينَ): دلت على استحقاق قوم لوط لنزول العذاب بهم .. لأن وصفهم بالظالمين المتمكن
الظلم منهم .. أي ظالمين بكفرهم بالله وممارسة الفحشاء علنا وجهرا واغتصاب أموال
الناس بقطع الطريق عليهم وقتلهم مع استباحة كل ذلك دون ندم أو توبة ..
- والله
أعلم.
#-
ومن الفصل القادم إن شاء الله نبدأ في سرد أحداث النهاية لقوم لوط من لحظة وصول
الملائكة للنبي لوط عليه السلام في قرية سدوم .. والله ولي التوفيق.
*****************

اللهم صلى على محمد وال محمد 🌹
ردحذفاللهم ارزقني حبك وحب نبيك 🩵
يارب بالمصطفى بلغ مقاصدنا 🕊️
@- السادة الأفاضل:
حذف- تم اضافة جزء للموضوع في السؤال رقم (87) وهذا الجزء تحت عنوان:
#- قلت (خالد صاحب الرسالة) عن وصف الملائكة لأهل القرية بقولهم فيهم (إن أهلها كانوا ظالمين):
- هذا لمن يحب معرفة ما تم اضافته ..
نحياتي لكم
====================
اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم
جزاك الله كل خير استاذنا الفاضل وأمدك بمدده وفتح عليك بكل خير ما أجمل قلب سيدنا ابراهيم عليه السلام
ردحذف--------------
القلوب مرايا.
كلُّ قلبٍ نلتقيه يعكس لنا شيئًا مما في داخلنا.
هذا يريكَ جمالك،
وذاك يريكَ كيف اعتدتَ الاستمرار فيما يُتعبك،
وآخر يذكّركَ بتميّزك الذي نسيته حين
انشغلتَ بزراعته في أراضٍ ليست لك.
بعضهم يراكَ في الفرح،
وبعضهم لا يكشف جمالك إلا وأنتَ تعبر الألم؛
لا لأنّ الألم جميل،
بل لأنك كنتَ جميلًا وأنتَ تمرّ به.
ليس كلُّ من أراكَ حقيقتك جاء ليبقى،
بعضهم جاء ليريك… ثم يمضي.
مرآةٌ مؤقّتة، ودرسٌ صادق.
لكنّ الأساس ليس المرايا،
الأساس أن تكون مرآتك أنت نقيّة.
حين تُنقّي قلبك:
لا يوجعك من لا يراك،
ولا تفتتن بمن يراك أكثر مما يجب،
ولا تضيع في إنقاذ غيرك بحثًا عن نفسك.
وأنت الأصل،
والنور منك… وإليك
من أراد وجهَ الله،
ردحذففلا يقف على باب المديح،
ولا يجلس في ساحة التصفيق،
ولا يمدّ يده لزهرةٍ قطفها غيره،
بل يزرع في الليل، ويسقي بدموعه،
ويصبر حتى تشرق شمسُه.
وكلما قلّ الرفاق في الطريق،
كان الطريق أصدق،
وكلما ثقل الحمل على كتفيك، كان الوصل أقرب،
فالجبل لا يفتح صدره
إلا لمن صعده.
منقول
جزاكم الله خيرا أستاذنا الفاضل
ردحذف===========
سبحان الله ..
قوم لوط التي كانت تطلب أن يُنزل عليها العذاب .. و تنتظره .. ثم بعدها تظن أنها نجت من العذاب .. و لم يحصل شيء .. و استمروا في فعل الفاحشة بكل أريحية ..
و في خضم الغفلة التي يعيش فيها قوم لوط و ينتشون و يستمتعون بشهواتهم .. نجد أن .. القدر يعمل في صمت و في زمن لا يُرى .. وقادم إليهم ..
و لا حول و لا قوة إلا بالله ..
............
يا صاحبي .. عجيب أمر القدر ..
