السبت، 31 أكتوبر 2026

Textual description of firstImageUrl

ج46: رسالة بحثية عن السحر في القرآن والسيرة النبوية - هل يجوز الذهاب إلى الساحر لحل السحر عن المسحور - النٌّشرة العلاجية ليس معناها العلاج من السحر فقط كما ظن بعض العلماء.

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة بحثية عن

السحر في القرآن والقصص النبوية

(الفصل السادس والأربعون)


هل يجوز الذهاب إلى الساحر لحل السحر عن المسحور - النٌّشرة العلاجية ليس معناها العلاج من السحر فقط كما ظن بعض العلماء.

#- فهرس:

:: الفصل السادس والأربعون :: مسائل مختلفة – النشرة ليس معناها علاج السحر فقط – حكم الذهاب إلى الساحر لحل الحسر عن المسحور ::

1- س159: هل لفظ النُّشرة معناه العلاج من إصابة السحر فقط ؟

2- س160: ما حكم الذهاب إلى الساحر لحل السحر عن المسحور ؟

- الرأي الأول: يجوز الذهاب لساحر ليحل السحر بشروط.

- الرأي الثاني: لا يجوز الذهاب لساحر مطلقا وإنما يجوز النشرة التي تشبه ما يفعله السحرة وليست بحرام حسب الضرورة (عند المذهب الحنبلي).

- مناقشة ما قاله العلماء والتعقيب عليه.

============

:: الفصل السادس والأربعون ::

============

..:: س159: هل لفظ النُّشرة معناه العلاج من إصابة السحر فقط ؟ ::..

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة):

- من غريب ما تجده في بعض كتب أهل العلم .. أن يشرح النشرة فيقول أنها حل السحر عن المسحور .. أو حل السحر عن المسحور بسحر .. وكلاهما خطأ.

 

- لأن النشرة وإن كان منها ما هو علاج للسحر .. ولكن ليس مفهوم النشرة أنه علاج للسحر فقط .. وسبق وذكرت كلام علماء اللغة والدين في توصيف النشرة .. في الفصل السابق .. والذي يُفهم من كلامهم أن النشرة طريقة علاج عامة لما يصيب الإنسان بضرر في جسمه ويكون ذلك إما بالطبيعيات أو الرقي أو بكلاهما .. والطبيعيات مثل أوراق الشجر أو مياه الآبار أو الرمال أو الملح  أو ما شابه ذلك ... أو طريقة علاجية بالرقى سواء برقية من القرآن والأذكار أو رقية ليس فيها شرك وكفرا.

 

- فالنشرة معناها العام: هو معالجة الأذى الذي يصيب الجسم من مرض عضوي أو أذى روحاني أو ضرر بالحسد بطرق ليس فيها مخالفة شرعية سواء بوسائل مادية مباحة أو برقى لفظية مباحة .. وذكرت أدلة علماء المسلمين سلفا وخلفا في الفصل السابق .. ولكن أذكرك هنا سريعا بالنشرة من العلاجات العضوية والروحانية (مس وسحر) وضرر الحسد .. ودليل ذلك الآتي:

 

1- قد تكون النشرة علاج من إصابة بالسحر .. هو قول السيدة عائشة للنبي حينما تم سحره .. (هلا تنشرت) ؟ كما في البخاري وغيره ..، وقال الإمام بن بطال رحمه الله : وقولها للنبي: (هلا تنشرت) يدل على جواز النشرة كما قال الشعبي ..، وأنها كانت معروفة عندهم لمداوة السحر وشبهه .. ويدل قوله عليه السلام: (أما الله فقد شفاني) وتركه الإنكار على عائشة على جواز استعماله لها لو لم يشفه .. فلا معنى لقول من أنكر النشرة. (شرح بن بطال على صحيح البخاري ج9 ص446).

 

2- قد تكون النشرة علاج من إصابة بالحسد .. هو ما فعله النبي مع الصحابي سهل بن حنيف حينما تم إصابته بالحسد.. وسبق وذكرنا هذه القصة.

 

3- قد تكون النشرة علاج من إصابة عضوية .. مثل علاج النبي بالنشرة في وقت مرض موته بواسطة مياه الآبار من سبعة آبار .. ومثل توجيه النبي للتبريد بالماء لمن أصابته الحمى .. ومثل وضع النبي الملح في ماء وصبه على لدغة عقرب مع قراءة سورة الكافرون .. ومثل ووضع أصبعه في التراب ومسح مكان الوجع مع الرقي بذكر الله .. ومثل نشرة السيدة عائشة التي رأتها في المنام للعلاج من سحرها وكانت بمياه الآبار من ثلاثة آبار.

 

- وأذكر إليك حكاية حدثت مع السيدة عائشة .. حينما كانت في العراق ذات يوم .. فجاء أهلها يستفتوها في النُّشرة. 

 

#- جاء في (أثر صحيح) .. عن "عبد الله" ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ "النخعي"، عَنِ الأَسْوَدِ "بن يزيد بن قيس": (أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ سُئِلَتْ عَنِ النُّشَرِ ؟ فَقَالَتْ: مَا تَصْنَعُونَ بِهَذَا ؟ هَذَا الْفُرَاتُ إِلَى جَانِبِكُمْ .. يَسْتَنْقِعُ فِيهِ أَحَدُكُمْ سَبْعًا يَسْتَقْبِلُ الْجِرْيَةَ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم 23513  .

 

#- وجاء في (أثر حسن) .. عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ "النخعي"، عَنِ الأَسْوَدِ "بن يزيد النخعي"، عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: (مَنْ أَصَابَهُ بُسْرَةٌ أَوْ سُمٌّ أَوْ سِحْرٌ فَلْيَأْتِ الْفُرَاتَ .. فَلْيَسْتَقْبِلِ الْجِرْيَةَ، فَيَغْتَمِسْ فِيهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم 23517 ..، (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر حسن السند ..، بالرغم من عنعنة سليمان الأعمش .. إلا أن عنعنته مقبولة في مشايخه الذين يروي عنهم بكثرة مثل إبراهيم النخعي.

 

أ- ولفظ (بُسرة) أظنه خطأ والصواب هو (بثرة) أي دمل أو خراج ..، ومرة تم كتابته (نشرة) وهو خطأ .. لأن النشرة علاج وليس إصابة .. وسبق مناقشة هذه الرواية بالتفصيل في الفصل العاشر من رسالتي البحثية: (القول الجلي في حقيقة سحر زوجات النبي بعد وفاة النبي).

 

- فثبت مما سبق أن العلاج من المسائل العضوية يسمى نشرة .. ولكن بالوسائل الطبيعية وليس بالتركيبات الدوائية.

 

ب- وقولها: (سم) ليس هو سم الأفاعي والعقارب .. وإنما هو ما يسمى بسم اليوم .. وهو اليوم شديد الحرارة والذي قد يسبب ضربة شمس قوية للبعض .. فليذهب وينزل في ماء النهر لتبريد درجة حرارة الجسم..، ولعل هذا استنبطته السيدة عائشة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم أن طلب سبع أوعية ماء ليصبوا فوقه .. وسبق مناقشة هذه الرواية بالتفصيل في رسالتي البحثية: (القول الجلي في حقيقة سحر زوجات النبي بعد وفاة النبي).

 

ج- قولها (الفرات): أي نهر الفرات بالعراق.

 

د- وقولها (يَسْتَنْقِعُ فِيهِ أَحَدُكُمْ سَبْعًا يَسْتَقْبِلُ الْجِرْيَةَ): أي يغطس سبع مرات .. في اتجاه سير جريان النهر .. وكأنه يقف في مكان يكون اتجاه المياه وهي تندفع إلى جسمه أي يقف بوجهه في اتجاه تيار الماء .. مثلما تقف أمام موج البحر بوجهك فيصدم بك ..، ثم وأنت واقف في النهر بوجهك في اتجاه تيار المياه .. واغطس سبع مرات.

