بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة بحثية عن
السحر في القرآن والقصص النبوية
(الفصل الخامس والأربعون)
#- فهرس:
:: الفصل الخامس والأربعون ::
مسائل مختلفة – دليل العلماء الذين أجازوا النُّشْرة أو المجربات
لعلاج السحر والمس والحسد - دليل بعض العلماء الذين قالوا أن النُّشرة حرام ومن
عمل الشيطان – الرأي الحقيقي أنه لا يوجد خلاف بين العلماء ::
1- س157: ما دليل أكثر العلماء الذين أجازوا النُّشْرة أو المجربات لعلاج السحر
والمس والحسد ؟
#-
أولا: ما هو مفهوم النُّشرة ؟
#-
ثانيا: لكن لماذا تم تسمية النُّشْرة بهذا اللفظ ؟
#- ثالثا: أباح النبي صلى الله عليه وسلم استخدام الوسائل
التي فيها معونة لدفع الضرر عن الناس ما لم يكن فيها شرك.
#-
رابعا: جاء في الأحاديث النبوية الصحيحة ما يؤيد
مشروعية العلاج النُّشرة.
#-
خامسا: جاء في بعض آثار الصحابة ما يؤيد مشروعية
العلاج النُّشرة.
#-
سادسا: جاء في آثار التابعين ما يؤيد مشروعية العلاج
النُّشرة.
#-
سابعا: نشرات أو مجربات لبعض تابعي
التابعين ومن تابعهم من الصالحين وقد أجاز هذه المجربات أكابر العلماء واستحسنوها
فذكروها في كتبهم كنشرة نافعة.
2- س158: ما دليل بعض العلماء الذين قالوا أن النُّشرة حرام ومن
عمل الشيطان ؟
#- أولا: في شرح حديث النشرة (من عمل
الشيطان) هكذا قال العلماء في نهي النبي عن النُّشرة.
#- ثانيا: قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على أدلة من قال أن النشرة حرام وهي من عمل الشيطان.
============
:: الفصل الخامس والأربعون ::
============
..:: س157: ما دليل أكثر العلماء الذين أجازوا
النُّشْرة أو المجربات لعلاج السحر والمس والحسد ؟ ::..
#- قلت (خالد صاحب
الرسالة):
- هذه المسألة وجدت من الضروري الكتابة فيها .. قبل مناقشة
مسألة آراء الفقهاء عند مسألة (هل السحر يجوز حله بالسحر) والتي سأذكرها إن شاء
الله في سؤال قادم .. ومسألة النُّشرة مهمة لتستطيع أن تستوعب كيف حدث الخلاف في
مسألة حل السحر بالسحر .. وستدرك في النهاية أن العلماء جميعا متفقون ورأيهم واحد
.. وأنه لا يوجد خلاف أصلا .. وإنما لا يوجد تحقيق وتقريب آراء العلماء من بعضها.
#- ملحوظة: كنا تكلمنا عن النُّشرة باختصار في الفصل
الخامس والثلاثون تحت عنوان: (س124: ماذا جاء من كلام بعض الصحابة والتابعين
وتابعيهم من الصالحين عن السحر والسحرة وعقوبة الساحر والعلاج من السحر ؟) عند استدلالي
بكلام التابعي سعيد بن المسيب رحمه الله.
- وإليك تحقيق مسألة النُّشرة العلاجية المستخدمة في علاج
السحر .. وما الذي قاله العلماء فيها .. وفي سؤال آخر أذكر كيف
فهم العلماء حديث النبي الذي قيل فيه حينما سئل عن النشرة فقال: من عمل الشيطان ..
- فتأمل هذا البحث اللطيف .. بترتيب بديع .. وستجده بحث نفيس إن شاء
الله .. وقد ذللت لك العلم تذليلا لسهولة الفهم بإذن
الله.. والله الموفق.
============
#- أولا: ما هو مفهوم النُّشرة ؟
#- من كلام العلماء:
1- قال الإمام الخطابي رحمه الله (ت 388 هـ):
-
النشرة .. معروفة .. وهي ضرب من علاج المصاب بمس الجن
، وعمل السحر ، ينشر به ذلك العارض تنشيرا ..
-
وقد يجلل صاحبه بصبوب من مياه مختلفة المواضع .. ينفث
فيه ويرقى به .. وقد كرهه غير واحد من العلماء. (اعلام
الحديث شرح البخاري ج2 ص1504).