يا تُرى ماذا يُخبىء لي و لكم القدر .. أرجو من العلي القدير أن يحفظنا و إياكم و يرزقنا الصبر و يجعل آخرنا أحسن من أولنا و نسأله الثبات حتى الممات و حسن الخاتمة .. اللهم آمين يا رب العالمين.
============
اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله وسلم.
و مما كنت قد صادفته من أقوال صاحبنا الدكتور مصطفى محمود الله يرحمه.
ردحذف===========
" وحين تأتي أقدار الله .
تأتي أقدار الله لا لِتَشرَح نفسَها ، بل لتُسكِت أسئلتك .
لا تَدخُل في جدَلٍ مع عقلك، ولا تستأذن من منطِقك، لكنها حين تقَع… تقَع في موضعها الدقيق ، كقطعة شطرنج يَعرف اللاعب العظيم لماذا حرّكها الآن، ولماذا لم يُؤجّلها دقيقة واحدة .
وحين تطُول الحيرة، وتتشابك الخيوط، وتظن أن المشهد مختلّ ، تأتي الأقدار لتقول لك :
إن العدل الإلهي لا يعمل على توقيتك، ولا يُقاس بأفعالك ، ولا يُعرض في نشرة أخبار .
إنه يعمل في صمت … في العمق … في الزمن الذي لا تراه .
تظن أحيانًا أن الظالم قد نجا ، وأن الطيب قد دُفع إلى الهامش .
لكنك تنسى أن الحساب ليس لقطة واحدة، بل فيلم طويل.
وأن بعض العقوبات تُؤجَّل لأنها أعظم، وبعض النعم تُؤخَّر لأنها أصدق .
وحين يأذن الله … لا تقف الأسباب .
تنهار الحسابات، وتسقط المعادلات، ويصير المستحيل خبرًا قديماً.
باب يُغلق كُنت تَحْسبُه حياتك ، فيُفتَح غيره لم يخطر لك على بال .
وسبب يُنتزع من يدك ، لتكتشف أن الله لم يكن يريدك متكئًا على سبب، بل متعلّقا به .
وهنا فقط يهدأ القلب …
لأنك تدرك أن ما فاتك لم يكن لك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك .
وأن الشرّ الذي رأيته بعينك … كان يُخفي في جوفه بِذرة خير ، لم تنضُج بعد .
تأتي أقدار الله فتُسقط الأقنعة :
من علا قًدْ يهبِط ، لا عُقوبة بل كَشْفًا .
ومن بكى طويلًا قد يُجبر ، لا صُدفة بل وَعْدًا .
فالضحك ليس علامة النجاة ، والبكاء ليس دليل الخسارة .
وتعلّمك الأقدار درسها القاسي الرحيم :
أن الدنيا لا تُؤمَن حين تُقبِل ، ولا يُيأَس منها حين تُدبر .
وأن الصحة زائرة ، والقوة عابرة ، وكل إقامة مؤقتة .
وحين تفهم هذا …
تخفّ قبضتك على الأشياء ،
وتشتدّ صلتك بالله .
فتُوقِن أن الأقدار ليست عبثا ،
بل رسائل مشفّرة، لا يفكّها إلا الصابرون .
وأن وراء كل ألم معنى ،
ووراء كل تأخير عطاء ،
وأن الله لا يَخْذُل … ولكنه يُربّي ،
ولا يَمنع … ولكنه يَختبر ،
ولا يَكسر … إلا ليُعيد التشكيل .
وهكذا …
يخرج النور من قلب الظلمة ،
ويُولد اليقين من رحم الابتلاء ،
ويصدق الوعد القديم، الذي لا يشيخ ولا يتبدّل :
"" وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم ""
===============
يا ألله ياألله ياألله ..
كلام إيماني مُحْكَم .. يدل على فهم عميق للإرادة الإلهية العظيمة والمدهشة لعقول البشر مهما بلغت عبقريتها و ألمعيتها ..
الله يرحمك و يسكنك جنة الفردوس يا دكتور مصطفى محمود.
==================
فصبر جميل .. و الله المستعان ..
تحياتي لكم أستاذ خالد و للجميع.
==========
اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله وسلم.