 

هـ- قولها (فليستقبل الجرية - فيغتمس): أي ينزل مجرى النهر كما شرحنا منذ قليل .. وليغطس سبع مرات .. أي وهو واقف ينزل بجسمه كله في الماء حتى يغطي الماء شعر رأسه .. ثم يقف .. ويكرر ذلك سبع مرات.

- والله أعلم.


@- وخلاصة القول:

- لفظ النشرة: يقال لكل من أصابه تعب نتيجة إصابة جسدية أو روحانية أو حسد .. ولكن تكون طريقة علاجه بالطبيعيات مثل أوراق الشجر أو مياه الآبار أو الرمال أو الملح  أو ما شابه ذلك ... أو طريقة علاجية بالرقى سواء برقية من القرآن والأذكار أو رقية ليس فيها شرك وكفرا.

 

- ويغلب وصف النشرة العلاجية لمن أصابه سحر .. ولكن مدلول لفظ النشرة أعم وأوسع من مجرد علاج السحر .. فانتبه.


#- ملحوظة: لفظ النشرة لا يقال إلا كوسيلة علاجية محققة وظهر لها نتيجة في الواقع .. وتكون بالوسائل الطبيعية .. وليس بالضرورة أن يصاحبها رقية منطوقة.

 

**************

..:: س160: ما حكم الذهاب إلى الساحر لحل السحر عن المسحور ؟ ::..

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة):

- من المسائل المذكورة في بعض كتب الفقه .. مسألة (حكم حل السحر عن المسحور عند ساحر ؟).

 

- اختلف العلماء في ذلك على رأيين:

- الرأي الأول: يجوز الذهاب لساحر ليحل السحر ولكن اشترطوا أن يكون ذلك بطريقة مشروعة وليس فيها عصيان لله أو أي مخالفة شرعية ..، وكذلك أن لا يكون معتقدا في أن الساحر أن له قدرة على قلب الحقائق فيقلب الحمار إلى خروف أو ما شابه ذلك.

 

- الرأي الثاني: لا يجوز الذهاب لساحر لحل السحر لأنه حرام الذهاب للساحر وحرام حل السحر بالسحر.

 

#- وسأذكر ما قاله العلماء من أصحاب الرأيان .. وأقوم بالتعليق على ما يحتاج إلى تعليق .. ثم أذكر رأي على هذين الرأيين السابقين في الختام .. وبالله التوفيق ..

- وإليك بيان ما سبق ..

======

#- أولا: الرأي الذي قال بإمكانية الذهاب إلى ساحر لفك أو حل السحر.

1- المرجع الأول:

#- قال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال رحمه الله (المتوفى: 449 هـ):

- واختلف السلف: هل يسأل الساحر عن حل السحر عن المسحور ؟

- فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري.

 

- وكرهه الحسن البصرى وقال: لا يعلم ذلك إلا ساحر ولا يجوز إتيان الساحر ..، لما روى سفيان، عن أبى إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله بن مسعود قال: (من مشى إلى ساحر أو كاهن فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - عليه السلام) .

 

- قال الطبري: وليس ذلك عندي سواء .. وذلك أن مسالة الساحر عقد السحر مسألة منه أن يضر من لا يحل ضرره وذلك حرام .. من غير حصر معالجتهم منها على صفة دون صفة .. فسواء كان المعالج مسلمًا تقيًا أو مشركًا ساحرًا بعد أن يكون الذى يتعالج به غير محرم .. وقد أذن النبي عليه السلام - في التعالج وأمر به أمته فقال: (إِنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً وإِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ) .. فسواء كان "عليم ذلك" وحله .. عند ساحر أو غير ساحر ..، وأما معنى نهيه عليه السلام عن إتيان السحرة .. فإنما ذلك على التصديق لهم فيما يقولون على علم من أتاهم بأنهم سحرة أو كهان .. فأما من أتاهم لغير ذلك وهو عالم به وبحاله فليس بمنهى عنه عن إتيانه. (شرح صحيح البخاري لابن بطال  ج9 ص445) .. وقد نقل هذا الكلام الإمام بن الملقن (المتوفى: 804هـ) عن الإمام بن بطال (المتوفى: 449 هـ): ولم أجد بن الملقن أشار إلى مصدر النقل ..!! فلزم التنبيه . (التوضيح شرح الجامع الصحيح ج 27 ص546).


@- قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على بعض ما ذكره الإمام بن بطال فيما نقله عن الإمام الحسن البصري:

1- أشار الإمام بن بطال للرواية التي قالها الإمام قتادة بن دعامة وجاء فيها: (عَن سعيد بن الْمسيب أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا إِذا كَانَ الرجل بِهِ سحر أَن يمشي إِلَى من يُطلق ذَلِك عَنهُ قَالَ هُوَ صَلَاح) ..، (قَالَ "أي قتادة": وَكَانَ الْحسن يكره ذَلِك وَيَقُول لَا يعلم ذَلِك إِلَّا سَاحر) ..،  (قَالَ " أي قتادة": فَقَالَ سعيد بن الْمسيب لَا بَأْس بالنشرة إِنَّمَا نهي عَمَّا يضر) ذكره الإمام بن حجر في تغليق التعليق وقال: إسناده صحيح .. وسبق الإشارة لهذه الرواية في الفصل السابق عند السؤال رقم 158.

 

2- وفي كلام الإمام الحسن البصري خطأ .. إذ أن حل السحر يمكن أن يجريه الله على يد أي أحد من الخلق رزقه الله القدرة على ذلك .. وإلا كيف أبطل موسى عليه السلام السحر ؟ وكيف يعين الله كل من رزقه الله الرقية في إبطال السحر ؟

 

- عموما قد سبق مناقشة كلام الحسن البصري .. بصورة مطولة في الفصل السابق الخامس والأربعون .. فارجع إليه إن أردت تحت عنوان: (س158: ما أدلة بعض العلماء الذين قالوا أن النُّشرة حرام لأنها من عمل الشيطان ؟).

 

3- والإمام سعيد بن المسيب: وهو من أكابر التابعين (15 هـ - 94 هـ) ..، المُلقّب بعالم أهل المدينة ..، وبسيد التابعين في زمانه .. وهو أحد رواة الحديث النبوي ومن الذين جالسوا الكثير من الصحابة .. وسبق الكلام عنه في الفصل السابق.

 

- ولم يقل الإمام سعيد بن المسيب بالذهاب إلى الساحر لحل السحر .. وإنما هذا هو المفهوم مستنبط عند بعض العلماء من ظاهر كلام بن المسيب .. لأن ظاهر كلام سعيد المسيب ليس فيه تخصيص لشخص محدد ليحل السحر .. بل جعله مطلق عام ولكنه اشترط شرط واحد وهو أن تكون النشرة نافعة .. والنافع لا يكون إلا بمباح وحق .. وليس بمحرم وباطل .. وبالتالي لا تكون النشرة فيها أي عصيان لله.

 

- وإن كنت (خالد صاحب الرسالة) أجزم أن مطلق كلام سعيد بن المسيب لا يشمل الساحر .. لأن الساحر نفسه ليس من وراءه نفع .. فخرج بذلك الساحر من كلام بن المسيب .. والله أعلم. 

 

#- وهذا ما قاله سيد التابعين سعيد بن المسيب:

- جاء في (أثر صحيح) .. عن قتادة: عن سعيد بن المسيب: (في الرجل يؤخذ عن امرأته .. فيلتمس من يداويه .. قال: إنما نهى الله عما يضر ، ولم ينه عما ينفع) رواه بن عبد البر في التمهيد عن أبي بكر الأثرم ..، (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر صحيح.

