بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة بحثية عن
السحر في القرآن والقصص النبوية
(الفصل الأربعون)
#- فهرس:
:: الفصل الأربعون ::
مسائل مختلفة – مناقشة رأي العلماء الذين قالوا بتحريم أو تكفير تعلم السحر – لماذا
أقول بكراهة تعلم السحر ::
1- س135:
لماذا أجد (خالد صاحب الرسالة)
أن الرأي القائل بتكفير أو تحريم تعلم السحر بدون استخدامه كلاهما رأي غير صحيح ؟
#- مناقشة أدلة من قالوا بتكفير من تعلم السحر.
#- مناقشة أدلة من قالوا بتحريم تعلم السحر.
2- س136: ما هي أدلة (خالد صاحب الرسالة) في أن
تعلم السحر كمعرفة دون استخدام ليس حراما ولا كفرا ؟
3- س137: لماذا (خالد صاحب الرسالة) يميل إلى الرأي بكراهة تعلم السحر بدون استخدامه ؟
============
الفصل الأربعون
============
..:: س135: لماذا أجد (خالد صاحب الرسالة) أن الرأي القائل بتكفير أو تحريم تعلم السحر بدون استخدامه كلاهما رأي غير صحيح ؟ ::..
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
-
في الفصل السابق قد ذكرت أقوال العلماء في مسألة تعلم السحر .. وذكرت أن لهم أربعة آراء
(جائز – مكروه – حرام – كفر) .. ولكن الحكم بكون تعليم السحر هو حرام أو كفر فيه
نظر .. وهذا ما سأناقشه هنا .. والله ولي التوفيق.
#- ملحوظة هامة جدا: قبل أن أبدأ مناقشة الآراء فأريدك أن تنتبه إلى شيء مهم جدا:
-
وهو أن ما تكلمنا عنه في الفصل السابق من كلام العلماء وما سنتكلم عنه هنا من مناقشة
كلام بعضهم .. إنما هو يتعلق بطالب تعلم علم السحر .. ولا يتعلق بمعلم علم السحر
.. فيوجد فرق بين من طلب أن يتعلم علم السحر .. وبين معلم علم السحر لمن يطلبه .. يعني
هناك فرق بين الطالب والمعلم .. وكل ما سبق حتى هذا الفصل فالكلام فيه عن تلاميذ
أو طلبة علم السحر وليس المعلمين للسحر .. والأحكام التي تكلمنا عليها سابقا كانت تتعلق بمن يريد أن يتعلم السحر .. ولا تتعلق بمن يعلم السحر للناس
.. فانتبه أكرمك الله.
-
فإذا انتبهت للملحوظة التي ذكرتها لك .. فهذا أوان مناقشة بعض آراء العلماء الذين
قالوا بتحريم أو تكفير من يتعلم السحر.
======
#- أولا: لماذا أجد الرأي القائل بتكفير تعلم السحر هو ليس صحيح ؟.
-
تعالا نشوف ما استدلوا به من آيات وأحاديث .. وستدرك ان حكمهم خطأ ومخالف للقرآن والأحاديث
الصحيحة.
#- مناقشة الدليل
الأول: استدلوا بقوله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) البقرة:102.
-
سبق وناقشنا هذه الآية وقلنا أن هذه الآية فيها تفسيرين كلاهما قوي الحجة .. (راجع
الفصل السابع والثلاثون – تحت عنوان: س128: كيف نظرت (خالد صاحب الرسالة) لأدلة العلماء الذين
قالوا أن السحر الحقيقي هو كفر وفاعله كافر وعقوبته القتل ؟).
1-
وملخص سريع
للتذكرة بالتفسيرين:
أ-
تفسير يقول: أن جملة (الشياطين كفروا) انتهت هنا .. ثم بدأ القرآن بسرد خبر آخر عن
جرائم اليهود وهو (يعلمون الناس السحر).. فكان
ذم اليهود على اتباع ما تلته الشياطين على ملك سليمان وتعليمهم للناس السحر.
ب-
وتفسير آخر يقول: أن جملة (الشياطين كفروا
يعلمون الناس السحر) هو خبر واحد ومعناه أن الشياطين كفروا إذ كانوا يعلمون
الناس السحر.
2- ومهما كان التفسير .. فلا حجة في الآية لتكفير من يتعلم
السحر .. لأسباب:
أ-
السبب الأول: لا يوجد في الآية اتهام بتكفير من يتعلم السحر .. ولو ظننا أن التكفير لأحد على حسب التفسير
الثاني .. لكان التكفير لمن
يعلم السحر وليس لمن يتعلم السحر .. !!
ب-
السبب الثاني: لو كانت الشياطين كفرت بتعليمهم الناس للسحر .. فكيف ذلك وهم في أصلهم
الكفر وليسوا في حاجة لفعل السحر لتنسب إليهم تهمة الكفر ..؟!!
