الأحد، 4 يناير 2026

Textual description of firstImageUrl

ج18: قصة نبي الله لوط مع قومه الشواذ جنسيا بالمثلية - عن حكمة قول النبي لوط لقومه (وأنتم تبصرون) من قوله (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) - تفسير وحكمة قول النبي لوط في حواره مع قومه بوصفه لهم مرة (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون) وذلك حسب ترتيب مواقف الحوار المختلفة بين لوط وقومه.

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة

قصة نبي الله لوط عليه السلام

مع قومه الشواذ جنسيا بالمثلية

اللُّواطِيُّون والسُّحَاقيَّات

(الجزء الثامن عشر)

حكمة قول النبي لوط لقومه (وأنتم تبصرون) - حكمة قول النبي لوط في حواره مع قومه بوصفه لهم مرة (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون)

#- فهرس:

:: الفصل الثامن عشر :: عن حكمة قول النبي لوط لقومه (وأنتم تبصرون) - حكمة قول النبي لوط في حواره مع قومه بوصفه لهم مرة (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون) ::

1- س48: ما حكمة قول النبي لوط لقومه (وأنتم تبصرون) من قوله (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) ؟

#- أولا: من تفسير العلماء لقول النبي لوط لقومه (وأنتم تبصرون).

#- ثانيا: قلت (خالد صاحب الرسالة) .. جمعا بين الآراء السابقة – مع التعريف بحكمة سبب قول النبي لوط للفظ (تبصرون).

2- س49: كيف فسر العلماء قول النبي لوط في حواره مع قومه بوصفه لهم مرة (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون) ؟

3- س50: ما حكمة قول النبي لوط في حواره مع قومه بوصفه لهم مرة (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون) وذلك حسب ترتيب مواقف الحوار المختلفة بين لوط وقومه ؟

#- أولا: في سورة الشعراء قال لهم لوط: (قوم عادون) في أول حوار تم بين النبي لوط وقومه .. وقد أرشدهم إلى أزواجهم.

#- ثانيا: في سورة الأعراف قال لهم لوط: (قوم مسرفون) في ثاني حوار بينه وبينهم .. وهنا أرشدهم لوط إلى جماعة النساء.

#- ثالثا: في سورة النمل قال لهم لوط: (قوم تجهلون) في ثالث حوار له مع قومه .. ظهرت كلمة جديدة في الحوار .. وهي كلمة (تبصرون).

#- رابعا: أجد في لفظ (بل أنتم) .. الذي تكرر ثلاث مرات في ثلاث مواقف .. حكمة من ظهوره في كل مرة.

*****************

:: الفصل الثامن عشر ::

******************

..:: س48: ما حكمة قول النبي لوط لقومه (وأنتم تبصرون) من قوله (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) ؟ ::..

 

- قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) النمل:54-55.

 

#- أولا: من تفسير العلماء لقول النبي لوط لقومه (وأنتم تبصرون).

1- قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله (المتوفى:606 هـ):

- قوله: (أتأتون الفاحشة) فهو على وجه التنكير .. وإن كان بلفظ الاستفهام .. وربما كان التوبيخ بمثل هذا اللفظ أبلغ.

- أما قوله: (وأنتم تبصرون) ففيه وجوه:

- أحدها: أنهم كانوا لا يتحاشون من إظهار ذلك على وجه الخلاعة ولا يتكاتمون ..

- وثانيها: أن المراد بصر القلب أي تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها وأن الله تعالى لم يخلق الذكر للذكر فهي مضادة لله في حكمته.

- وثالثها: تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم.

#- فإن قلت فسرت (تبصرون) بالعلم .. وبعده (بل أنتم قوم تجهلون) فكيف يكونون علماء وجهلاء؟

- قلت: أراد تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك .. أو تجهلون العاقبة .. أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها. (تفسير مفاتيح الغيب ج24 ص562 – مختصرا في بعض كلامه).

 

2- قال الإمام القرطبي رحمه الله (المتوفى: 671 هـ):

- (وأنتم تبصرون): أنها فاحشة .. وذلك أعظم لذنوبكم.

- وقيل: يأتي بعضكم بعضا وأنتم تنظرون إليه. وكانوا لا يستترون عتوا منهم وتمردا.

- (أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء) أعاد ذكرها لفرط قبحها وشنعتها. (بل أنتم قوم تجهلون) إما أمر التحريم أو العقوبة. (تفسير القرطبي ج13 ص219).

 

3- قال الإمام إبراهيم بن عمر البقاعي رحمه الله (المتوفى:885 هـ):

- (وأنتم تبصرون): أي لكم عقول تعرفون بها المحاسن والمقابح ..، وربما كان بعضهم يفعله بحضرة بعض كما قال (وتأتون في ناديكم المنكر) العنكبوت:29 ..، فيكون حينئذ من البصر والبصيرة. (تفسير نظم الدرر ج14 ص181).

 

4- قال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ):

- وجملة: (وأنتم تبصرون) حال زيادة في التشنيع .. أي تفعلون ذلك علنا يبصر بعضكم بعضا .. فإن التجاهر بالمعصية معصية .. لأنه يدل على استحسانها .. وذلك استخفاف بالنواهي. (التحرير والتنوير ج19 ص288).

 

5- قال الإمام محمد أحمد مصطفى – أبو زهرة رحمه الله (المتوفى:1394 هـ):

- قال لقومه: (أتأتون الفاحشة): أي الفعلة الفاحشة البينة الزائدة عن أن تدرك في أي عقل، والحال أنكم تبصرون مدركين فحشها عالمين قبحها .. والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع .. فهو توبيخ على وقوع فعلهم.

 

- وقوله تعالى: (وَأَنتُم تُبْصِرُونَ): فيه إشارة إلى أن البصر يكفي لإثبات قبحه فهو قبيح حسا وطبعا وعقلا .. إذ هو بالحس وضع للشيء في غير موضعه .. واستعمال للمكان في غير ما خصص له بمقتضى الفطرة السليمة. (تفسير زهرة التفاسير ج10 ص5465).