 

- قوله (الرجل يؤخذ عن امرأته): هو ما يسمى بسحر التأخيذ أو الربط او الحبس أو المنع عن ممارسة الرجل لفحولته مع زوجته .. ويصبح كأنه عاجز جنسيا عن ممارسة فحولته مع أي امرأة في العموم.

 

#- وفي لفظ آخر: عن قَتَادَةُ قال: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: (رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ .. أَوْ: يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ .. أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ ؟ قَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ .. إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلاَحَ .. فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ) رواه البخاري " معلقا بدون إسناد" .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر صحيح .. وقد ذكرت اسنادين لهذا الأثر .. (راجع الفصل الخامس والأربعون – تحت عنوان: (س157: ما دليل العلماء الذين أجازوا النُّشْرة أو المجربات لعلاج السحر والمس والحسد ؟).

 

@- من معاني الكلمات:

- قوله (به طب – أو يؤخذ عن امرأته): أي به إصابة من سحر سببت له ربط عن جماع زوجته ..، وكلمة (طب) هنا بمعناها الخاص وهو السحر .. وليس بمعناها العام وهو الوجع .. بدلالة ما جاء بعد ذلك من قوله (يؤخذ عن امرأته) كتوضيح للمقصد من كلمة (طب) أنه سحر التأخيذ أو الربط أو المنع من ممارسة العلاقة الزوجية.

 

- قوله (أيحل عنه أو ينشر له): أي نبحث له عن حل بالنشرة.

 

- قوله (لا بأس): اي لا مانع في ذلك .. إنما المقصد من وراء الفعل طالما الإصلاح فهو خير طالما ليس فيه ما هو محرم فعله أو قوله .. وما فيه نفع للناس فلم ينه عنه النبي إذ قال: (مَنِ استَطاعَ مِنكُم أن يَنفَعَ أخاه فليَفعَلْ) صحيح مسلم.

 

@- إذن: الإمام سعيد بن المسيب لم يصرح أن بذهاب المسحور إلى الساحر لحل السحر .. ولم يقل أنه يمكن حل السحر بالسحر .. وإنما أجاز جل السحر بالنشرة النافعة الغير ضارة .. والنافع لا يكون إلا بمباح وحق .. وليس بمحرم وباطل .. وهذا معلوم لكل ذي علم وفهم. 

 

@- قلت (خالد صاحب الرسالة) توضيحا لكلام الإمام الطبري الذي نقله عنه الإمام بن بطال:

أ- معنى قول الطبري (فسواء كان عِلم ذلك وحله عند ساحر أو غير ساحر): أي سواء كان العليم بالعلاج من المرض هو ساحر أو غير ساحر .. لأن العلاج رزق يمنحه الله لمن يشاء دون تخصيص كونه كافرا أم غير كافر.. وسبق توضيح هذه الجزئية منذ قليل.

 

ب- أما عن قول الطبري: (نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إتيان السحرة): لعل الإمام الطبري أخذ ذلك قياسا على الذهاب للعرافين والكهنة .. إذ لم يأت حديث صحيح عن النبي فيه نهي عن إتيان السحرة وإنما النهي جاء عن الذهاب للعرافين والكهنة .. ولم يذكر السحرة .. وإنما الذي قال بالنهي عن الذهاب للسحرة والعرافين والكهنة هو ما جاء عن الصحابي عبد الله بن مسعود .. فانتبه.

 

ج- معنى قول الطبري (وأما معنى نهيه عليه السلام عن إتيان السحرة .. فإنما ذلك على التصديق لهم فيما يقولون على علم من أتاهم بأنهم سحرة أو كهان): أي المنهي عنه من الذهاب للساحر والكاهن إنما هو مرتبط بمن يصدقهم من حيث حالهم بأنهم سحرة يستطيعون قلب الأشياء عن حقيقتها بجعل الإنسان حمار مثلا أو أن لهم قدرة على الأذية بغير إذن الله أو يصدقون أن لهم علما يؤدون به قدر الله أو ما شابه ..، ولا يصدق الكاهن بكونه يعلم الغيب الذي يعلمه الله .. فإن لم يكن مصدقا لذلك فلا حرج في سؤال هذه الناس عن طرق علاج لإصابات روحانية تصيب الناس إذ قد يكون من خبرتهم وجدوا لذلك طريقة علاج وهم متخصصون في هذه المعاملات بخبرتهم في ذلك .. إذ أن النهي من الذهاب للساحر والعراف والكاهن باعتبار تصديقك لهم فيما يعتقدوه أو يقولوه أو يفعلوه من محرمات .. وخلاف ذلك لم ينهى عنه ... فهذا هو مقصد الإمام الطبري .. والله أعلم.

 

د- أما عن الحديث الذي ذكره الإمام الطبري فهو حديث حسن صحيح .. إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ) رواه أحمد .. وقال محققو المسند: صحيح لغيره .. وهذا إسناد حسن. 

 

============

2- المرجع الثاني:

#- قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي رحمه الله (المتوفى:597 هـ):

- وَسُئِلَ رَسُول الله عَن النشرة فَقَالَ (من عمل الشَّيْطَان) النشرة إطلاق السحر عن المسحور .. ولا يكاد يقدر على ذلك إلا من يعرف السحر .. ومع هذا فلا بأس بذلك. (غريب الحديث ج2 ص408).

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة) .. تعقيبا على بعض ما ذكره الإمام بن الجوزي.

- قول ابن الجوزي (ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر): لعل الإمام ابن الجوزي أخذه نقلا عن كلام الحسن البصري وإن كان خالف البصري فقال (لا يكاد يقدر على ذلك) .. وهذا أيضا كلام خطأ على إطلاقه .. لأن السحر باطل .. والباطل يمحيه الحق .. وكل من رزقه الله من علم الحق ما يبطل به السحر فهذا يستطيع أن يبطل السحر .. والساحر ليس من أهل الحق ليبطل السحر .. وهيهات أن تجد ساحر يحل السحر إلا لو كان هو فاعله ويعلم مكانه أو يعلم كيفية حل السحر من كتب أهل الحق .. لأن الساحر عهده مع الشيطان مرتبط بالأذية وليس بالخيرية .. فليس في علم السحر ما يكون به حل السحر .. لأن السحر كله شر.

 

- وقد تستغرب أخي الحبيب حينما قلت (كل من رزقه الله من علم الحق) .. فهذا أقصد أن ذلك ليس خصوصية عطاء للمسلم فقط .. وإنما هو للمسلم وغير المسلم يرزقه الله من علم الحق .. والله يختص بفضله من يريد من خلقه .. لأن المساعدة في حل السحر مثل المساعدة في علاج المرض .. والطب كله من علم الحق .. وقد أعطاه للمسلم وغير المسلم .. فهذا عطاء ربوبية من فضل الله مثل الطعام والشراب والهواء وكافة علوم الحياة .. وكذلك الدواء والعلاج يرزقه الله للمسلم وغير المسلم .. قال تعالى: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) الإسراء:20.

 

- وليس معنى كلامي أن تذهب لساحر .. وليس معنى كلامي أن تقبل بتلاوة كلام الكفر عليك .. وليس معنى كلامي أن تفعل الحرام لتحل السحر .. لا .. وإنما أقصد أن أغلب علاج طرق السحر تكون بالطبيعيات وليس بالرقيات .. والطبيعيات لا إشكالية فيها لأنها مركبات من الطبيعة من ماء وأمور أخرى .. مثل مركبات الدواء .. ولكن كل ما هو حرام فهو حرام ولا تقبل به ولا تفعله بل ولا تقترب منه لو عملت أن فيه شبهة حرام. 