-
وإنما يقال: أن الشياطين كفروا وكان من حالهم تعليم الناس السحر ..
وليس كفروا لأنهم يعلمون الناس السحر ..!! والله أعلم.
ج- السبب الثالث: اختلاف التفسير في الآية مع قوة
الحجة والدليل .. يمنع تكفير مؤمنا واستباحة دمه .. ما لم يكن
يوجد نص صريح قطعي الثبوت وقطعي الدلالة .. يثبت تكفير من يتعلم السحر.
- وطالما لا يوجد دليل قطعي على ما ذهب إليه هذا الذي قال
بتكفير مؤمنا لمجرد تعلمه السحر دون ممارسته بكفر .. فهذا فيه استحلال دم مسلم بدون
وجه حق إلا لمجرد ظن في نفسه أراد أن يثبته بما لا دليل قطعي الثبوت وقطعي الدلالة
فيما ذهب إليه .. والظن لا يغني من الحق شيئا.
- وتكفير مؤمنا .. لا يكون
بظنون محتملة من نصوص شرعية أو مجرد أقوال ظنية منقولة عن مسلمين .. ولا تنسى أخي
الحبيب أن التكفير لاستحلال دم المسلم بدون نص قطعي الثبوت والدلالة .. فقد خالف
حديث النبي صلى الله عليه وسلم .. إذ قال عليه الصلاة والسلام: لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ
أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى
ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ
الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) البخاري ومسلم.
@- ورحم الله الإمام القرطبي رحمه
الله (المتوفى:671 هـ) إذ قال: " ودماء المسلمين محظورة لا تستباح
إلا بيقين .. ولا يقين مع الاختلاف". (تفسير القرطبي ج2 ص48).
- وبالتالي أجد أن تكفير مؤمنا لاستباحة دمه بدون دليل قطعي
الثبوت وقطعي الدلالة .. هو انحراف ديني خطير في الفتوى .. !!
#- ملحوظة: معنى (قطعي الثبوت) أي لا شك في صحة ثبوته بنص القرآن والحديث
الصحيح ..، و(قطعي الدلالة) أي لا
احتمال في تأويله لوجهين ويكون التأويل بحجة قوية جدا لكلا الطرفين وليس المخالفة
برأي شاذ لا حجة فيه إلا ظنا.
======
#- مناقشة الدليل
الثاني: عن استدلال من قالوا
بتكفير من يتعلم السحر بما جاء في قصة هاروت وماروت .. بقوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا
نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) البقرة:102.
- فهذه الآية
حجة عليهم وليست حجة لهم .. ليه ؟ لأسباب..
أ- السبب الأول: فيه دليل قاطع على أن تعليم السحر وتعلمه ليس
بكفر ولا حرام .. وإلا قيل أن الملكين هاروت وماروت كانا كافرين على مذهب ن يقول
أن تعليم السحر وتعلمه هو كفر .. أو يكون الملكين عاصيان لله عمدا فاسقين ومرتكبا
كبيرة من الكبائر لكونهما يرتكبان المحرم عمدا وعلنا بتعليم الناس السحر مع علمها
أن ما معهما من علم هو سحر .. وكونهما فاسقين لأنهما كانا يجهران بإمكانية
تعليمهما السحر .. وفي كلتا الحالتين سواء المذهب الذي قال بتكفير من يعلم أو
يتعلم السحر .. أو من يحرم تعليم السحر وتعلمه .. إذا ان في ذلك اتهام للملكين بما
لم يقل به الله ولا رسوله ولا ينص عليه نصوص القرآن في حق الملائكة عموما من حيث
كونهما أطهار ولا يعصون الله.
- أما من يقول أن الملكين ليسا من الملائكة بل رجلين يتزينان الصلاح وكان
يصفهما الناس في بابل بأنهما كالملكين وهما فاسدين .. فتفسيرهم: أن سحرة اليهود زعموا , أن الله تعالى أنزل السحر على لسان
جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود .. فأكذبهم الله بذلك .. وفي الكلام تقديم
وتأخير .. وتقديره: وما كفر سليمان , وما أنزل على الملكين , ولكن الشياطين كفروا
, يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت , وهما رجلان ببابل. (راجع هذا الرأي في تفسير
الماوردي ج1 ص165).
- فأصحاب هذا التفسير أيضا الآية حجة عليهم .. لأن قول
(فلا تكفر) فهذا ليس باعتبار مجرد تعليم السحر وإنما
باعتبار فعل السحر وممارسته .. إذا لا يعقل أن يقال عن شخص قرأ وتعلم عن ملل
وعقائد أهل الكفر بأنه كافر .. فهذا لا يعقل أبدا تصوره .. فكذلك من قرأ وتعلم
السحر فلا يقال عنه أنه ساحر إذ أن هذا تصور فاسد ولا يقول به العقل أبدا لمخالفته
الواقع إذ أن تعلم طرق الشر ليس معناها أنك شرير ..!!