 

6- قال الإمام محمد سيد طنطاوي رحمه الله (المتوفى: 1431 هـ):

- (أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ): أي أتأتون الفاحشة التي لم يسبقكم إليها أحد .. وهي إتيان الذكور دون الإناث .. وأنتم تبصرون بأعينكم أنها تتنافى مع الفطرة السوية حتى بالنسبة للحيوان الأعجم .. فأنتم ترون وتشاهدون أن الذكر من الحيوان لا يأتي الذكر .. وإنما يأتي الأنثى .. حيث يتأتى عن طريقها التوالد والتناسل وعمارة الكون. (التفسير الوسيط ج10 ص341).

 

7- قال الدكتور محمد الهلال في تفسيره:

- (وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ): أيْ:

- يُبصر بعضكم بعضاً القيام بها.

- أو أنتم تعلمون أنّها فاحشة.

- تبصرون بمعنى النّظر .. كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة عتواً وتمرُّداً، وبلا حياء وخجل. (تفسير القرآن الثري الجامع في الإعجاز البياني واللغوي والعلمي ج6 ص422).

 

#- ثانيا: قلت (خالد صاحب الرسالة) .. جمعا بين الآراء السابقة – مع التعريف بحكمة سبب قول النبي لوط للفظ (تبصرون):

- بما أن قوله (تبصرون) تحتمل أن تكون من البصر أو البصيرة .. وكلاهما المقصد به الإدراك .. فيكون اللفظ جماع لكلا الإدراكين.

 

- فكأن النبي قصد بقوله (وأنتم تبصرن): أي وأنتم تدركون في أنفسكم أنه فاحشة لم يسبقكم إليها أحد ..، وتدركون بأعينكم قبح الموضع الذي تأتون فيه شهوتكم وعلى الملأ وامام بعضكم البعض في حين لا ترون هذا يحدث مع الحيوانات أمام بعضهم البعض ولا حتى في خفاء بينهم وبين بعض.

 

- علما بأن البصر: هو رؤية العين مع إدراك العين لما تراه متحققة بذلك .. بخلاف النظر الذي قد لا يدرك العقل منه شيئا كما في حال الظلام.

 

- وهذا معناه: أنهم كانوا يبصرون بعضهم البعض عيانا متحققين بذلك تحقيقا كاملا وبرؤية واضحة لا خفاء فيها على أي عاقل .. ويستمتعون برؤية بعضهم البعض وهم يفعلون ذلك إذ يجدون في تلك الرؤية متعة أخرى ..!!

 

#- فكانت حكمة النبي لوط من قوله (وأنتم تبصرون) هو كشف الآتي:

أ- كشف أن فعلهم كان عن إدراك كامل ظاهرا وباطنا .. لثبوت كامل التهمة عليهما بكامل الإدراك منهم لما يفعلوه .. لأنهم أحبوا ذلك الباطل.

 

ب- وكشف حال سلوكي جديد حدث مع قومه .. وهو الجهر بالمعصية لكل القرية عيانا أمام بعضهم البعض وليس في خفاء .. وكأنهم فعلوا نوادي لذلك ليجتمعوا في فعل ذلك بها .. إذ لو كان في خفاء ما كان علمه أحد .. ولكانوا اعترضوا على لوط وقالوا له وكيف تعلم اننا نفعل ذلك ؟!! وهذا هو سبب قول العلماء أنهم جهروا بذلك عيانا أمام بعضهم البعض.

 

ج- وكشف أنهم كانوا يفعلونه للذة في أنفسهم في رؤية ذلك وهم يفعلوه .. إذ يجدون في الرؤية متعة تكسبهم مزيد من الإنجذاب والرغبة أكثر في التجربة ..

 

د- وكشف لنا أنهم بهذه الرؤية يجعلنا نفهم أنه كان لهم مكان كالنادي يجتمعون فيه .. ليتفرجوا على بعضهم البعض .. ويتفرج عليهم الناس .. أي خصصوا لذلك أماكن .. كما يحدث الآن في دول الغرب.. بل وعلى نوادي الأنترنت التي تسمى مواقع إباحية.

 

هـ- وكشف أنهم كانوا يرون ذلك ولا يتناهون عنه .. بل أصبح شيئا مألوفا في القرية فعله أمام أعينهم وكأنه شيء عادي جدا قد ألفته النفوس وأقرته دون اعتراض من أي أحد ..!!

- وهذا والله اعلم.

 

#- وخلاصة القول:

- أن جملة (وأنتم تبصرون) في الآية تأتي على معنيين – وممكن الجمع بينهما في رأي جامع:

- الأول: تعاينون بأعينكم فعل بعضكم لبعض وقبح ما تفعلوه .. والمقصد هو الجهر بالمعصية عيانا وجهرا.

 

- الثاني: تعلمون في قرار أنفسكم أن هذه فاحشة.

 

- الثالث: ويمكن كما أظن أن نجمع بين الرأيين .. لأن اللفظ المقصد به الإدراك .. فيكون المقصد هو ان لديهم إدراك سليم في باطنهم (عقلهم) بعلمهم أنها فاحشة .. ولديهم إدراك قس ظاهرهم (من بصرهم) لما يرونه يحدث في الواقع علنا أمام بعضهم البعض بل ويرون فعلهم أنفسهم وهم يأتون دبر الرجال وهو قبيح ما تنظره العين لأنه محل الخراء.

- والله أعلم.

- يا رب ألطف بأمة النبي صلى الله عليه وسلم واصرف عنا هذا البلاء يا رب.. آمين يا رب العالمين.

 

*********************

..:: س49: كيف فسر العلماء قول النبي لوط في حواره مع قومه بوصفه لهم مرة (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون) ؟ ::..

 

1- قال تعالى حاكيا إنكار النبي لوط لفعل قومه: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) الشعراء: 160-166.

 

2- قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) الأعراف: 80-81.