============

3- المرجع الثالث:

#- قال الإمام شمس الدين القرطبي المفسر رحمه الله (المتوفى:671 هـ):

- واختلفوا: هل يُسئل الساحر حل السحر عن المسحور ؟

- فأجازه سعيد ابن المسيب .. على ما ذكره البخاري.

- وإليه مال المزني .. وكرهه الحسن البصري.

- وقال الشعبي: لا بأس بالنُّشْرة .

- قال ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبه: (أَنْ يَأْخُذَ سَبْعَ وَرَقَاتٍ من سدر أَخْضَرَ فَيَدُقَّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ثُمَّ يَضْرِبَهُ بِالْمَاءِ وَيَقْرَأَ عَلَيْهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ .. ثُمَّ يَحْسُوَ مِنْهُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ وَيَغْتَسِلَ بِهِ .. فَإِنَّهُ يُذْهِبُ عَنْهُ كُلَّ مَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .. وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ إِذَا حُبِسَ عَنْ أَهْلِهِ). (تفسير القرطبي ج2 ص50).

 

#- والمقصد بالنُّشرة: هي علاج يستخدم لمن كان به أذى روحاني سواء نتيجة سحر أو مس من الجن .. وهو علاج يستخدم فيه الوسائط الطبيعية .. فالنشرة ليست رقية كما ظن البعض .. لا .. وإنما النشرة قد يضاف عليها رقية كلامية كما في طريقة وهب بن منبه التي أشار فيها لاستخدام ورق نبات السدر .. وهذه هي أحد طرق النشرة المباحة في العلاجات .. لأنه يوجد نشرة محرم كفعل السحر والذبح لغير الله وغير ذلك.

 

#- ملحوظة: الكلام السابق الذي ذكره القرطبي .. هو أيضا منقول بعضه عن الإمام بن بطال .. إلا أنه أضاف إلى من أجاز النشرة كلا من الإمام عامر الشعبي من أئمة كبار التابعين (21 هـ - 103 هـ تقريباً) ...، والإمام إسماعيل المزني صاحب وتلميذ الإمام الشافعي (175 هـ - 264 هـ).

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على بعض ما ذكره الإمام القرطبي:

- الإمام الشعبي والمزني قد أجازا النشرة .. وهذا صحيح .. ولكن لم يقل أي منهما باستخدام النشرة عند ساحر ولم يقولا بذهاب المسحور إلى الساحر لحل السحر .. وإنما ذكر القرطبي كلام هذين العالمين من باب الإستنباط  فهما من إجازتهما للنشرة.

 

========

#- المرجع الرابع:

#- قال الإمام إسماعيل بن كثير رحمه الله (المتوفى:774 هـ):

- مسألة: وهل يسأل الساحر حلا لسحره ؟

- فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري ..، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة ..، وكره ذلك الحسن البصري.

- وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: (يا رسول الله هلا تنشرت، فقال: «أما الله فقد شفاني وخشيت أن أفتح على الناس شرا)

- وحكى القرطبي عن وهب أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.

- (قلت "أي بن كثير"): أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر .. هو ما أنزل الله على رسوله في ذهاب ذلك وهما المعوذتان .. وفي الحديث (لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما) وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان. (تفسير بن كثير ج1 ص256).

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على بعض ما ذكره الإمام بن كثير:

- الإمام بن كثير لا يمانع (ولكن مع الكراهة) في أنه لو تم معرفة الساحر الذي صنع السحر أن يتم الذهاب إليه ومطالبته بفك أو حل السحر .. ولكنه يرى أن الأنفع من ذلك هو الإكتفاء بكلام الله لحل هذا السحر .. من باب من اكتفى بالله كفاه.. والله أعلم.

 

@- وخلاصة القول .. عند أصحاب الرأي الذي يقول بإمكانية حل السحر عن المسحور بواسطة ساحر.

 

أ- لو لاحظت .. ستجدهم يتكلمون عن مسألة الذهاب لمن يستطيع حل السحر بطريقة مباحة وحلال ومشروعة وليس فيها عصيان لله .. ولم يقل أحد منهم بالذهاب إلى الساحر لحل السحر إلا لو تم معرفة هذا الساحر فيتم مطالبته بحل السحر الذي فعله هو لأنه يعرف ما فعله.

- وإنما هذه عناوين وضعها العلماء المتأخرين ظنا منهم أن كلام التابعين يحتمل الذهاب للساحر ولكن بشرط أن لا يكون حل السحر بمعصية لله ..، وهذا الفهم هو ما ظنه بعض العلماء مثل الطبري وبن بطال والقرطبي وبن الجوزي.

 

ب- ويظهر من كلام الإمام سعيد بن المسيب والطبري وغيرهم .. جواز الذهاب إلى من يعرف حل السحر بغض النظر عن طالما يمكن أن يحل السحر بما هو مباح وفيه نفع .. ودليل ذلك من كلام سعيد بن المسيب أنه قال: (إنما نهى الله عما يضر ، ولم ينه عما ينفع) .. فالمسألة مطلقة عند سعيد بن المسيب ولكنه لم يصرح بالذهاب إلى ساحر لفك أو حل السحر .. وكذلك عند الطبري ليس من المهم ما هي عقيدة الذي سيحل السحر .. وإنما المهم أن تكون نافعة بوسيلة مباحة .. ومعنى قول سعيد بن المسيب أنها تنفع أي تعود عليه بالنفع في حياته وآخرته .. وإلا لو كانت الوسيلة حرام فهي لا توصف بالنفع.

 

- فظهر من وراء ذلك أن سعيد بن المسيب والطبري لم يحددوا وصف عقائدي (مسلم أم كافر) للشخص الذي يساعد في حل السحر .. وإنما وضعوا ضابط في العلاج وهو أن لا يكون فيه عصيان لله بالقول أو الفعل أو الإعتقاد.

 

ج- والغريب أن العلماء المتأخرين .. أخذوا كلام بعض التابعين كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي .. ووضعوا عنوانا يربط النشرة بالذهاب إلى الساحر فقالوا: هل يمكن حل المسحور عند الساحر ؟

 

- وكأن النشرة لا يفعلها إلا ساحر ..!! وهذا غريب ولم يقل به أحد من أهل اللغة ولا يظهر ذلك من فعل النبي وبعض الصحابة وفتاوى أكابر التابعين بل وشرحها أيضا بعض التابعين .. فلا علاقة للنشرة العلاجية بالساحر لا من قريب ولا من بعيد ..!!

 

- ولعل هذا الخلط بين النشرة العلاجية والذهاب للساحر .. بسبب الحديث الذي تم سؤال النبي فيه على النشرة .. وقال النبي (من عمل الشيطان) .. فظنوا أنه يوجد نشرة يفعلها الساحر ونشرة يفعلها غير الساحر .. وهذا في رأيي غلط لفهم الحديث .. فضلا عن أن الحديث لم يتم ذكر النشرة عند الساحر أو بالسحر .. !! وسبق شرح هذا الحديث في الفصل السابق .. فارجع إليه.

 

============

#- ثانيا: لا يجوز الذهاب لساحر مطلقا وإنما يجوز النشرة التي تشبه ما يفعله السحرة وليست بحرام حسب الضرورة (عند المذهب الحنبلي).

1- المرجع الأول:

#- قال الإمام بن قدامه المقدسي رحمه الله (المتوفى:620 هـ):

- وأما من يحل السحر:

أ- فإن كان بشيء من القرآن .. أو شيء من الذكر والإقسام والكلام الذي لا بأس به .. فلا بأس به.