ب- السبب الثاني: قوله (فلا تكفر): النهي هنا هو نهي
عن الكفر بالعمل بما سيتم تعلمه من الملكين .. ولفظ (تكفر) ظاهر من لفظه أنه
تفعُّل للكفر بممارسته وليس مجرد علم به .. إذ أن الكفر لا يكون كفرا إلا باعتقاد
أو قول أو عمل .. ولا يكون كفرا بمجرد العلم .. وإلا كان من باب أولى تكفير
الملكين بهذا المنطق الشاذ المخالف لمنطق العقل وأصول العقيدة ..!!
- السبب الثالث: قول الله (ويتعلمون
ما يفرقون به بين المرء وزوجه) .. دليل كاشف وبيان واضح على أن المقصد
بما فيه كفر هو ممارسة السحر بالتفرقة بين الزوجين. وليس مجرد العلم بكيفية سحر
التفرقة.
- السبب الرابع: قول الله (وما هم
بضارين به من أحد) والضرر هو فعل يؤثر في الإنسان بالأذى .. ولا علاقة
له بعلم الإنسان بالسحر .. إذ لا يعقل أن إنسان لمجرد تعلمه السحر أو قرائته في
كتب السحر فيقال عنه أنه يؤذي الناس ويضرهم .. !! فهذا مخالف لمن كان له عقل ..
وإلا قيل عن الذي يقرأ في الزنا ويعلم كيف يتم فهو زاني .. والذي يقرأ ويتعلم طرق
السرقة فهو سارق .. وهكذا .. ولا يخفى على عاقل بطلان مثل هذا الكلام.
#- فثبت بما سبق من كلام الله .. أن المقصد من السحر المذموم
هو ممارسته وظهور أثره في الواقع بالضرر والأذى .. وليس مجرد العلم. والله أعلم.
======
#- مناقشة الدليل
الثالث: استدل من
قالوا أن تعليم السحر هو كفر ببعض الأحاديث والأخبار التي لا حجة فيها على ما
زعموه بأن متعلم السحر كافر .. ودليل ذلك:
أ-
ذكروا أحاديث نبوية
لم تصح .. فمن ذلك:
-
روايات قد ذكرتها في الرسالة من قبل مع تحقيقها بالتفصيل .. وذلك في الفصل الرابع والعشرون تحت عنوان: (س94: ما هي الأحاديث الغير
صحيحة المنسوبة للنبي التي تكلمت عن السحر والسحرة وتعليم السحر وممارسته ؟
).
@- وأذكر لك ما احتجوا به من أحاديث ظنوا صحتها .. فمن ذلك:
1- جاء في (حديث ضعيف)
.. قيل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ
أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ
سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ عَقَدَ عُقْدَةً - أَوْ قَالَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً - وَمَنْ
أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ .. فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رواه البزار ..، وقال الهيثمي:
رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة ..، (قلت خالد صاحب الرسالة): هذا حديث ضعيف ولا يصح .. وسبق تحقيق
هذه الرواية بالتفصيل في هذه الرسالة عند الفصل الرابع والعشرون.
2- جاء في (حديث موضوع "مكذوب") .. عن إبراهيم عَن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ تَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ
السِّحْرِ قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا، كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ مِنَ اللهِ) رواه عبد الرزاق في المصنف .. (قلت خالد صاحب الرسالة) الحديث مكذوب.. وسبق تحقيق هذا الحديث في هذه
الرسالة عند الفصل الرابع والعشرون.
- ومعنى (كان آخر عهده مع الله): أي من تعلم السحر قد جعل من وقت
تعلمه للسحر هو آخر ارتباط له بالإيمان .. أي سقط عنه الإيمان بربه وخرج من وصف
المؤمنين إلى وصف الكافرين .. والله أعلم.
3- جاء في (حديث ضعيف)
.. قيل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ
فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ .. وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ .. وَمَنْ تَعَلَّقَ
شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ) رواه النسائي والطبراني في الأوسط .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الحديث ضعيف وسبق
تحقيق هذا الحديث في هذه الرسالة عند الفصل الرابع والعشرون.
4- جاء في (حديث ضعيف) .. عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ يَكُنَّ فِيهِ غُفر لَهُ مَا سِوَاهُ لِمَنْ
شَاءَ .. مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا .. وَلَمْ يَكُنْ سَاحِرًا
يَتَّبِعُ السَّحَرَةَ .. وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَى أَخِيهِ) رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الأوسط والكبير
.. (قلت خالد صاحب الرسالة): حديث ضعيف .. وسبق تحقيق هذا الحديث في هذه الرسالة عند
الفصل الرابع والعشرون.