 

3- قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) النمل:54-55.

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة):

- المتأمل في قصة قوم لوط .. سينتبه لشيء .. أن في ختام كل حوار بين النبي لوط مع قومه كان يقوم بوصفهم بصفة معينة .. فمرة قال (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون) .. فلماذا كل مرة كان يتغير الوصف ؟!!

 

- بل والملاحظ أيضا: أنه يوجد مرتين وصفهم بصفة إسمية .. (عادون) (مسرفون) ..، ومرة وصفهم بالفعل فقال (تجهلون) ..

 

- بل ولم يقل لهم أنتم عادون ومسرفون وتجهلون .. بل كان دائما يصفهم بلفظ (قوم) .. فلماذا ؟!

 

- هذا ما نحاول فهمه من كلام العلماء .. ولكن عليك ان تفهم أخي الحبيب أن تفسيرات العلماء هي من حيث التفسير اللغوي مع موقع الكلمة في الآية المذكور فيها.

 

#- أولا: سبب إضافة النبي لوط لفظ (قوم) إلى الصفة التي كان يصفهم بها.

 

- سبق وتكلمنا في سؤال سابق (رقم 7) .. وقلنا أن هذا اللفظ أشار إليه الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله .. هو أن ما يأتي بعده من صفات يعتبر صفات متمكنة فيهم .. كأنها أصبحت طباع مستقرة في قوميتهم.

 

#- ونموذج مما ذكره الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ):

- عند حكاية قول الله عن موسى لقومه: (إنكم قوم تجهلون) الشعراء:138.

- قال الإمام بن عاشور: وفي الحكم بالجهالة على القوم كلهم .. تأكيد للتعجب من حال جهالتهم وعمومها فيهم .. بحيث لا يوجد فيهم من يشذ عن هذا الوصف مع كثرتهم. (التحرير والتنوير ج9 ص82).

 

#- ملحوظة: يمكنك مراجعة أماكن مختلفة من تفسير الطاهر بن عاشور يذكر نفس الدلالة للفظ (قوم) .. مثل (التحرير والتنوير ج20 ص12)..، ومثل (التحرير والتنوير ج20 ص44).

 

#- إذن: القرآن حينما يأتي بلفظ (قوم) ويتبعها صفة معينة .. فذلك ليخدم جزئية مهمة .. وهي ليخبرنا من تمكن هذه الصفة من القوم الموصوفين بها .. حتى أصبحت لهم هذه الصفة منهج حياة يعيشون به.

 

- إذن حينما تقرأ: (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) فتفهم حينئذ أن القرآن سيكون شفاء لصدور المؤمنين الذي أصبح الإيمان صفة قائمة فيهم كمنهج حياة لهم فينفعل القرآن بعطاءه معهم.

- والله أعلم.

 

#- ثانيا: ما قاله العلماء في تفسير توصيفات النبي لوط لقومه بأنهم (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون).

1- قال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله (المتوفى:1393 هـ):

أ- و (بل): لإضراب الانتقال من مقام الموعظة والاستدلال إلى مقام الذم تغليظا للإنكار بعد لينه .. لأن شرف الرسالة يقتضي الإعلان بتغيير المنكر والأخذ بأصرح مراتب الإعلان .. فإنه إن استطاع بلسانه غليظ الإنكار لا ينزل منه إلى لينه .. وأنه يبتدىء باللين فإن لم ينفع انتقل منه إلى ما هو أشد .. ولذلك انتقل لوط من قوله: (أتأتون الذكران) إلى قوله: (بل أنتم قوم عادون).

 

- وفي الإتيان بالجملة الاسمية في قوله: (أنتم قوم عادون) دون أن يقول: "بل كنتم عادين": مبالغة في تحقيق نسبة العدوان إليهم.

 

- وفي جعل الخبر (قوم عادون) دون اقتصار على (عادون): تنبيه على أن العدوان سجية فيهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم .. كما تقدم في قوله تعالى: (لآيات لقوم يعقلون) في سورة البقرة:164.

 

- والعادي: هو الذي تجاوز حد الحق إلى الباطل .. يقال: عدا عليه، أي ظلمه .. وعدوانهم خروجهم عن الحد الموضوع بوضع الفطرة إلى ما هو مناف لها محفوف بمفاسد التغيير للطبع. (التحرير والتنوير ج19 ص179-180).

 

ب- وقال الإمام الطاهر بن عاشور:

#- و (بل) للإضراب الانتقالي .. للانتقال من غرض الإنكار إلى غرض الذم والتحقير والتنبيه إلى حقيقة حالهم.

 

- الإسراف: مجاوزة العمل مقدار أمثاله في نوعه .. أي المسرفون في الباطل والجرم.

- ووصفهم بالإسراف .. بطريق الجملة الاسمية الدالة على الثبات .. أي أنتم قوم تمكن منهم الإسراف في الشهوات .. فلذلك اشتهوا شهوة غريبة لما سئموا الشهوات المعتادة ..، وهذه شنشنة الاسترسال في الشهوات حتى يصبح المرء لا يشفي شهوته شيء. (التحرير والتنوير ج8/ب ص231-232 - مختصرا).

 

#- مقصد الإمام بن عاشور من كلمة (شنشنة الإسترسال): أي طبيعة الإستمرار في الشهوات تصير بك إلى أن تصبح خاضعا لها وكأنك أصبحت عبدا لها .. كحال المخدرات والدخان وجميع ما يكسبك نشوة للكيف في نفسك.

 

ج- وقال الإمام الطاهر بن عاشور:

#- وإنما زيد (قوما) ولم يقتصر على (تجهلون):

- للدلالة على تمكن الجهالة منهم حتى صارت من مقومات قوميتهم.

- وللدلالة على أنها عمَّت جميع القبيلة .. كما قال لوط لقومه (أليس منكم رجل رشيد) هود: 78. (التحرير والتنوير ج26 ص48).