 

ب- وإن كان بشيء من السحر .. فقد توقف أحمد عنه.

- قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر .. فقال: قد رخص فيه بعض الناس ..، قيل لأبي عبد الله: إنه يجعل الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا ..

- فنفض يده كالمنكر .. وقال: ما أدري ما هذا ؟ قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا ؟

- وروي عن محمد بن سيرين .. أنه سئل عن امرأة يعذبها السحرة .. فقال رجل: أخط خطا عليها .. وأغرز السكين عند مجمع الخط .. وأقرأ القرآن.

- فقال محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأسا على حال .. ولا أدري ما الخط والسكين ؟

- وروي عن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته .. فيلتمس من يداويه .. فقال: إنما نهى الله عما يضر .. ولم ينه عما ينفع ..، وقال أيضا: إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل.

- فهذا من قولهم .. يدل على أن المعزم ونحوه .. لم يدخلوا في حكم السحرة .. ولأنهم لا يسمون به .. وهو مما ينفع ولا يضر. (المغني ج9 ص32).

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة) – تعقيبا وتوضيحا على ما ذكره الإمام بن قدامه.

أ- قول الإمام بن قدامة: (المعزم ونحوه .. لم يدخلوا في حكم السحرة - ولأنهم لا يسمون به .. وهو مما ينفع ولا يضر) .. أي الذي يذكر بكلام مفهوم فيه عزيمة مثل (أبطلت كل سحر وطردت كل مس بقدرة الله العلي القدير) .. وما شابه ذلك .. وصاحب ذلك بعض الأساليب المستخدمة وليس فيها ما يحرم ذلك بدليل شرعي .. فهذا لا يقال عنه ساحر بل وينفع بعمله ويظهر له أثر علاج.. والله أعلم.  

 

ب- قول الإمام بن قدامه: (وإن كان بشيء من السحر):

- وأظن أن الإمام بن قدامة يقصد بقوله عن حل السحر (بشيء من السحر) أي حل السحر بطرق شبيهة بما يفعله السحرة لغرابتها عقلا .. وإن كانوا مستخدمي هذه الطريقة ليسوا سحرة وليس هذا وصفهم .. فكان وصف بن قدامة لحل السحر بشيء من السحر ليس لكون طريقة حل السحر هي سحرا فعلا  .. لا .. وإنما لغرابة فعل الطريقة التي يتم حل السحر بها .. ودليل ما ظننته من كلام بن قدامه هو آخر كلام بن قدامه الذي قال فيه: (المعزم ونحوه .. لم يدخلوا في حكم السحرة - ولأنهم لا يسمون به .. وهو مما ينفع ولا يضر).

 

ج- والإمام أبو عبد الله: هو الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى:241 هـ) ..، والإمام الأثرم: هو الإمام أبو بكر الأثرم من تلامذة الإمام أحمد بن حنبل المقربين له وناقل علمه واختلف على سنة وفاته ما بين (سنة 261 هـ - وسنة 273 هـ). والله أعلم.

 

د- قول الإمام بن قدامه: (وإن كان بشيء من السحر .. فقد توقف أحمد عنه): أي لم ينكر ذلك .. وذكر بن قدامه الشاهد على كلامه وهو قصة الإمام الأثرم مع الإمام أحمد.

- علما بأن الإمام أحمد ثبت عنه أنه قال لا بأس أي لا مانع .. وهذه الرواية ستأتي بعد قليل عن تلمذه مهنا الشامي.

 

- وقصة الإمام أحمد مع تلميذه أبو بكر الأثرم لم يتكلما عن حل السحر بالسحر عند ساحر .. وإنما هي حكاية لطريقة حل السحر بطريقة غريبة تشبه في غرابتها طرق الساحر لأنها غير مفهومة لظاهر العقل.

 

- علما بأنه لا يصح عقلا أن يقال أنه يمكن حل السحر بالسحر .. فهذا لا معقولية فيه .. ولا يصح لعالم أن يظن ذلك .. لأن السحر هو طريقة عقد وليس طريقة حل .. فكن منتبها يقظ.

 

- وحينما سأل الأثرم أحمد بن حنبل .. عن رجل يحل السحر فقال أنه قد رخص فيه بعض الناس (أي بعض العلماء) .. فهذا معناه أن السؤال يتعلق بحل السحر بالنشرة .. وليس حل السحر بسحر عند ساحر .. لأن في مذهب الإمام أحمد مجرد الذهاب للساحر هو حرام .. بالتالي لا يعقل أن يكون سؤال الأثرم عن حل السحر بالسحر ولا حتى عند ساحر .. لأن الذهاب للساحر في مذهب أحمد هو حرام وثبوت السحر على ساحر حده أنه يقتل في أحد قولي أحمد ..!! وبالتأكيد لا يعقل أن يكون سؤال الأثرم للإمام أحمد عن حل السحر عند ساحر .. ولا حل السحر بشيء من السحر لأن هذا لا يعقل من أساسه ..!!

 

- وبالتالي فالمقصد من سؤال الأثرم وجواب الإمام أحمد بن حنبل هو عن حل السحر بنشرة كان يفعلها رجل (ولم يقل ساحر) .. ولذلك ذكر الإمام الأثرم الطريقة .. وتوقف عنها الإمام أحمد ولم ينكر.

  

هـ- الطريقة التي ذكرها الإمام الأثرم .. هي طريقة غير واضحة لأنه لم يكملها واكتفى بأن يقول "أن الرجل يجعل الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا" .. وحسب ما أفهم فالمقصود هو: طريقة جلب السحر في الوعاء (مثل ما يفعله البعض في زماننا) .. فالطنجير أو الطنجرة هو وعاء نحاسي .. ومعنى يغيب فيه أي يغيب فيه الماء فيملأه على آخره ثم يحكم الغطاء عليه ..، وقوله (يعمل كذا) أي يعزم عليه بالقرآن عليه وهو على هذا الحال أو يعزم عليه بكلام مفهوم ولكنه ليس قرآن .. وبعد فترة من التعزيم يفتح غطاء الطنجرة أو الوعاء ويجدوا فيه ما يظنوا أن الجن جلب السحر في الوعاء .. (وهذه طريقة يكثر بها النصب على الناس في حياتنا) .. والله أعلم. 

 

و- وقول الأثرم (فنفض يده كالمنكر ): أي خبط على يديه كالمنكر لمعرفتها .. كالذي يقول لا علم لي بهذه الطريقة فكيف أحكم فيها .. ولكن لفظ الإنكار ليس معناه الإنكار شرعا ..!! فهذا إنكار معرفة وليس إنكار شريعة .. فانتبه.

 

ز- والإمام محمد بن سيرين .. هو من أكابر التابعين (33 هـ - 110 هـ) .. وهو من علماء الدين واشتهر عنه تفسيره للأحلام وكان بارعا في ذلك .. وقابل كثير من الصحابة وأخذ عنهم العلم مثل أبي هريرة وبن عباس وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وغيرهم.

 

ح- أما عن الطريقة التي سُئل عنها محمد بن سيرين وهي: "أنه سئل عن امرأة يعذبها السحرة .. فقال رجل: أخط خطا عليها .. وأغرز السكين عند مجمع الخط .. وأقرأ القرآن".

- فهذا شرح للطريقة حسب ما فهمت .. وهو ما يسمى بالتحويطة .. أي يتم وضع الشخص المصاب على الأرض ويتم رسم دائرة حوله ويبدأ برسم هذه الدائرة من اليمين ويلف بها حول الشخص حتى يغلق الدائرة عند نفس النقطة التي بدأ منها .. وعند هذه النقطة التي بدأ منها رسم الدائرة وانتهى إليها .. يقوم بغرز سكين وكأنه السكين مثل القفل الذي أغلق به هذه الدائرة .. ثم يبدأ يعزم بالقرآن لطرد كيد السحرة عن هذه المرأة..، وسبب التحويطة بهذا الخط هو مثل حجاب أو درع في مفهوم وعقلية من يفعل ذلك ..!! والله أعلم.