5- جاء في (حديث موضوع "مكذوب") .. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ
أَنْعَمَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَعْلَانِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى .. وَفِي الْجَنَّةِ سَعَةٌ) رواه بن وهب في جامعه .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الحديث باطل .. وسبق تحقيق هذا الحديث في هذه الرسالة .
ب- ومن أخبار الصحابة .. قد استدلوا بخبر الصحابي عبد الله بن مسعود.
@- جاء
في (أثر صحابي صحيح) .. عَنِ الْأَعْمَشِ "سليمان بن
مهران" ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ "النخعي"، عَنْ هَمَّامٍ "بن
الحارث" قَالَ: قَالَ عبد الله "ابْنِ مَسْعُودٍ" قَالَ: (مَنْ أَتَى
سَاحِرًا، أَوْ كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَآمَنَ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ
مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رواه علي بن الجعد في
مسنده .. (قلت خالد صاحب الرسالة): السند
صحيح.
ب- وجاء بلفظ آخر: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا
يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ) رواه البزار في مسنده بنفس السند السابق .. (قلت
خالد صاحب الرسالة): السند صحيح.
-
وسبق تحقيق خبر الصحابي عبد الله بن مسعود في الفصل الخامس والثلاثون – تحت عنوان: (س124: ماذا جاء من كلام
بعض الصحابة والتابعين وتابعيهم من الصالحين عن السحر والسحرة وعقوبة الساحر والعلاج
من السحر ؟).
-
وبغض النظر عن صحة الخبر .. فخبر الصحابي لا يستحل به دم امريء مسلم
.. !!
-
فضلا عن أن الخبر لا علاقة له بتعليم السحر .. وإنما له علاقة بتصديق
الساحر .. وهذا التصديق أكيد ليس في كونه يعلم السحر .. وإنما في كذب الساحر بأن
السحر حلال أو مباح أو جائز .. أو تصديق الساحر في كونه يستطيع أن يضر بسحره
بقدرته الخاصة وليس بإذن الله .. أو تصديق الساحر في أن الساحر لديه قدرة على
تسخير أرواح الكواكب لتخدم سحره بالضرر .. أو ما شابه ذلك.
#-
وبالتالي يتبين
لك أخي الحبيب:
-
أن ما ذكره من قالوا أن تعليم السحر هو كفر من خلال أحاديث نبوية هو
تالف لا يصح الإحتجاج به .. وخبر الصحابي الذي استدلوا به هو أيضا لا حجة فيه على
تكفير من يتعلم السحر فضلا عن أنه لا حجة في كلام الصحابي لأن دم المسلم لا يستباح
بكلام صحابي ..!!
========
#- المناقشة
الرابعة: الذين قالوا بتكفير من يتعلم السحر أخطأوا في هذا التكفير لثلاثة أسباب:
-
بعد أن ناقشت أدلة الذين قالوا بتكفير من يتعلم السحر .. فأوضح لك هنا
أسباب أخرى تؤكد خطأ أصحاب هذا الرأي .. وهو لأسباب:
1- السبب الأول: التكفير عند جماعة علماء المسلمين لا يكون
إلا بثلاث: إما بقول أو عمل أَو
اعتقاد .. إذ قال مفسرو التفسير الوسيط بمجمع الأزهر: المقصود من قوله (فَلاَ تكْفُرْ): أي لا تكفر بما يخالف شروط الإيمان من
قول أو عمل أَو اعتقاد. (التفسير الوسيط لمجمع البحوث بالأزهر ج1 ص157).
- إذن: تكفير إنسان لا يكون إلا لو صدر عنه ما يثبت تهمة الكفر
عليه من اعتقاد الكفر وقال به أو عمل به .. ولكن ليس مجرد العلم بالكفر سببا للحكم
على إنسان بالكفر .. ويتم الحكم على الإنسان بأنه كافر ..!! فكيف يعقل ذلك ؟!!
-
إذ لا يعقل أن يقرأ إنسان في كتب أهل الكفر كالإلحاد
والعقائد الوثنية وما شابه ذلك .. فيتم الحكم عليه أنه كافر ..!! فعلى هذا المنطق
فكل من كتبوا عن الإلحاد والملل الوثنية فهم كفار ..!! بل وكل المؤمنين الذين
عرفوا ما هو الكفر فيكون على هذا المنطق هم كفار أيضا .. طالما المنطق هو أن معرفة
الكفر تجعل منك كافر ..!! وهذا منطق لا يصح أن يقول به أي عالم .. !!
- ورحم الله الإمام بن حجر العسقلاني إذ
قال: "الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا ..
كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان .. لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي
حكاية قول أو فعل بخلاف تعاطيه والعمل به". (فتح الباري ج10 ص224 - 225).
- إذن: لا يعقل تكفير أحد يتعلم السحر من باب المعرفة به .. ولا
يمارسه في الواقع أصلا .. ويتم تكفيره لعلمه بالسحر .. !! فهذا باطل قطعا.