 

- ويحكي الإمام الطاهر بن عاشور وصف الجهالة بأسلوب آخر في آية أخرى عن قول موسى لقومه (إنكم قوم تجهلون) الشعراء:138 .. فيقول: وفي الحكم بالجهالة على القوم كلهم .. تأكيد للتعجب من حال جهالتهم وعمومها فيهم .. بحيث لا يوجد فيهم من يشذ عن هذا الوصف مع كثرتهم. (التحرير والتنوير ج9 ص82).

 

2- قال الإمام محمد سيد طنطاوي رحمه الله (المتوفى: 1431 هـ):

أ- وقوله: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ): إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عن الأسباب التي جعلتهم يرتكبون هذه القبائح .. وهي أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء.

- أي: أنتم أيها القوم لستم ممن يأتي الفاحشة مرة ثم يهجرها ويتوب إلى الله .. بل أنتم قوم مسرفون فيها وفي سائر أعمالكم .. لا تقفون عند حد الاعتدال في عمل من الأعمال.

- وقد حكى القرآن أن لوطا عليه السلام قال لهم في سورة العنكبوت: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ).

 

ب- وقال لهم في سورة الشعراء: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) أي: متجاوزون لحدود الفطرة وحدود الشريعة.

 

ج- وقال لهم في سورة النمل: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) وهو يشمل الجهل الذي هو ضد العلم .. والجهل الذي هو بمعنى السفه والطيش.

- ومجموع الآيات: يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل، وانحطاط الخلق، وإيثار الغي والعدوان على الرشاد والتدبر. (التفسير الوسيط ج5 ص316 – مع التصرف بوضع علامات للفقرات بالحروف أ-ب-ج – وذلك للتوضيح للقاريء).

 

3- قال الإمام أبو السعود العمادي رحمه الله (المتوفى:982 هـ):

 - (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ): متعدُّون متجاوزونَ الحدَّ في جميعِ المعاصي وهذا من جملتها .. وقيل متجاوزونَ عن حد الشهوة حيث زادوا على سائر الناسِ بل الحيوانات. (تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ج6 ص259-260).


4- قال الإمام محمد أحمد مصطفى – أبو زهرة رحمه الله (المتوفى: 1394هـ):

- (وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم) تدل على الترك والإهمال .. وتلك إحدى الكبر .. كأنهم يرتكبون أمرين: أولا الفعل مع الذكران .. وإهمال الأزواج ..

- ولذلك قالوا إن التعبير بـ (تَذَرُونَ): أبلغ من تتركون.

- والآية تدل على أن الفطرة هي ما يكون مع الأزواج .. والآخر ضد الفطرة.

- ثم صرح اللَّه تعالى بأنهم ظالمون وعادون .. فقال عز من قائل: (بَلْ أَنتمْ قَوْمٌ عَادُونَ) بل للإضراب الانتقالي بأن انتقل من وصف عملهم الآثم .. إلى وصف أشخاصهم ..

- و (عادون) جمع عاد .. وهو الظالم المعتدي الذي تجاوز الحد .. فقد تجاوزوا حد الفطرة .. وخرجوا عليها .. وشذوا عن الإنسانية.

- بعد هذه الموعظة الزاجرة .. أجابوه إجابة الغواية الفاجرة .. هددوه بالرجم (كما ورد في آية أخرى) أو الإخراج من البلد والنفي في مكان بعيد .. كما في هذه الآية. (زهرة التفاسير ج10 ص5397-5398).

 

5- قال الإمام أبو القاسم الزمخشري رحمه الله (المتوفى: 538 هـ):

- (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ): أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وتدعوا إلى اتباع الشهوات .. وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء، فمن ثم أسرفوا في باب قضاء الشهوة، حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد. (تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ج2 ص125).

 

6- قال الإمام شمس الدين القرطبي رحمه الله (المتوفى: 671 هـ):

أ- (بل أنتم قوم تجهلون): إما أمر التحريم أو العقوبة. (تفسير القرطبي ج13 ص219).

ب- (بل أنتم قوم مسرفون) نظيره (بل أنتم قوم عادون) .. في جمعكم إلى الشرك هذه الفاحشة. (تفسير القرطبي ج7 ص246).

 

7- قال الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله (المتوفى:1354 هـ):

- وهؤلاء المجرمون لا غرض لهم إلا إرضاء حس الشهوة وقضاء وطر اللذة.

- ومَن قصد الشهوات لذاتها .. تمتعا بلذاتها .. دون الفائدة التي خلقها الله تعالى لأجلها، جنى على نفسه غائلة الإسراف فيها .. فانقلب نفعها ضرا .. وصار خيرها شرا .. يجعل الوسيلة مقصدا .. وصيرورة الإسراف فيه خُلُقا .. إذ الفعل يكون حينئذ عن داعية ثابتة .. لا عن علة عارضة .. !!

- فلا يزال صاحبه يعاوده .. حتى يكون ملكة راسخة له .. فتكرار العمل يكون الملكة .. والملكة تدعو إلى تكرار العمل والإصرار عليه ..

- وهذا وجه إضراب الانتقال من إسناد إتيان الفاحشة إليهم بفعل المضارع المفيد للتكرار والاستمرار .. إلى إسناد صفة الإسراف إليهم بقوله: (بل أنتم قوم مسرفون) أي لستم تأتون هذه الفاحشة المرة بعد المرة .. بعد ندم وتوبة عقب كل مرة .. بل أنتم مسرفون فيها. (تفسير المنار ج8 ص545).

 

8- قال الإمام أحمد المراغي رحمه الله (المتوفى: 1371 هـ):

- (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ): أي إنكم لا تأتون هذه الفاحشة ثم تندمون على ما فعلتم .. بل أنتم قوم مسرفون فيها وفى سائر أعمالكم ولا تقفون فيها عند حد الاعتدال. (تفسير المراغي ج8 ص205).

 

#- خلاص القول:

- العلماء فسروا اتهامات النبي لوط لقومه من حيث كونهم عادون ومسرفون ويجهلون .. فهذا بحسب ما أتى اللفظ به في سياق الآيات ..