 

@- ملحوظة مهمة جدا:

- الإمام محمد بن سيرين كان مملوكا للصحابي أنس بن مالك زمنا حتى تم عتقه بعد ذلك .. يعني كان عايش مع الصحابي أنس بن مالك وملازما له وتلميذا له .. وأنس بن مالك هو أحد رواة حديث النشرة من عمل الشيطان .. وحينما تم سؤال محمد بن سيرين عن النشرة التي تم عرضها عليه لم يقل أنها من عمل الشيطان وإنما قال لا أعلم .. فدل بذلك أن النشرة التي من عمل الشيطان إنما هي شيء ظاهر الدليل عليه أنه حرام ولا يختلف عليه أحد من العلماء .. وظهر بذلك أنه ليس كل نشرة حرام .. فكن بصير أخي الحبيب وافهم وانتبه لما أذكره لك فإنه نفيس جدا .. حتى تعلم أن من يقول أن النشرة كلها سحر أو حرام إنما هو قد افترى بدعة منكرة وأضاف في دين الله ما لم يقل به الله ورسوله.

 

ط- والإمام سعيد بن المسيب: وهو من أكابر التابعين (15 هـ - 94 هـ) .. وسبق الكلام عنه وعنه إباحته فعل النشرة ولكن بشرط أن تكون نافعة ولا ضرر لها ولا عصيان لله.. أي تكون بمباح وحق .. وليس بمحرم وباطل.

 

============

1- المرجع الثاني:

@- من بعض أقوال بعض أهل العلم في المذهب الحنبلي:

1- قال الإمام شرف الدين الحجاوي رحمه الله (المتوفى: 968 هـ):

- وتحرم رقية وحرز وتعوذ بطلسم وعزيمة بغير عربي وباسم كوكب وما وضع على نجم من صورة أو غيرها .. ولا بأس بحل السحر بشيء من القرآن والذكر والأقسام والكلام المباح .. وإن كان بشيء من السحر فقد توقف فيه أحمد .. والمذهب جوازه ضرورة. (الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ج4 ص308).

 

- وشرح جملة (وإن كان بشيء من السحر فقد توقف فيه أحمد .. والمذهب جوازه ضرورة): أي إن كان بشيء مما يتحير العقل في فهمه وكأنه مثل السحر .. فهذه المسألة توقف عن الحكم فيه الإمام أحمد .. ولكن غالب المذهب الحنبلي على جواز اتباع طرق النشرة للضرورة .. وذلك حسب ما فهمه أصحاب المذهب الحنبلي من رد فعل الإمام أحمد في قصته مع تلميذه أبي بكر الأثرم .. ومع تلميذه مهنا الشامي ..،

وإلا فالأصل هو التبرك بالأذكار والقرآن.

- علما بأن الإمام أحمد ثبت عنه أنه قال لا بأس .. وهذه الرواية ستأتي بعد قليل.

 

2- قال الإمام منصور بن يونس البهوتى الحنبلى رحمه الله (المتوفى: 1051هـ)

- ولا بأس بحل السحر بشيء من القرآن والذكر والأقسام والكلام المباح .. وإن كان حل السحر بشيء من السحر فقد توقف فيه أحمد .. قال في المغني: توقف أحمد في الحل ..، وهو إلى الجواز أميل. (كشف القناع "للبهوتي المتوفى:1051 هـ" - ج 6 ص 188).

 

#- ملحوظة: لم أجد في كتاب المغني بن قدامه أنه قال: " توقف أحمد في الحل وهو إلى الجواز أميل" .. فجملة "إلى الجواز أميل" لم يذكرها بن قدامة ..، وإنما هي من كلام الإمام البهوتي .. هذا للتوضيح .. فانتبه.

 

@- وقال أيضا الإمام البهوتى الحنبلى رحمه الله في شرحه على منتهى الإرادات لابن النجار رحمه الله (المتوفى: (972هـ) .. في قول بن النجار (ويحرم طلسم ورقية بغير العربي ويجوز الحل بسحر ضرورة):

- (ويحرم طلسم) بغير العربي (و) يحرم (رقية بغير العربي) إن لم يعرف صحة معناه .. لأنه قد يكون سبا وكفرا وكذا يحرمان باسم كوكب وما وضع على نجم من صورة أو غيرها.

- (ويجوز الحل) أي: حل السحر بالقرآن والذكر والأقسام والكلام الذي لا بأس به.

- ويجوز حله أيضا (بسحر ضرورة) أي: لأجل الضرورة ..

- وتوقف أحمد عنه .. وسأله مهنا: عمن تأتيه مسحورة فيطلقه عنها ؟ قال: لا بأس.

- قال الخلال: إنما كره فعاله ولا يرى به بأسا .. كما بينه مهنا. (دقائق أولي النهى لشرح المنتهى المعروف بشرح منتهى الإرادات ج3 ص404).

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة) التعريف بالإمام خلال والإمام مهنا:

ب- الإمام مهنا: هو (مهنا بن يحيى الشامي السُّلَمي) وهو من كبار أصحاب الإمام أحمد بن حنبل .. وهو معروف بـ (مهنا الشامي - توفي عام 248هـ).

 

ج- الإمام الخلال: هو الإمام أبو بكر الخلال واسمه أحمد بن محمد بن هارون (توفي سنة 311 هـ) .. ويُعد شيخ الحنابلة وعالمهم، والرائد الذي جمع فقه الإمام أحمد بن حنبل.

 

@- انتبه أخي الحبيب:

- لم أجد في كلام الإمام أحمد بن حنبل أنه أجاز حل السحر بالسحر لا لضرورة ولا لغير ضرورة .. وذلك حسب ما أطلعت في بعض كتب الحنابلة التي تيسرت لي .. وإنما الذي لم يحكم فيه الإمام أحمد أو قال عنه لا بأس أي لا مانع فكان هو طريقة للنشرة قد ذكرها له تلميذه أبو بكر الأثرم وتلميذه مهنا الشامي .. ويظهر من القصة أن الإمام أحمد لم يحرم هذه النشرة بل أجازها في كلام مهنا الشامي .. ولكن هذا لم يكن له علاقة بحل السحر من خلال ساحر .. ولا له علاقة بخرافة حل السحر بالسحر .. إذ لم يكن في المسألة أي ساحر من أساسه ..!!

- والله أعلم.

 

============

5- المرجع الثالث:

 

@- قال علماء الموسوعة الفقهية الكويتية في الجزء 24 (صدر عام 1410 هـ - 1990 م):

- النشرة، أو حل السحر عن المسحور:

- يحل السحر عن المسحور بطريقتين:

#- الأولى: أن يحل بالرقى المباحة والتعوذ المشروع.

- كالفاتحة والمعوذتين والإستعاذات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أو غير المأثورة ولكنها من جنس المأثور .. فهذا النوع جائز إجماعا.

- وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سحر .. استخرج المشط والمشاطة اللتين سحر بهما .. ثم كان يقرأ بالمعوذتين .. فشفاه الله تعالى.

 

#- الثانية: أن يحل السحر بسحر مثله.

- وهذا النوع اختلف فيه على قولين:

- الأول: أنه حرام لا يجوز .. لأنه سحر .. وتنطبق عليه أدلة تحريم السحر.

- وهذا منقول عن ابن مسعود والحسن وابن سيرين وإليه ذهب ابن القيم. وتوقف فيه أحمد.