- معنى قوله (يجلل صاحبه
بصبوب): أي يغطى أو يغمر المصاب بأذى روحاني يغطى بإنزال الماء
عليه بكثافة.. وقد يكون مقروء عليه ومنفوث فيه بهذه الرقية.
2-
قال الامام أبو
العباس القرطبي رحمه الله (المتوفى:656 هـ):
-
النُّشرة: وهي أن يكتب شيئًا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله
بالماء ثمَّ يمسح به المريض أو يسقيه إياه .. (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ج5 ص590-591).
3- قال الإمام أبو إسحاق ابن قرقول (المتوفى: 569هـ):
-
النُّشْرَةِ: وهي نوع من التطبب بالاغتسال على هيئات مخصوصة بالتجربة
لا تدرك بقياس طبي .. ومن العلماء من أجازها، ومنهم من يكرهها. (مطالع الأنوار على صحاح
الآثار ج4 ص221).
4- قال بن القيم رحمه الله (المتوفى: 751 هـ):
-
وَالنَّشْرَةُ: حل السحر عن المسحور .. وهي نوعان:
-
الأول: حل سحر بسحر مثله .. وهو الذي من عمل الشيطان .. فإن
السحر من عمل فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب .. فيبطل عمله عن المسحور.
-
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة ..
فهذا جائز .. بل مستحب. (إعلام
الموقعين ج 4 ص 301).
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- يتبين لك أخي
الحبيب مما سبق من كلام العلماء:
- أن لفظ النُّشرة (بضم النون وشدها وسكون الشين) وجمعه
(نُشَر) بضم النون وفتح الشين ..، وهو لفظ يستخدم للدلالة على وسيلة علاج وتداوي من أصابات روحانية
كمس أو سحر .. ولم يذكر أحد من العلماء السابقين بل والذين سيأتي ذكرهم بعد قليل
.. فلم يقولوا أن النشرة معناها السحر.
- وإنما النشرة منها ما هو
حق ومنها ما هو باطل .. فما كان حق فهو ما ليس فيه حرام بقول أو فعل وفيه نفع
للناس .. والباطل أو المحرم هو ما كان فيه حرام بقول أو فعل ولا يظهر له أثر نفع
للناس.
- فالنُّشرة .. هي وسيلة أو طريقة أو وصفة للتخلص
من إصابة روحانية أو أذى روحاني مثل السحر والمس والحسد .. ولا توصف النشرة بكونها
نشرة إلا باستخدام
الطبيعيات فيها أي المواد الطبيعية مثل الماء وأوراق الشجر أو زيوت طبيعية
أو التراب أو الملح أو ما شابه .. وهذه الطبيعيات قد يستخدم معها رقى لفظية .. أو يتم
استخدام طبيعيات فقط دون أي رقية معها .. وغالبا يكون استخدام الماء في النشرة
مخلوطا بمواد طبيعية مع رقى لفظية رقية أو قد يكون فقط ماء مخلوط بمواد طبيعية بدون
أي رقية .. ويتم صب الماء على المصاب.
- والنشرة من حيث كونها وسيلة للعلاج من الإصابات الروحانية .. إلا أنها يمكن أن تكون وسيلة للعلاجات العضوية أيضا .. وإلا ما كان النبي استخدمها في مرض موته صلى الله عليه وسلم.. فانتبه.
-
والنُّشرة في زماننا هذا: هي مجربة من مجربات العلاج .. وكانت
نُشْرة سحر الربط مجربة مشهورة عند الناس لإبطال سحر الربط خاصة .. إلا أن
النَّشرة هي وصف عام لكل طريقة تستخدم في علاج من أصابه مس روحاني أو سحرا أو حسدا
.. وذلك حسب توصيف العلماء لاستخدام النشرة في العموم.
@-
والخلاصة هي أن النُشْرة من الإصابات الروحانية: هي ضرب أو نوع من العلاج لمن كان
يظن أن به مساً من الجن أو سحرا أصابه أو حسد ألمَّ به.
- بل ويمكن أن تكون سببا للتخفيف من الأعراض العضوية..
وأبسط مثال على ذلك نفعله في منازلنا مثل وضع كمادات الماء البارد على جبهة المريض
الذي ترتفع حرارته .. فهذا يعتبر من النشرة.