 

- وأعجبني جدا كلام الإمام الطاهر بن عاشور .. وكلام الإمام محمد رشيد رضا .. وباقي العلماء أيضا كلامهم رائع .. واكتفيت في النقل عن بعض العلماء في شرح جزء معين لأنه كان شرحا  مميزا في هذه الجزئية.

 

- وقد نظرت للآيات بنظرة أخرى .. وهي من حيث ترتيب المواقف التي كانت بين النبي لوط وقومه .. في السور المختلفة .. ووجدت أن هذه الألفاظ لها حكمة في ذكرها في كل موقف لأنها تكشف مرحلة تطور سلوكي لقرية قوم لوط .. وإليك بيان ذلك في السؤال التالي إن شاء الله.

 

***********************

 

..:: س50: ما حكمة قول النبي لوط في حواره مع قومه بوصفه لهم مرة (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون) وذلك حسب ترتيب مواقف الحوار المختلفة بين لوط وقومه ؟ ::..

 

- ترتيب المواقف بين النبي لوط وقومه كما سبق وذكرنا كانت كالآتي:

 

أ- قال تعالى حاكيا إنكار النبي لوط لفعل قومه: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) الشعراء: 160-167.

 

ب- قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) الأعراف: 80-82.

 

ج- قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) النمل:54-56.

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة): في سبب قول النبي لوط لقومه مرة بأنهم (قوم عادون) ومرة (قوم مسرفون) ومرة (قوم تجهلون).

- عن وجهة نظري .. سأنظر إلى تفسير في وصف اتهام نبي الله لوط لقومه بألفاظ ثلاثة وهي: (عادون – مسرفون – تجهلون) .. من حيث ترتيب أحداث القصة كما أراه جاء في الترتيب التالي:  

 

- فلما نظرت للآيات .. فوجدت أن هذه الألفاظ (عادون – مسرفون – تجهلون) تدل على تطور انحراف سلوك قوم لوط .. لدرجة يستحيل السيطرة عليها أو تقويمها .. وإليك بيان ذلك:

 

#- أولا: في سورة الشعراء قال لهم لوط: (قوم عادون) في أول حوار تم بين النبي لوط وقومه .. وقد أرشدهم إلى أزواجهم .. وهذا يدل على الآتي:

1- أن قوم لوط في باديء الأمر أول من انحرف فيهم هم الأزواج .. ولذلك أرشدهم النبي لوط إلى أزواجهم ..ولذلك لما كان الحوار مع الأزواج الذين انحرفوا عن زوجاتهم إلى أدبار الحيوانات والرجال أو الرجال فقط (حسب اختلاف التفسير).

 

2- فكان المناسب حينئذ أن يصف النبي لوط هؤلاء الأزواج المنحرفون بأنهم عادون .. لأنهم فعلا لم يلتزموا بحدود شهوتهم المباحة مع زوجاتهم حتى اعتدوا على الشهوة الحلال بفعل الشهوة الحرام في حين أنه كان لديهم المباح الحلال ..!! فلم يلتزموا بالحلال الطيب وتخطوه إلى الحرام الخبيث.

 

3- وسنلاحظ في رد الفعل منهم على كلام لوط .. لم يظهر كلمة (قومه) التي ظهرت في مواقف أخرى .. فقالوا: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ) .. ولم يقول القرآن عنهم كما قال في سورة النمل والأعراف (فما كان جواب قومه ...) كما في باقي المواقف الأخرى .. وهذا يوكد ان الكلام حتى الموقف الأول كان مع الأزواج فقط وليس منتشر في كل القرية.

 

4- أجد أن لفظ (قوم عادون) في تلك السورة وهو خاص بالأزواج .. يدل على أن هذا الفعل أصبح جزء من منهج حياة قد اجتمع عليه هؤلاء الرجال المتزوجون.

- بخلاف باقي المواقف .. فكان المقصد من جملة (قوم مسرفون) و (قوم تجهلون) يقصد بهم كل القرية .. والله أعلم.

 

5- وقد تسائلت فقلت: لماذا قال لهم النبي لوط (عادون) وليس (معتدون)؟

 - بحثت كثيرا لمعرفة الفرق فلم أجد فنظرت في الآيات القرآنية .. فخطر ببالي بعد تدبر ما أذكره لك:

- أن لفظ (العادون): يقال على المتجاوز لحدود الطبيعة الإنسانية والضوابط الدينية في نفسه .. أي متجاوزون لحدود الله فبدل الحلال يفعل الحرام .. فهذا وصف لحالهم النفسي في عدم الإلتزام بقوانين الحياة الطبيعية أو الدينية .. فمثلا لا يصلي أو يشرب الخمر أو يزني .. فهذا شخص عادي أي معتدي على حدود الله بخطأ أو خطيئة فعلها ولكن حدود هذه الخطيئة في حدود نفسه.

 

- بخلاف لفظ (معتدي): فهذا لفظ يفيد تخطى حدود الإلتزام فيما يتعلق بالنفس وبالغير حين الإعتداء بالأذى على الغير .. فلفظ المعتدي جامعا بين تجاوز الحد مع النفس ومع الغير بقصد ضرره وأذيته .. ولكن عند تجاوز حدود الله المفروضة لكل نفس أتى بوصف (عادون) للدلالة على ظلم النفس في المقام الأول بفعل خطيئة ينكرها الله عليه.

- كالذي يشرب الخمر في بيته مع نفسه فهذا عادي لأنه لم يلتزم بأوامر الله .. ولكن إن شرب الخمر وضرب غيره فهو معتدي وليس عادي فقط .. هذا والله أعلم.

 

- وعلى ما سبق: يكن الوصف بكونهم عادون في قصة النبي لوط مع قومه .. فيها دلالة على أنهم كانوا يفعلون هذا عن تراض بينهم في تلك الفترة دون اعتداء على أحد غصب عنه .. بخلاف ما سيظهر في آخر مشهد دعا فيه لوط على قومه حين قال: (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) العنكبوت:30.