- وروي عن الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر.

- وروي عن محمد بن سيرين أنه سئل عن امرأة يعذبها السحرة..، فقال رجل: أخط خطا عليها وأغرز السكين عند مجمع الخط وأقرأ القرآن. فقال محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأسا، ولا أدري ما الخط والسكين.

- وقال ابن القيم: حل السحر بسحر مثله من عمل الشيطان .. فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل العمل عن المسحور.

 

- القول الثاني: أن حل السحر بسحر لا كفر فيه ولا معصية .. جائز.

- فقد نقل البخاري عن قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: (رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه، أو ينشر؟ قال: لا بأس، إنما يريدون به الإصلاح، فإن ما ينفع لم ينه عنه).

- والقولان أيضا عند المالكية والحنابلة.

- قال الرحيباني: يجوز حل السحر بسحر لأجل الضرورة .. وهو المذهب .. وقال في المغني: توقف أحمد في الحل .. وهو إلى الجواز أميل. (الموسوعة الكويتية ج24 ص265-266).

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على بعض ما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

1- قولهم (النشرة، أو حل السحر عن المسحور): هذا العنوان لو كان المقصود منه أن النشرة مفهومها هو حل السحر عن المسحور فقط .. فهذا خطأ لأن النشرة ليست فقط لحل السحر عن المسحور .. وإنما هي طريقة علاجية لمن به مس من الجن أو إصابة من الحسد أو السحر.. وإنما النشرة يغلب استخدامها في علاجات السحر في الغالب.

 

2- جزئية أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم المعوذتين في إبطال ما أصابه من السحر .. هذا غير صحيح على الأرجح ولا يوجد دليل إثبات صحيح قطعي الدلالة يقول بذلك .. بل المعوذتين نزلتا بمكة وليس بالمدينة وقت حدوث السحر .. وسأبين هذا في قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء الله.

 

2- قولهم (أن يحل السحر بسحر مثله) .. قولهم أن حل (السحر بمثله) فهذا خطأ ومستحيل تصوره .. لأن السحر فعل بالضرر وليس حل الضرر .. وليس في السحر ما يوصف بحل السحر بسحر .. والسحر حرام .. والحرام لا يوجد فيه يجوز أم لا يجوز ..!!

- ولعل هذا الخطأ منقول عما كتبه الإمام بن القيم حينما قال بتقسيم النشرة إلى قسمين .. نشرة بالأذكار والقرآن .. ونشرة من عمل الشيطان ووصفها بأنها (حل السحر بسحر مثله) (راجع إعلام الموقعين ج 4 ص 301).

 

- ولم يصادفني في كتب أهل العلم فيما اطلعت عليه أن أحد قال بمثل هذه الجملة (حل السحر بسحر مثله) إلا الإمام بن القيم .. ولعل بن القيم فهم ذلك من كلام الإمام بن قدامه حينما تكلم عن النشرة وقال أن من النشرة ما يحل (بشيء من السحر) إلا أن بن قدامه لم يقل هذه الجملة (حل السحر بسحر مثله) وإنما قال (بشيء من السحر) .. والفرق كبير .. إذ كان مقصد بن قدامة هو حل السحر بطريقة خفية أو غريبة عقلا كالتي يتبعها السحرة ولذلك قال أن من يتبع هذه الطرق لا يوصف بكونه ساحر .. وراجع تعليقي عن بن قدامه .. والله أعلم.

 

3- وقولهم في الموسوعة نقلا عن بعض المذاهب: (حل السحر بسحر مثله .. أنه حرام لا يجوز .. لأنه سحر) وهذا منقول عن (ابن مسعود والحسن وابن سيرين وإليه ذهب ابن القيم.):

- فهذا كلام صحيح في كون السحر حرام .. ولكنه ما ذكرته الموسوعة من أسماء حرموا حل السحر بالسحر .. فهذا يحتاج توضيح كما يلى ..

- فالصحابي عبد الله ابن مسعود لم يتكلم عن حل السحر بالسحر وإنما أنكر من يذهب إلى الساحر مصدقا له .. ولم يروى عنه أنه تكلم في مسألة حل السحر بالسحر لأن هذا شيء غير معقول أصلا ليتكلم فيه ..!!

 

- أما عن محمد بن سيرين تكلم عن حل السحر بالنشرة .. ولم ينكر ذلك طالما ليس بحرام .. ولم يتكلم عن شيء اسمه حل السحر بالسحر .. وقد ذكرت قصة محمد بن سيرين في كلام بن قدامه .. فارجع إليه.

 

- أما عن الحسن البصري .. لم يتكلم عن حل السحر بالسحر .. وسبق وذكرت كلام الحسن بالتفصيل في الفصل السابق .. وأن الحسن حينما سُئل عن النشرة قال هي سحر ..، وفي رواية أخرى قال أن السحر لا يحله إلا ساحر .. والقولين المنسوبين للحسن البصري مردودين جملة وتفصيلا .. لأن النشرة ليست سحر لأنها علاج فلا يعقل أن يقال عنها سحر .. وعلاج السحر يفعل من استطاع ذلك وليس الساحر هو من يحل السحر لأن عهده بالأذية وليس بالخيرية ..!! فكلام الحسن البصري لو أخذناه على ظاهره فكلامه مردود عليه ولا يصح عقلا ولا نقلا .. ولذلك كنت قمت بتأويل كلام الحسن البصري ليكون المقصود هو حل السحر عند ساحر ستكون النتيجة مزيد من السحر لمن يذهب للساحر ..، وعموما سبق وناقشنا قول الحسن البصري في الفصل السابق.

 

- أما عن بن القيم فقد ذكر رأيان عن النشرة .. أحدهما مباح ومستحب وهو ما كان بالأذكار .. والآخر (حل سحر بسحر مثله – وهذا حرام) وظن الإمام بن القيم أن الساحر وطالب السحر يفعلا سحرا ليتقربا به للشيطان حتى يبطل السحر عن المسحور .. وهذا كلام غير معقول تصوره .. لأنه كيف يتم إبطال سحر بسحر مثله ..؟!! فعلى هذا يظل سحرا آخر موجود ؟!! فكيف يعقل ذلك ؟!!

- علما بأن الإمام بن القيم حنبلي المذهب .. وبالتأكيد أخذ هذا التصور نقلا عن بن قدامه .. والله أعلم. 

 

4- وقولهم نقلا عن بعض المذاهب (أن حل السحر بسحر لا كفر فيه ولا معصية . جائز): فهذا ما لا يمكن تصوره أن يتم حل السحر بسحر .. إذ أن السحر كله ضار .. ولا خيرية فيه .. حتى يقال بإمكانية فك وحل السحر بالسحر ..!!

 

- وإنما قد يصح القول: فك السحر عند ساحر بطريقة غير طرق السحر .. فهذا محتمل لأن الساحر على علم بالسحر وقد يكون على علم بطريقة لحل أنواع من السحر بغير طريقة السحر .. ولكنه لا يبطله بسحر مماثل .. فهذا لا يعقل أصلا ..!!

 

@- وخلاصة القول .. عند أصحاب الرأي الذي يقول بإمكانية حل السحر عن المسحور بواسطة شيء من السحر أو بسحر مثله.

 

1- أنه يمكن حل السحر بطرق مباحة شرعا من خلال القرآن والأذكار.

2- ويمكن حل السحر بشيء من السحر (حسب كلام بن قدامه) .. أو حل السحر بسحر مثله (حسب كلام بن القيم) ..

- ولكن في مفهوم بن قدامه: أن حل السحر بشيء من السحر هو بطرق مشابهة لطرق السحرة ولكن فاعلها ليس بساحر ولا يوصف بذلك وليس في طريقته ما هو حرام وهي طريقة مباحة وجائزة ..