-
فالعلم بالشيء لا يجعل من مؤمنا كافرا .. لأن الكفر إما أن يكون اعتقادا وقولا
(مثل إنكار وجود الله وإنكار أن القرآن كلام الله كله أو بعضه) أو عملا (بالسجود
لصنم أو تدنيس المصحف أو ممارسة السحر بكفر) .. وعلى هذه الأصول اتفق أهل العلم ..
وهو أنه إذا كان الإيمان يكون اعتقادا في القلب وقولا باللسان مصحوبا بعمل الجوارح
.. فكذلك الكفر يكون عن اعتقاد في القلب يظهره اللسان أو تصدقه الجوارح.
2-
السبب الثاني: تكفير مؤمنا بالسحر لكونه قرأ في السحر
وتعلمه .. فهذا استحلال لدم امرا مسلم بغير وجه حق .. وفيه مخالفة صريحة لحديث
النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: (لاَ يَحِلُّ دَمُ
امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ
اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ
الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)
البخاري ومسلم.
-
(لا يحل دم امرئ): أي لا يباح قتله.
-
(النفس بالنفس): أي يتم إهلاك نفس القاتل عمدا
كما أهلك نفسا عمدا بالقتل.
-
(الثيب الزاني): الثيب هو من سبق له زواج ذكرا
أم أنثى فيباح دمه إذا زنى.
-
(المفارق من الدين التارك للجماعة): أي المرتد وهو المبتعد عن الدين
كفرا وجحودا تاركا لجماعة المسلمين.
#- فإذا كان المؤمن الذي تعلم السحر هو لم يستخدمه .. فهو بالتبعية لا يوصف بكونه كافر ولا حتى عاصي .. إذ أن الكفر أو حتى
مجرد الحكم بالعصيان يستوجب عقيدة أو قول أو فعل يدل على كفره أو عصيانه.
- والغريب والعجيب ممن قالوا بتكفير من
يتعلم السحر .. أن الحديث جعل السحر (الذي لا يتم بشرك) من الكبائر ..
وهؤلاء قالوا بتكفير المسلم لمجرد معرفته بالسحر .. فكيف يعقل هذا أن يتم تبديل
كلام النبي من كونه عصيان لله لو تم فعله .. إلى كونه كفر لمجرد المعرفة به ..؟!!
- إذن: من يزعم أن المؤمن الذي يتعلم السحر هو كافر
بدون دليل .. فقد كفر مؤمنا ليستحل دمه بدون وجه حق فعليه من الله ما يستحق جزاء
تكفيره بالباطل لمؤمن.. ويكفي فيه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ
مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) الأحزاب:58 ..، وقال
النبي صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ:
يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا .. إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا
رَجَعَتْ عَلَيْهِ) صحيح مسلم.
#- معنى (باء بها
أحدهما – رجعت عليه): أي حمل هذا الوصف أحدهما .. إما الذي تم اتهامه بهذا
الوصف فكان كافرا فعلا كما تم اتهامه .. وإما الذي نطق باتهام الكفر لأخيه فترجع
عليه هذه الكلمة أو هذه التهمة بالكفر
إثما وبهتانا يحمله كالطوق في عنقه يوم القيامة ويجازيه الله على اتهامه لأخيه
بالباطل يوم القيامة.
- فالذي يعود على صاحب التهمة هو إثم التكفير لأخيه
بالباطل وليس الكفر فعلا .. والله أعلم.
3- السبب الثالث: أن أصحاب هذا الرأي القائل بتكفير من يتعلم
السحر .. قد ساووا بين من يتعلم السحر وبين من يعمل به .. وهذا ما لا يمكن أن
يعقله العقلاء أصلا .. وإلا كان الذي تعلم من هو الزنا وما هي السرقة .. كمن فعل
ذلك في الواقع وعليهم ان يقيموا عليه احد الزنا والسرقة .. وهذا لا يقولون به ..
فكيف حينئذ ساووا بين المعرفة وبين العمل ؟!!
@- وخلاصة القول في الرأي الذي قال بتكفير من يتعلم
السحر دون العمل به أنه كافر:
- أنه رأي غير صحيح والفتوى به باطلة ... إذ تم استحلال
دم المسلم بدون وجه حق .. وافترى عليه بتهمة الكفر لمجرد معرفته بعلم السحر ..!!
- والله أعلم.
========
#- ثانيا: لماذا
أجد الرأي القائل بتحريم تعلم
السحر هو ليس صحيح.
1-
قالوا: يحرم تعلمه لقوله تعالى (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس
السحر) فذمهم على تعليمه.
-
ولكن هنا يقال: (على افتراض هذا التفسير) بأن
الكفر بسبب تعليمهم السحر للناس .. فكيف يكون حرام وليس كفر ؟!! إذ أن على هذا
الرأي التفسير فمن المفترض أن يكون تعليم السحر هو تعليم للكفر ومن يتعلمه فقد
تعلم الكفر .. فما وجه التحريم بكونه معصية حينئذ ؟!!