- فوصفهم بأنهم "مفسدون" لأنهم في ذلك الوقت الذي دعا فيهم قد هتكوا فيه حرمات الناس ظلما وعدوانا ليفعلوا بهم ما يفعلون من قذارتهم.

 

#- ثانيا: في سورة الأعراف قال لهم لوط: (قوم مسرفون) في ثاني حوار بينه وبينهم .. وهنا أرشدهم لوط إلى جماعة النساء .. وهذا يدل على الآتي:

1- يدل على أن رجال القرية جميعهم قد انتشر فيهم هذه الفاحشة وليس الأزواج فقط .. وأصبح رجال القرية اللوطية منهج حياة لهم لإثبات فحولتهم .. وانتقل الحوار من قومه الأزواج لمطلق قومه من رجال القرية ..

 

2- فالمسألة هنا في هذا الموقف .. تخطت حدود الإلتزام بشهوة مع جماعة الأزواج .. إلى إسراف في اتباع الهوى حتى أباحوه لكل القرية ..

 

3- فقوله (مسرفون) .. الذي هو تجاوز الحدود .. يدل على أمرين:

- الأول: أن الشهوة المنحرفة بمثلية اللواط تمكنت من الإنتشار في القرية كلها .. وظهر بداية استحسان كل القرية لهذه الشهوة .. وانجذاب الناس إلى هذا الفعل .. وكأنه أصبح لهذه الفاحشة قانون يحميها.

 

- الثاني: أن لفظ (مسرفون) يدل على استمرارية فعل الفاحشة فيهم دون حدوث أي ندم منهم لأي احد منهم .. في أي لحظة من اللحظات .. أي لا ندم مطلقا حدث لهم .. وكأن الإحساس بتأنيب الضمير فقدوه .. وإلا ما كان ارتقى بهم الحال لإباحته لكل القرية باتفاقهم جميعا ..!!

 

4- ولذلك سنلاحظ شيء في هذا الموقف في سورة الأعراف: سنجد رد الفعل هنا مختلف عما في سورة الشعراء في أول موقف بين لوط وقومه .. فهنا رد الفعل ظهر جماعي مع القرية فظهر لفظ (قومه) .. فقال القرآن: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) .. فالتلذذ من الفاحشة أصبح من مكتسباتهم ولا يحق لأحد الاعتراض على ذلك .. ولكن حرف الواو من جملة (وما كان) يدل على ترتيب الأحداث ولكن مع التراخي في رد فعل القوم .. وكأن خبر اعتراض لوط بدأ ينتشر في القرية وظهر الخبر في صورة أن هناك من يعترض على نكاح الرجال للرجال.. وكأنه حدث استفتاء اعقبه إنكار جماعي.

 

#- ثالثا: وأما في سورة النمل قال لهم لوط: (قوم تجهلون) في ثالث حوار له مع قومه .. وهنا كان وبخهم لوط على فعلهم للفحشاء مع التنبيه على إظهار كلمة جديدة في الحوار .. وهي كلمة (تبصرون) ..

- وكلمة (تجهلون) ظهرت بسبب ظهور كلمة (تبصرون) .. في هذا الموقف الثالث بين النبي لوط وقومه .. وبيان ذلك في الآتي:

 

1- إذا افترضنا ان كلمة (تبصرون) تجمع بين العلم والرؤية العينية ..

- فيكون قوله (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) .. أي وأنتم تدركون بعقولكم وعيونكم أن ما تفعلوه هو فاحشة من حيث العلم بذلك وفعل حقير نم حيث رؤية ذلك ..

- فكأنهم قالوا له: نحن نعلم ما نفعله ..

- فرد عليهم بعد زيادة توبيخهم بإنكار إتيانهم للرجال فقال: بل أنت تجهلون ما ينتظركم من عذاب الله .. أو تفعلون فعل الجهلاء الذين غلبت الحماقة على عقولهم إذ لو كنت ممن العقل فيهم رشيد ما كنتم تفعلون ما تفعلوه.  

 

2- فظهور كلمة (تبصرون) كشفت لنا أنه في ذلك الوقت الذي حدث فيه الحوار بين لوط وقومه قد بدأ تطور ظهور انحراف آخر في سلوك قوم لوط .. وهو الجهر بالفاحشة علنا عيني عينك على المشاع .. وكأنهم بدأوا حينئذ بإنشاء نوادي مفتوحة لمن يمارس اللواط ويحب ذلك .. بل ولعل هذه المتعة أصبحت حينئذ تجارة لمن اللواط بالذكران من أي عمر .. ولعل العبيد كانوا يشترونهم ليفعلوا بهم ذلك في تلك النوادي .. أو ليفعلوا ببعضهم البعض عن تراض منهم ذلك ..

- وكأن القرية أصبحت بها نوادي مخصوصة لممارسة اللواط بالمال لاختيار الذكر المارد نكاحه .. ونوادي أخرى مخصوصة مجانا للأفراد الذين يتفقون على ذلك بينهم بالتراضي. 

 

3- ولذلك لما انتشرت الفاحشة بصورة لا يتصورها العقل .. وأصبح لها قوانين تحكمها ونوادي تبيحها في العلن .. فهنا قال لهم النبي لوط لقومه (بل أنتم قوم تجهلون) ولم يقل جاهلون .. لأنه اتهم فعلهم بأنه من أفعال الجهلاء ولم يتهم شخصهم  لأن اتهامه لفعلهم فيه اتهام لعقلهم بالتبعية بأنهم سفهاء ..، أو قالها بمعنى: أنتم تجهلون حقيقة ما سيحدث لكم إن لم تتوقفوا عن فعل تلك الفاحشة .. وتؤمنون بالله وتطيعوه .. إذ قد بلغ بكم الحال لدرجة من الإنحطاط السلوكي في التعامل مع هذه الفاحشة مبلغا عظيما من الفجور.