==========
#-
ثانيا: لماذا تم تسمية
النُّشْرة بهذا اللفظ ؟
1- قال الإمام الزمخشري رمحه الله (المتوفى:538 هـ):
-
نَشَرْتُ عن العليل نَشْراً .. ونَشَّرت عنه
تَنِشيراً .. إِذا رَقَيْتَه بالنُّشْرة .. كأَنَّك تفرّق عنه العِلَّة. (أساس البلاغة للزمخشري ج 2
ص 270).
2- قال الإمام بن رسلان الرملي رحمه الله (المتوفى: 844 هـ):
-
سميت نشرة: لأن العليل ينشر بها عن نفسه ما خامره من الداء .. أي:
يكشفه ويزيله عنه. (شرح
سنن أبي داوود ج 15 ص 569 .. مختصرا).
3- وقال الإمام بن حجر العسقلاني رحمه الله (المتوفى:852 هـ):
-
(النُّشرة) بالضم .. وهي ضرب من العلاج ..
يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن .. قيل لها ذلك لأنه يكشف بها عنه ما
خالطه من الداء. (فتح
الباري ج 10 ص233).
4-
ولفظ النُّشرة مأخوذ من النَّشر: والذي من أحد معانيه هو "التفريق"
..
-
من المعاني التي
ذكرها الإمام مرتضى الزَّبيدي (المتوفى: 1205 هـ):
-
النّشْرُ: التَّفريقُ .. والقوم المتفرقون الذين لا يجمعهم رئيس ..
ويُحَرَّكُ يُقال: جاء القوم نَشَراً .. أَي مُتَفَرِّقين .. ورأيت القوم نَشَراً
.. أَي منتشرين. (تاج
العروس ج 14 ص 216).
-
وقال الإمام مرتضى الزبيدي: من المجاز: النُّشْرة "بالضم":
رقية يعالج بها المجنون والمريض ومن كان يظن أن به مسا من الجن .. وقد نشر عنه ..
إذا رقاه .. وربما قالوا للإنسان والمهزول الهالك: كأنه نُشْرة .. قال الكلابي:
وإذا نشر المسفوع كان كأنما أنشط من عقال .. أي يذهب عنه سريعا .. سميت نشرة لأنه
ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال. (تاج العروس ج 14 ص 216).
#-
من معاني ما سبق من كلام الزبيدي:
-
ولعل المقصود من معنى قوله (كأنه نشرة): لأن الصحة تفارقه .. فكأن المرض ينشر الصحة
عن الإنسان ..، وهنا
النُّشرة قيلت بمعنى عكسي .. أي الصحة تفارق الجسم .. وليس بمعنى المرض
يفارق الجسم.
-
الإمام (الكلابي): هو الإمام أبو زياد الكلابي (يزيد بن عبد
الله بن الحر الكِلابي) هو عالم في اللغة ومن الشعراء الفصحاء في زمنه وقد توفى
سنة:200 هجري.
-
المقصود من (المسفوع): أي المصاب بحسد.
-
قوله (نشط من عقال): أي كأنه كان مقيدا بحبل ثم تم فك قيده وأصبح
حرا طليقا .. والمقصد أنه استرد صحته بعد ضعفه بالحسد.
-
قوله (خامره من الداء): أي ما أصابه من مرض أو علة أوجعته في مكان
ما بجسمه.
- والله
أعلم.
=========
#- ثالثا: أباح النبي صلى الله عليه وسلم استخدام الوسائل التي فيها معونة لدفع الضرر عن الناس ما لم يكن فيها شرك.
1- الدليل الأول: عن الصحابي جابر
بن عبد الله قال: (لَدَغَت رَجُلًا مِنَّا عَقرَبٌ
ونَحنُ جُلوسٌ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ..
- فقال رَجُلٌ: يا
رَسولَ اللهِ .. أرقي ؟
- قال: مَنِ
استَطاعَ مِنكُم أن يَنفَعَ أخاه فليَفعَلْ) صحيح مسلم.
2- الدليل الثاني: وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: (لا بَأسَ بالرُّقى ما لَم يَكُنْ فيه
شِركٌ) صحيح مسلم.
@- إذن: ما سبق فيه إذن عام من النبي صلى الله عليه
وسلم باستخدام الوسائل والطرق التي فيها فائدة ونفع ومساعدة للغير .. شرط
أن لا يكون في هذه الوسائل والطرق أي رابطة أو علاقة أو تكون مصحوبة بالشرك والكفر
بالله.
===========
#- رابعا: جاء في الأحاديث النبوية الصحيحة ما يؤيد مشروعية العلاج النُّشرة.