-
ولو كان من يتعلم الكفر كافرا .. فقد رددت على ذلك
عند الرأي القائل بذلك.
2-
أما عن قولهم: (لأن تعلمه يدعو إلى فعله .. وفعله محرم ..
فحرم ما يدعو إليه) ..
-
فهذا منطق خطأ .. لأنه ببساطة .. ليس بالضرورة كل من يتعلم علم يمارسه .. فقد يتعلم
الإنسان العلم من باب حب المعرفة للعلم أو لتحذير الناس منه لو كان علم فاسد أو
لمعرفة كيفية إبطال هذا العلم في حالة الإحتجاج به.
-
إذن: المنطق الذي تم بناء الفتوى عليه بتحريم تعلم السحر.. هو منطق خطأ ولا يصح
.. لأنه افترض ممارسة السحر بعد تعلمه .. وهذا افتراض من جملة افتراضات محتملة ..
ولا حتمية لازمة لمن تعلم السحر أن يمارسه .. فسقط بذلك الإحتجاج بهذا المنطق.
@- وخلاصة القول لمن قال أن تعلم السحر هو حرام.
-
لا حجة لهم في تحريم تعلم السحر بدليل الآية التي أشاروا إليها .. لأنه لازم عليهم أن يقولوا بالتكفير مثل
الرأي السابق لاستدلاله بما استدلوا به .. وحينئذ كلا الرأيان لا يصح.
-
ولا يوجد حجة في المنطق الذي تكلموا به لمجرد فرضية افترضوها وكأنه الإفتراض الوحيد ..
وهذا غلط.
-
وبالتالي لا يحق
لأحد تأثيم من يتعلم السحر بدون ممارسة له .. إذ أن التأثيم
أو إلحاق الإثم بأحد يكون إذا ثبت عليه أن ما قام به هو حرام ويكون ذلك بدليل قولي
أو فعلي أو عقائدي (إن اعترف بذلك).
- والله أعلم.
*******************
..:: س136: ما هي أدلة (خالد صاحب الرسالة) في أن تعلم السحر كمعرفة دون
استخدام ليس حراما ولا كفرا ؟ ::..
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
-
دعني أوضح لك أخي الحبيب .. لماذا مجرد تعلم السحر كمعرفة لا شبهة فيه وهو أمر جائز
.. وقد سبق وذكرت كلام اكابر علماء التفسير أن مجرد تعلم السحر لا مشكلة فيه .. وإنما
المشكلة مرتبطة بممارسة السحر .. ولكن دعني أوضح لك ببساطة لماذا مجرد تعلم السحر
لا إشكالية.
@- وإليك أدلتي في أن تعلم السحر لا شبهة فيه طالما ليس
للممارسة.
1-
في قصة سحرة فرعون .. ينكشف فساد الرأيين اللذين قالا بتحريم أو تكفير من
يتعلم السحر فقط دون استخدامه .. لأنه لو كان تعلم السحر يكفر به متعلمه أو يأثم
به .. لظل سحرة فرعون كافرون وآثمون لثبوت علم السحر في عقولهم لأنه لم يمحى ..
ولكن لما أثبت الله لهم الإيمان .. فقد ثبت بذلك أن تعلم السحر ووجوده في عقول
الناس لا يثبت لهم أي تهمة كفر أو عصيان .. بل بالرغم من معرفة السحرة بعلم السحر
وإتقانهم له .. إلا أن هذا العلم لم يمنعهم من أن يؤمنوا بربهم .. فدل بذلك على أن
مجرد المعرفة والعلم بالسحر لا تكب المؤمن عصيانا ولا كفرا.
2-
في قصة هاروت وماروت .. قال تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا
نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا
تَكْفُرْ) البقرة:102 ..، فيه دليل قاطع على أن تعليم
السحر وتعلمه ليس بكفر ولا حرام .. إذ لو
كان في مجرد العلم تحريم أو كفر ما كان قالا الملكين للناس أنهما فتنة .. أي ما
معهما من العلم يترتب عليه فتنة لمن يستخدمه وليس لمجرد من يتعلمه .. فالذين ذهبوا
للتعلم من الملكين .. لم يظهر من الملكين في ذلك أي نكارة أو نهي عن التعليم وإلا
كانا الملكين نهوا الناس عن التعليم ولم يعلموهم من أساسه ..، ولكن أقصى ما فعله
الملكين هو مجرد التحذير من تعلم هذا العلم لأن فيه فتنة .. وهذه الفتنة قد تدفعك
لممارسة ما تعلمته في الشر حتى قد تجعلك تكفر بالله لو استخدمته .. وهذا ما حدث
بالفعل بدليل أن اليهود قد تعلموا من علمهما كيف يفرقون بين المرء وزوجه واستخدموه
في ذلك.