 

4- ونلاحظ هنا أن رد فعل قومه هنا عليهم كان أعنف مما سبق وفيه هجوم .. لأنهم القرآن يقول: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) حرف الفاء من فوله (فما كان) يدل على التعقيب السريع .. وكأن أهل القرية انفعلوا بقوة هذه المرة بسبب اتهام النبي لوط لهم بأنهم يفعلون أفعال الجهلاء أو أنهم انزعجوا انزعاجا شديدا من تحذير النبي لوط لهم بأنهم سيكونون من أصحاب الجحيم إن لم ينتهوا عما يفعلوه.

 

5- وفي كل الأحوال كان هذا الحوار بين النبي لوط وقومه هو التنبيه قبل الأخير لهم .. وكأن النبي لوط بالرغم من اتهامه لهم بقوله (قوم تجهلون) إلا أن هذا اللفظ يظهر منه شيء من الأسف الداخلي للوط على ما وصلوا إليه .. وحزينا على أنهم يجهلون ما ينتظرهم من العذاب إن لم يتوقفوا عما تفعلوه .. (هذا على افتراض ان لفظ تجهلون بمعنى عدم معرفة عقوبة ذلك) ولكن لو بمعنى (تفعلون فعل الجهلاء) فهذا حينئذ اتهام صريح منه لهم بالجهل إشارة لكونهم سفهاء ..!!

 

#- رابعا: أجد في لفظ (بل أنتم) .. الذي تكرر ثلاث مرات في ثلاث مواقف .. حكمة من ظهوره في كل مرة:

1- إذ أن لفظ (بل) كما قال العلماء هو لفظ يفيد الانتقال من إنكار النبي لوط على قومه بإتيان الفاحشة إلى التنبيه إلى كشف حقيقة حالهم  .. في أنهم ما فعلوا فاحشة مثلية اللواط عن شهوة اضطرار بل عن هوى ورغبة وإصرار .. لأن النساء كن حولهم في كل مكان بالقرية كان يمكن أن يتزوجوا منهن .. لكنهم أرادوا محل الخراء في أدبار الذكران لهوى في أنفسهم.

 

2- ولفظ (أنتم) للدلالة على تمكن هذا الوصف فيهم بما لم يكن في غيرهم.

 

#- وخلاصة القول:

-  الحكمة من وصف النبي لوط لقومه في كل موقف بوصف مختلف .. في ثلاث كلمات يتهمهم بها (عادون – مسرفون – تجهلون) .. فإنما ذلك لأن كل موقف حدث في زمن دل هذا اللفظ على ما حدث فيه .. وكل لفظ كشف مسار سلوكي معين كانت ترتقي إليه قريته في فعل فاحشة المثلية اللوطية بين الذكران ..، وبالتالي كل كلمة كان يظهر معناها في السياق الذي قيلت فيه.

 

- فكلمة (عادون): أول بداية انحراف أهل قرية قوم لوط وكانت من الرجال المتزوجون.

- كلمة (مسرفون): انتشار الفاحشة في القرية كلها بين كل رجال القرية.

- كلمة (تجهلون): اتساع نشاط القرية في ممارسة اللواط فأصبح له أماكن تجمعات لمن يريد اللواط علنا.

- والله أعلم.

*****************
يتبع إن شاء الله تعالى
*****************
والله أعلم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
هذه الرسالة وكل مواضيع المدونة مصدرها - مدونة الروحانيات فى الاسلام -  ولا يحق لأحد نقل أي موضوع من مواضيع أو كتب أو رسائل المدونة .. إلا بإذن كتابي من صاحب المدونة - أ/ خالد أبوعوف .. ومن ينقل موضوع من المدونة أو جزء منه (من باب مشاركة الخير مع الآخرين) فعليه بالإشارة إلى مصدر الموضوع وكاتبه الحقيقي .. ولا يحق لأحد بالنسخ أو الطباعة إلا بإذن كتابي من الأستاذ / خالد أبوعوف .. صاحب الموضوعات والرسائل العلمية .

هناك 6 تعليقات:

  1. اللهم صلى. على محمد وآل محمد 🌹
    اللهم ارزقني حبك وحب نبيك 🌸
    يارب بالمصطفى بلغ مقاصدنا 🕊️

    ردحذف
    الردود
    1. بارك الله فيك يا أستاذ خالد على هذا الاجتهاد؛ فهو يرسم طريق انحراف النفس كيف تتعرّى رويدًا رويدًا حتى تُهتك جميع الأنظمة، ويصبح نظامها قائمًا على مزيدٍ من التدهور، إلى حدّ الانسلاخ التام عن الفطرة البشرية.
      ومن خلال هذه الرسالة وضعتَ لنا أسسَ التحقيق في العلم بترتيب الآيات، عبر كلمات تنبثق منها معانٍ اختزلت سنواتٍ من البحث في هذه الظاهرة. كما أنه من خلالها يمكن رسمُ طريقةٍ علاجيةٍ عكسيةٍ لمن يريد التخلّص من هذه الآفة – والعياذ بالله – في عصرنا هذا، حيث انتشرت بصورة رهيبة وبشكل أشدّ فظاعة.
      رسالةٌ على قدر ثِقلِ معانيها يكون أثرُها في النفس؛ لكنها أيضًا ممّا ينبغي التوقّفُ عنده طويلاً لكلِّ سالكٍ طريقًا إلى الله، حتى يتعلّم كيف يحترم الشهوة، ويفهم خطورتها إذا فُقِدت السيطرةُ عليها، وكيف يمكن أن تكون العواقب.
      فقد تتحوّل الشهوة – إذا أُطلقت بلا ضابط – إلى قوةٍ تجرد الإنسان من إنسانيته، وتدفعه إلى دركاتٍ من الخسف الداخلي والروحي. وليست الخطورة محصورة في الشهوة الجنسية فقط، بل إن الشهوة من حيث هي شهوةٌ فطرية في الإنسان: شهوة المال، شهوة الجاه، شهوة السيطرة، شهوة الظهور… كلها إذا انفلتت من ميزان الحكمة، صارت باب هلاكٍ للنفس.
      فمواجهتها تكون بتذكير النفس بنبيِّ الله لوطٍ عليه السلام، صاحبِ الأخلاق؛ فهو أكبرُ حجّةٍ تُحتجُّ بها للإصلاح. فهو نبيّ، وأخلاقُه على خُلُق الأنبياء جميعًا، وقد وصفه الله تعالى بالأمين.
      لم يشترط نبيّ الله لوط عليه السلام على قومه إلا أمرين: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (الشعراء: 162) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء: 163) فـ اتقوا الله و أطيعون؛ فالتقوى كانت ستزوّدهم بالقوّة، والطاعة لو أطاعوا لوطًا عليه السلام لكان معناها أنهم عصَوا أنفسهم وشهواتها، فكانوا سينجون. لكنهم لم يتّقوا ولم يطيعوا، فأضاعوا طريق النجاة… فكانت العاقبة الخسف.