@- جاءت في الأحاديث النبوية ما يشير إلى أن النُّشرة منها ما هو مباح .. ودليل ذلك:
1-
الدليل الأول:
-
جاء في (حديث
صحيح) .. عن قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم وبعد أن أمر
النبي بإخراج السحر من مكانه .. قالت له عائشة: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
فَهَلَّا - تَعْنِي تَنَشَّرْتَ- ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي) مستخرج بن أبي عوانة .. بسند
صحيح أصله في البخاري.
-
وفي رواية بلفظ: (يا رسول الله، فهلا نشرت ؟ فقال:
أما الله فقد شفاني) مستخرج بن أبي عوانة .. بسند صحيح أصله في
البخاري.
- معنى قولها (فهلا نشرت) أصلها (تنشرت): أي اتخذ من النُّشرة وسيلة علاج
لك بعدما تبين لك أنه تم السحر لك .. وكلمة (هلا) للدلالة على الحث والسرعة في
فعل النشرة .. مثلما تقول لشخص عرف أنه مريض بالسعال: هلا اتخذت دواء السعال
ليشفيك الله به .. أي أسرع باتخاذ العلاج المناسب لمرضك.
- وقول السيدة عائشة للنبي (فهلا – تعني: تنشرت) .. ولم ينكر النبي عليها قولها ..
ولو كان في قولها منكرا لنهاها النبي عن ذلك.
#- وقال الإمام بن بطال رحمه الله (المتوفى:449 هـ):
-
قولها للنبي: (هلا تنشرت) يدل على جواز النشرة كما قال
"الشعبي" .. ، وأنها كانت معروفة عندهم لمداوة السحر وشبهه .. ويدل قوله عليه السلام: (أما الله فقد شفاني) وتركه الإنكار على عائشة .. على جواز استعماله لها لو لم يشفه .. فلا معنى لقول
من أنكر النشرة. (شرح
بن بطال على صحيح البخاري ج 9 ص 446).
- يقصد الإمام بن بطال رحمه الله من كلامه: أن النُّشرة لو كانت لا يصح
استخدامها .. لكان النبي نهاها عن ذلك وأنكر عليها .. بل ودل على أنه لو لم يتم
شفاءه لكان استخدمها ولا حرج في ذلك .. والله أعلم.
-
وإذا كنا لا نعرف طريقة النشرة التي قصدتها السيدة عائشة .. إلا
أنها طريقة من تجارب الناس وليست طريقة تعبدية (بالقرآن والأذكار والدعوات) ..
وإلا كان فعلها النبي صلى الله عليه وسلم.
2-
الدليل الثاني:
-
جاء في (حديث
صحيح) .. عن
مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ
يَقُولُ: (اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ، فَنَزَعَ
جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ، قَالَ: وَكَانَ
رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ.
-
فَقَالَ لَهُ عَامِرٌ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلَا جَلْدَ عَذْرَاءَ ..
فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ، وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ.
-
فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أي جاء للنبي مرسال من سهل بن
حنيف) فَأُخْبِرَ
أَنَّ سَهْلًا قَدْ وُعِكَ .. وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ (أي كان على موعد مع النبي
ولكنه أصابه مرض منعه من الذهاب مع النبي).
-
فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ
الَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرٍ.
-
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَلَامَ يَقْتُلُ
أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلَا بَرَّكْتَ، إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ".
-
تَوَضَّأْ لَهُ (أي أمر النبي عامر أن يتوضأ) ..، فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ .. (أي توضأ عامر وترك الماء
المتساقط من وضوئه في وعاء ليغتسل به سهل وشفي سهل بن حنيف بعد اغتساله بوضوء عامر) .. فَرَاحَ (أي فذهب) سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) رواه الطبراني وبن حبان ومالك
.. وقال الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين، وقال الألباني: صحيح.
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة) عن معاني الحديث:
-
وقوله (الْخَرَّارِ): عين ماء جارية مكانها بالجحفة
وتسمى وادي الخرار .. ولعل الصحابي كان يغتسل بوضع الماء تبريدا على جسمه من الحر
.. وسميت عين الماء الجارية بالخرار بسبب خرير الماء الذي هو صوت الماء.
-
وقوله (فوعك): أي سقط متألما في مكانه لا يتحرك
من الألم .. وكأن طلقة رصاص أصابته.