3- جاء في (حديث صحيح) .. قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ
(أي المهلكات التي تسبب غضب الله عليك) .. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ: الشِّرْكُ
بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ،
وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ (أي الهروب من ساحة المعركة خوفا من الموت)، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ (أي
العفيفة الشريفة)) صحيح البخاري ومسلم وغيرهما.
- دل هذا الحديث أن المقصد من السحر الحرام والذي هو كبيرة من
الكبائر .. ليس تعليمه ولا نعلمه .. وإنما فعله .. بدليل أنه من الموبقات التي
ذكرها .. والتي لا يصح السحر وصفه بكونه موبقة إلا بفعله .. ولا أظن يختلف في ذلك
عالم أو عاقل ..!!
- مش
كده ولا إيه ؟!!
@-
ملحوظة: غالب العلماء قالوا أن علم الملكين كان نوعا من السحر .. ولكن هذا قول لا
دليل عليه إلا مجرد روايات مردودة وتالفة ولم يصح منها شيئا.
4-
جاء في (حديث صحيح) .. قصة الغلام الذي تعلم السحر ولم يعمل به
.. نجد أن العلم بالسحر لا إشكالية فيه .. وإنما المشكلة في العمل بالسحر.
-
واختصارا لهذه القصة التي رواها الإمام الطبراني ومسلم وأحمد وغيرهم كثير ..
وملخصها أن غلام كان يتعلم السحر من ساحر ويتعلم الدين من راهب .. حتى حدث موقف
ذات يوم وهو أن داية عظيمة قيل أنها أسد (قَالَ بَعْضُهُمْ:
إِنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ كَانَتْ أَسَدًا)
"رواية عبد
الرزاق في تفسيره – وهذه
المقولة ليست من قول النبي"..، وقد وقف هذا الأسد أمام طريق
كان الناس يمرون فيه .. فلما رأوه الناس عجزوا عن المرور .. فقال الغلام اليوم
سأختبر من هما على حق هل الساحر أم الراهب .. ولفظ الرواية يقول: (فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ
الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ
الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ
الدَّابَّةَ، حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ)
"راجع صحيح مسلم"..، ثم ظهرت بعد ذلك على يد الغلام كرامات أو كما
تقول الرواية: (وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ
الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ)
"راجع صحيح مسلم"
.. ولما علم الملك بأمر هذا الغلام فأراد قتله لأن الملك كان يدعي أنه رب الناس ..
وحاول بكذا طريقة قتل الغلام ولم يعرف .. فمرة من حاول ألقاءه من فوق جبل فسقط
جنود الملك وهو نجا .. ومرة حاول إلقاءه في البحر فسقط جنود الملك وهو نجا .. وفي
كل مرة كان الفتي يقول (اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا
شِئْتَ) "راجع
صحيح مسلم" .. حتى أخبر الفتي عن طريقة قتله للملك إن أراد قتله ..
بأن يجمع الناس ويأخذ سهما .. وقال له الغلام حينما يرمي السهم أن يقول: (بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ
إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ،
وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ
السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلَامِ،
ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي
مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ،
آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ) "راجع صحيح مسلم"
.. وترتب بعد ذلك قصة أصحاب الأخدود الذين قتلهم الملك .. وهم الناس الذين آمنوا برب
الغلام.
#- هذه القصة تكلمت عن فتنة حدثت لمن كانوا يؤمنون برسالة
المسيح عليه السلام ولكن بعد وفاة المسيح .. والشاهد هنا من هذه القصة هو أن الذي
حكاها لنا هو النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عنه بيقين أنه قالها .. وبالرغم من
حكاية النبي لهذه القصة فلم يقل عن الفتي أنه ساحر بالرغم من تعلمه السحر وإتقانه ..،
ولو كان مجرد التعليم فيه شبهة حرام لكان أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
- وهذا يثبت بدليل قاطع أن مجرد تعلم السحر لا يثبت الكفر لمن يعلمه
أو يتعلمه .. وإنما العمل بهذا السحر هو الذي يحدد الحكم على هذا الساحر بكونه
مرتكب كبيرة من الكبائر أم كافر.
- مش كده ولا إيه يا محبي كلام الله
ورسوله ؟!!
5-
وأخيرا أقول: أن العقوبة في الشريعة الإسلامية مرتبطة بما فيه مخالفة شرعي في اعتقاد أو
قول أو عمل .. وليس المخالفة الشرعية تحدث لمجرد معرفة علم لا يترتب عليه أثر في
الوجود ..!!