      مريم معطار 📿

      حذف
  2. جزاك الله كل خير استاذنا الفاضل وأمدك بمدده وفتح عليك بكل خير
    ما ابلغ كلام الله عز وجل وما اجمله حقيقة متعتي وحيدة في هذه رسالة هي شرح الألفاظ القرآنية ومعانيها
    امدك الله بحروفه ظاهرة وباطنة امين يارب العالمين
    اللهم صل على سيدنا محمد صلاة حب موصولة من القلب إلى القلب وعلى آله وسلم

    ردحذف
  3. مما تعلمته من أستاذي الفاضل خالد 🥰😍😊جزاه الله عنا كل خير يارب العالمين🤲🌼..
    تعلمت أن الذكر بالقلب لا يقل أهمية عن الذكر باللسان وحينما يواجه الإنسان مشكلة بقول الذكر الظاهري باللسان فعليه أن يتوجه إلى الله سبحانه وتعالي بالذكر القلبي ..
    وأي إنسان بإبتلاء عليه أن يصبر على الطاعات ولابد من المجاهدة والصبر وعدم الاستسلام لأي حال هو عليه بأي شكل من الأشكال وأن يبحث الإنسان دائما عن مخرج وحلول لما هو فيه باللجوء إلى الله بالدعاء والتضرع والانكسار فمن انكسر انتصر..
    الإبتلاء لا يأتي حتى يستسلم الإنسان ويهزم وييأس من رحمة الله لا..
    بل هو رسالة محبة من الله له بأنه في اختبار وبأنه دخل في عناية القدير وبأنه به أرحم الراحمين..
    الإبتلاء جاء ليجعل لك حبل موصول دائما مع رب العالمين فلولا البلاء والمحن ما جاءت المنح وما تقربت إلى الله ولا لجأت إلي الحي القيوم فاحمد الله على كل أمر فنعمة الإيمان بالله نعمة لا تقدر بثمن..
    فافهم الحكمة من البلاء وعيش بالإيمان وأعلم أن البلاء الذي يقودك إلى الله فهو عين العطاء وعين الرحمة بك والإحسان فلولا أنه يحبك ما ابتلاك ..
    فاصبر على الطاعات وعلى البلاء لأجل ما تحب فالذي يحب الله يظل معه على الدوام سواء أعطاه أم لا فهو يعلم أن تدابير الله تقود إلى كل جميل وأن كل شئ يسير بمقدار سواء رضيت أم أبيت فارض بما قضى وقدر حتى يراضيك ويجازيك على ما أنت فيه ..
    فأمسك بالباب الذي يفتحه الله لك ولا تستعجل الآوان وحينما تعجز قل يارب قويني ومحال أن يهزم إنسان وثق بالله وتيقن بأنه القدير وبأنه حينما يريد يقول للشئ كن فيكون.
    توكل على الله وفوض أمرك لمولاك حتى تنل كل الخير والرضوان الجميل من رب العالمين فاجعل أملك ورجاءك في الله كبير وأعلم بأنه المعين ذو القوة المتين فعال لما يريد سبحانه الجليل فلا تيأس وربك الله ودع الله يفعل لك ما يشاء فهو الحنان.
    وأعلم أن كل تأخير وراءه جبر عظيم من رب العالمين وما بعد العسر إلا اليسر بإذن الله تعالى رب العالمين.فاصبر على البلاء لتبشر بالعطاء..
    وتفائل بالخير وأبشر بكل خير فرب الخير لا يأتي إلا بالخير والحمد لله رب العالمين والله ولي التوفيق.

    اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم.💚

    ردحذف
  4. 🥳ابتسموا من جديد 💞..
    اتركوا الأمس لأنه ماضي ،وعيشوا اليوم لأنه حاضركم،
    احرصوا دائماً على نقاء نواياكم،
    وصدق ضمائركم ،مهما حصل ومهما كانت شدة الجروح والصدمات،
    ستشرق أرواحكم لأنكم الأجمل،
    لا تجعلوا همومكم من يبقى،
    ومن يرحل،من يحب، ومن يكره، عيشوا الحياة بـحب❤️،
    كلّ ساعة تمر هي من عمركم، فـلا تضيعوها في التفكير في الماضي،
    عاملوا الناس بذوق، برحمة،🌹🌼وتنفسوا اليوم دون هموم الأمس فكل يوم جديد فيه أمل جديد لتحقق ما تريد😍..!!❤️‍🩹

    منقول

    ردحذف
  5. وحق في سيدنا لوط عليه السلام قول الله تعالى فيه : { وَلُوطًا ءَاتَیۡنَـٰهُ حُكۡمࣰا وَعِلۡمࣰا } .. فأسلوبه في الرد كل مرة بألفاظ معينة تدل على فهمه الواسع وحكمته وفقهه فكان عادلا وليس بظالم لهم .. فسبحان ربي العلي الاعلى الوهاب ..

    بوركت استاذنا الفاضل
    كفيت ووفيت جوزيت كل خير
    اللهم آمين يارب العالمين

    ردحذف

ادارة الموقع - ا/ خالد ابوعوف