- وفي مفهوم بن القيم: أن حل السحر بالسحر حرام لأن فيها تقرب إلى الشيطان.

 

3- والذي أحسبه من قول الحنابلة (خلافا لابن القيم) .. أن مقصدهم من حل السحر (بشيء من السحر) هو ليس الذهاب للساحر لحل السحر .. لا .. وإنما مقصدهم هو اتباع الطرق الغريبة التي يفعلها بعض المعزمين (الروحانيين – أو الرقاة) في حل السحر والتي قد يشبه في ظاهرها أنها من السحر لخفاء طريقة فعلها أو لكونها غير مفهومة عقلا للناظر لمعرفة الكيفية التي ترتب عليها نتيجة إبطال السحر .. مثل الطرق التي ذكرها الأثرم ومهنا الشامي ومحمد بن سيرين .. فهذه طرق ليس فيها ما هو حرام لأن الادوات المستخدمة هي حلال .. ولكن الطريقة غريبة في إبطال السحر..

- وجاء عن الإمام أحمد بن حنبل في الطرق السابقة أنه مرة توقف عن الحكم ولم ينكر .. ومرة أخرى قال لا بأس فأجازها.

 

4- أما عن القول (بحل السحر بسحر مثله) .. وهو ما ذكره الإمام بن القيم فهذا خطأ .. ولا يمكن أن يكون معقول لأن السحر لا يبطله سحر .. وإنما يمكن أن يكون معقول لو قيل أن يتم التوسل للشيطان للمساعدة في معرفة كيفية إبطال السحر .. وليس لفعل سحر مثله ليبطل السحر الأول ..، وكذلك لو كان مقصد بن القيم أن التقرب للشيطان هو من السحر فهذا خطأ آخر لا يمكن تصوره أيضا .. لأن التقرب من الشيطان هو استمتاع بالشيطان وليس بسحر .. إذ لم يقل احد أن مجرد الاستعانة بالشيطان طلبا للمعرفة منه هو سحر ..!!

- ثم يقال لهم: منذ متى وفي السحر علاج .. والحرام كله داء وليس دواء ؟!! فعقلا لا يصح أن يكون موجود سحر فيه علاج ..

- والله أعلم.

 

=============

#- وخلاصة القول أخي الحبيب فيمن أجاز حل السحر عند ساحر أو عند من يفعل النشرة الغريبة المشابهة لفعل السحرة أو فيمن حرم حل السحر بسحر مثله:

 

1- عند عموم العلماء من التابعين ومن بعدهم يجوز حل السحر عند من يعرف حل السحر بغض النظر عن كونه مسلم أو غير مسلم .. بشرط أن لا يكون من يحل السحر يحله بحرام من قول أو فعل أو اعتقاد ..، فلا يقول الشخص من يقوم بحل السحر بكلام في كفر أو شرك .. ولا يفعل أفعالا محرمة كالذبح للجن والشياطين وممارسة الزنا وما شابه .. ولا يعتقد أن الشيطان هو ناصره ومعينه ووليه ومولاه وأنه يستمد مدده من الكواكب والنجوم أو ما شابه.

 

2- لم أجد في كلام العلماء التابعين وتابعي التابعين من قال بالذهاب إلى ساحر لحل السحر .. وإنما قالوا فقط شخص يحل السحر ولم يصفوه بأنه ساحر ..

- وإنما ما يتم كتابته في كتب أهل الفقه والتفسير من عنوان يكتبوه هكذا: (مسألة: في حل السحر عن المسحور عن ساحر) .. فهذا عنوان بدأ في الظهور تقريبا في كتبه الفقه في القرن الرابع الهجري .. وقد تم استنباطه عمن أجازوا النشرة من التابعين .. وكأن من كتب هذه المسألة فهم أن لنشرة معناها حل السحر بالسحر .. وهذا خطأ جدا وفهم غلط .. وسبق وأوضحت ذلك.

 

- فأكابر التابعين الذين يتم ذكرهم في كتب الفقه في مسألة حل السحر .. مثل سعيد بن المسيب .. وعامر الشعبي .. محمد بن سيرين .. لم يقل أحد منهم بالذهاب إلى ساحر لحل السحر .. ولم يقولوا يجوز حل السحر بالسحر أو بشيء من السحر .. وإنما أجازوا حل السحر بالنشرة وهي الطرق التي يتم فيها استخدام مواد من الطبيعة يظهر أن لها نفع على المصاب بسحر.

 

- وقد سبق وذكرت من أكابر التابعين .. ممن أباحوا النشرة بالحق وما هو مباح .. مثل عطاء بن أبي رباح .. ويحيى بن سعيد الانصاري .. ووهب بن منبه ..

 

- والأئمة من المذاهب الأربعة .. الإمام أبي حنيفة .. والإمام مالك بن أنس .. والإمام أحمد بن حنبل .. والإمام محمد بن إدريس الشافعي .. وكذلك الإمام بن حزم الظاهري .. لم أجد أحد منهم ينكر فعل النشرة إلا لو كانت بحرام .. ولم يقل أحد منهم بالذهاب إلى ساحر أو بحل السحر بشيء من السحر أو بحل السحر بسحر مثله.

 

3- أما من قال بإمكانية حل السحر بشيء من السحر .. فأول من وجدته حسب ما توافر عندي من العلم وقال بذلك كان الإمام بن قدامة وهو من علماء القرن السادس الهجري .. وقد شرحت ما يقصده .. إذ أنه يقصد الطرق الغريبة التي يفعلها البعض والتي تشبه طرق السحرة في ظاهرها ولكنها ليست سحرا ولا فاعلها ساحر.

 

4- أما من تكلم في مسألة حل السحر بسحر مثله وأنه حرام .. فأول من وجدته تكلم في ذلك فهو الإمام بن القيم .. والتحريم صحيح من حيث الذهاب إلى ساحر ليقوم بعمل سحر لأن السحر حرام .. ولكن ما هو غير صحيح ولا يمكن تصوره .. هو حل السحر بسحر مثله .. فهذا ما لا يعقل ... لأن السحر ضرر ولا نفع فيه وهذا ظاهر من كلام الله وكلام رسول الله .. فلا حاجة لنقول أن حل السحر بالسحر هو حرام .. لأنه لا يوجد أصلا حلا للسحر بالسحر ..!!

- هذا والله أعلم.

 

@- ويتبقى عدة مسائل أكملها في الفصل القادم إن شاء الله .. مثل سؤال قد يخطر على بالك بعد قراءة هذا الفصل فتقول: هل من اجازوا الذهاب لمن يستطيع حل السحر أو فكه او إبطاله يجعل ذلك مباحا للذهاب إلى الكنيسة مثلا ليرقينا راعي الكنيسة بكتابه ؟!!

- وغير ذلك من مسائل .. والله ولي التوفيق.   


*****************
يتبع إن شاء الله تعالى
*****************
والله أعلم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
هذه الرسالة وكل مواضيع المدونة مصدرها - مدونة الروحانيات فى الاسلام -  ولا يحق لأحد نقل أي موضوع من مواضيع أو كتب أو رسائل المدونة .. إلا بإذن كتابي من صاحب المدونة - أ/ خالد أبوعوف .. ومن ينقل موضوع من المدونة أو جزء منه (من باب مشاركة الخير مع الآخرين) فعليه بالإشارة إلى مصدر الموضوع وكاتبه الحقيقي .. ولا يحق لأحد بالنسخ أو الطباعة إلا بإذن كتابي من الأستاذ / خالد أبوعوف .. صاحب الموضوعات والرسائل العلمية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ادارة الموقع - ا/ خالد ابوعوف

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.