جزاك الله خيرا كثيرا استاذ خالد
ردحذفربنا يكرمك يارب
اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم
على سيدنا ابراهيم السلام
ردحذفموقف جميييل من سيدنا ابراهيم
وجزاك الله خيرا كثيرا استاذنا الفاضل
ووفقك فيما هو آت
آمين يارب العالمين
❤️🌹راق لي🌹❤️
ردحذفأهل المدونة ناس الحب سابق في قلوبها 💘🌷
عندهم محبة وإبتسامة في حضورهم😊
ناس بتحب بعض مفيش جواها حاجة لحد🥰
محدش شايل من حد حاجة 😍👏🌺
محدش مستني حد يغلط كلنا حاجة واحدة❤️
بنشيل هموم بعض 💜
بنساعد بعض🩵
مفيش حد أعلى من حد ولا حد أدنى من حد 🩷
اللي حيفرق بين شخص والآخر مقدار حبه للآخر💖
أتعلم انك تعيش بنفسية حلوة💝
أتعلم إنك تعيش بنفسية جميلة💚 وتحب الخير للغير كما تحب الخير لنفسك🤍💟
أ.خالد أبو عوف 🌿👏
تعلم 🌺🌹
ردحذف#ـ اللي بيفهم الحياة صح بيحاول يخرج أجمل مافيه للي حواليه ...
حاول تخرج أجمل مافيك للي حواليك ..
عشان يفتكروك كذكرى جميلة وحلوة في العمر ..
اتعلم أن قوة الحب في العطاء بأنك تعطي مش في إنك تأخذ ..
ولما تيجي تعطي لا تنتظر مقابل ..
لأنك لو انتظرت مقابل هتفضل مستني لحد الموت ..
فاتعلم انك تعطي حب بكل ما تقدر وبكل قوتك وأنت راض وأترك أمرك لله ..
هتعيش وقتها في سلام داخلي حتى مهما أذاك شخص بكلمة أو أي شئ فأنت جواك راضي نفسك بأنك تعاملهم بالإحسان فقط ..
متستنيش حد يعملك حاجة أو يعطيك مقابل ..
والمقابل هنا مش فلوس فقط ..حتى لو مشاعر وأحاسيس واهتمام متستنيش ولا تنتظر مقابل من أحد ..
فاتعلم دائما انك تعطي ولا تنتظر مقابل .
أ. خالد أبو عوف
🌺🌹
العطاء هو إحدى ملذّات الحبّ...و أحد مقاييسه...بل هو كل الحب...العطاء لا يشترط أن يكون مادياً....فالعطاء طاقة...كلمة...ابتسامة...ذبذبات حب....لمسة يد...جبر خاطر....البعض قلبه يسابق يده في العطاء...و يفوق كَرَمُه شغاف صدره... فيمنحك في أيّام ما يمنح في سنوات وأكثر....أعط من كل قلبك فقط...وسيعود لك بصور مختلفة...بل وأجمل...لأن أعظم شيء يمكن أن نغرسه في قلوب الآخرين هي بذور المحبة...القلوب النقية لايتوقف نبضها عن العطاء...مهما حاول البعض كسرها...لأنها تعيش في مساحة لايصل اليها الا الأنقياء... ❤️
ردحذفاعط من قلبك دائماً...وبلا توقف.
منقول
بسم الله الرحمن الرحيم ...
ردحذفمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يهوديًّا وَلاَ نصرانيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين [آل عمران:67]
في كل جزء من الموضوع بنتعرف علي انبياء الله عليهم السلام
بتذوق ومعاني اجمل من اللي قبلو ...
عليهم السلام جميعآ...
> ووضوح فساد عقيده اليهود والنصاري بشكل لا يخالف العقل ابدا !
* الحمد لله علي نعمه الاسلام وكفي بها نعمه ...
* الحمد لله الذي هدانا لهذا ....
وماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ...
• جزاك الله خيرا استاذنا ونفع بك امه محمد صل الله عليه وسلم يارب 🌸🤍
(اللهم صل علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم) 💚