@- فثبت لك بيقين أخي الحبيب .. صحة ما ذهبت إليه من ان مجرد العلم بالسحر لا يعطيك الحق في ان تكفر مؤمنا
ولا حتى تحرم عليه تعليم السحر وتجعله آثما بذلك .. وقد ذكرت لك أدلة بكلام الله
ورسوله ومنطق العقل المنضبط مع النصوص الشرعية يما لا مخالفة فيه هذه النصوص ..، وهذا
بخلاف ما ذكرته لك في الفصل السابق من تفسيرات لأكثر من عشر إماما مفسرا من مختلف
المذاهب الإسلامية على مختلف الأزمنة بما يشير إلى أن تعلم السحر كعلم ومعرفة لا
حرج فيه وإنما يبدأ المشكلة لو تم استخدامه والعمل به وهنا يظهر التحريم أو
التكفير من خلال العمل بالسحر.
-
ثم في هذا الفصل أحببت أن أثبت لك بكلام الله ورسوله صحة رأي ما قاله
هؤلاء العلماء .. ولكن من خلال اجتهادي الخاص في ذكر الأدلة المؤيدة لهذا الرأي ..
وإن كان العقل كافي ليبطل الرأي القائل بأن تعلم السحر فقط دون عمل به يجعل من
صاحبه قد ارتكب محرما أو قد كفر ..!!
- هذا والله
أعلم.
******************
..:: س137: لماذا (خالد صاحب الرسالة) يميل إلى الرأي بكراهة تعلم
السحر بدون استخدامه ؟ ::..
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
@- أميل الى الرأي بكراهة تعلم السحر .. وذلك لسببين:
1-
السبب الأول: في قصة هاروت وماروت .. قال أنهما فتنة وذلك بسبب ما يملكانه من
العلم .. وطالما فتنة .. إذن فهذا التعليم مكروه معرفته لأنه قد يترتب عليه عصيان
لله يرتقي إلى الكفر بالله .. ولذلك كان لفظ (الفتنة) مؤشرا على كراهة تعلم هذا
العلم لأن فيه تحريض للنفس على استخدامه لو تعلمته.
2-
السبب الثاني: لا أحد يأمن على نفسه من فتنة العلم إلا من
حفظه ربي وكان من المخلصين .. فإذا كان الله تعالى ضرب لنا مثلا بمن كان من أهل
العبادة من الجن فانقلب حاله وأصبح إبليسا .. وكذلك من كان متعبدا من الإنس فانقلب
حاله واتبعه الشيطان كما قال تعالى: (الَّذِي
آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ
الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى
الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) الأعراف:175-176 .. فبالرغم من قوة علم إبليس وقوة علم الذي
آتاه الله من فضله ويقال أن اسمه بلعام بن باعوراء من علماء بني إسرائيل وكان في
زمن موسى عليه السلام.
-
إلا أن الإثنين بالرغم من قوة علمهما .. فقد كفرا .. ولم ينفعهما
علمهما شيئا .. سوى أنه كان حسرة لهما .. بسبب ما كانا يحملاه في أنفسهما من رغبات
مذمومة كشفها الله بالإختبار.
-
فما بالك بمن تعلم علم السحر .. وقد يزن في نفسه انه لن يستخدمه أبدا وإنما
فقط للمعرفة وفضول العلم أو لاستنتاج طرق لإبطال السحر أو كما هو يظن في نفسه ..
ولكن حينما يجد من يؤذيه ويضره ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه .. فيوسوس له
الشيطان أن يلجأ للسحر الذي تعلمه .. مستبيحا لنفسه فعل السحر للدفاع عن نفسه وهو
يستخدم في ذلك وصفة شرعية عنوانها "الضرورات تبيح
المحظورات" .. وهكذا يكون فعل المحظور المحرم فعله .. ويستدرجه
الشيطان بعد ذلك فيزين له عمله مرارا وتكرارا .. فيستخدمه لمساعدة من يأتيه متصنعا
أنه مظلوم ويريد أن ينتقم ممن ظلمه بالتفريق أو المرض أو الضرر بأي صورة من الصور
.. ويجعله الناس بعد ذلك أنه الشيخ المبارك .. فيعجبه الوصف .. ويزداد إثما وفجورا
.. وكل ذلك وهو يخادع نفسه بأنه يساعد المظلومين أن يأخذوا حقوقهم ممن ظلموهم
بطريق السحر .. ونسى أن ما يفعله هو فعل الشيطان .. حتى يأتيه الموت إلا لو أكرمه
الله بالتوبة .. ويتوب الله على من تاب وأصلح واستمر على توبته وصلاحه حتى مماته.
@- ولذلك من أجل السببين السابقين
قلت: أن تعلم السحر مكروه .. لأنه قد يؤدي إلى فعل الحرام
الذي قد يتطور ليكون كفرا.
- هذا والله أعلم.

ربنا يكفينا شر السحر والسحرة
ردحذفنعم الرأي ومناقشة موافقة للعقل جداا
ردحذفجوزيت خيرا استاذنا الفاضل
اللهم نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن
آمين يارب العالمين