-
قوله (غير رائح): أي لا يستطيع أن يذهب إلى النبي
ليذهب معه في مشوار قد اتفقا عليه.
-
قوله (يقتل أخاه): تشبيه الحسد بالقتل .. لما في
الحسد من ضرر قد يؤدي إلى الموت فعلا.
-
قوله (ألا بركت): أي حينما رأيت ما يعجبك كنت
تقول: تبارك الله .. او تبارك الله أحسن الخالقين.
-
قوله (العين حق): أي الإصابة بالعين لها حقيقة وجودية ثابته
لها تأثير على النفوس والماديات.
-
قوله (فتوضأ له): أي أن النبي أمر عامر بأن يتوضأ
لمن أصابه بالعين.
-
قوله (ليس به بأس): أي فحين أغتسل سهل بوضوء عامر ..
وصبه على نفسه .. حتى زالت عنه علة المرض وكأن لم يكن به شيء.
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة) عما يكشفه لنا حديث النبي (عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلَا بَرَّكْتَ، إِنَّ الْعَيْنَ
حَقٌّ):
أ- من الحديث السابق يظهر أن النبي صلى الله عليه
وسلم استخدم طريقة ليست قرآنية
ولا دعائية ولا تعبدية .. بل وصفة كان فيها علاج للمصاب بنظرة الحسد ..
طالما أن هذه الطريقة ليس فيها ما هو محرم فعله.
ب- انتبه لشيء مهم: أن هذا الحديث يكشف بوضوح خرافة وجود الشيطان خادم الحسد .. أو أن الشيطان هو الذي يسبب ضرر الحسد .. لأن الشيطان
لا شأن له بعملية الحسد كما يزعم البعض .. بدليل: (علام يقتل أحدكم أخاه): فنسب الفعل للإنسان .. ولو كان
الشيطان يصيب المحسود بضرر .. ما كان النبي نسب فعل الحسد للإنسان الحاسد .. بل وقوله
(العين حق): فنسب الفعل لعين الإنسان ..،
ولو لم تكن عين الإنسان مرسال لطاقة الشر المودعة فيه .. فلماذا قال النبي (العين حق)؟..، ولو كان للشيطان شأن في هذا الموضوع لكان النبي
قال .. فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم بدلا من قوله (ألا برَّكت).
- وهناك حديث ضعيف ينشره البعض قيل فيه: (الْعَيْنُ حَقٌّ .. وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ
وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ) رواه أحمد بسند ضعيف منقطع ولا
يصح ..، فضلا عن أن معناه أن الشيطان يحضر لتزيين الحسد في نفسية الشخص ليزين له
هذه النعمة ليتمعنها فغيب بالنعمة عن رؤية المنعم ومن انفعال النفس بهذه النعمة تصدر طاقة من
الإنسان تسبب ضرر للشخص الذي لديه هذه النعمة.
#-
ملحوظة .. سبق وتكلمت على هذا الحديث
بتوسع .. في رسالتي البحثية (رسالة مجربات خالد أبوعوف - طرق العلاجات الربانية للإصابات النفسية
والعضوية والروحانية من القرآن والسنة النبوية والإلهامات الربانية) عند الفصل
الحادي والأربعون تحت عنوان (س7: ما هي الأدلة على إمكانية استخدام المجربات في فك
السحر وطرد المس وإبطال العين والعلاجات بصفة عامة).
#- من كلام العلماء عن حديث النبي (عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟ أَلَا بَرَّكْتَ، إِنَّ الْعَيْنَ
حَقٌّ):
قال
الإمام بن عبد البر المالكي (المتوفى: 463هـ):
- وفيه إباحة النشرة وإباحة عملها
.. وقد قال الزهري في ذلك إن هذا من العلم.
- وإذا كانت مباحة فجائز أخذ البدل عليها ..
وهذا إنما يكون
إذا صح الانتفاع بها .. فكل ما لا ينتفع به بيقين .. فأكل المال عليه باطل (محرم). . ( التمهيد ج6 ص241).
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة) عن معاني بعض ما ذكره الإمام بن عبد البر:
-
معنى (النُّشرة): هي طريقة من طرق العلاج لمن أصابه مس أو سحر
أو حسد باستخدام أشياء من الطبيعة .. مثل الماء والملح والتراب وما شابه وقد يتم
القراءة بالّأذكار على هذه الطبيعيات أو لا يقرأ شيء .. شرط أن تكون هذه النُّشرة
ليس فيها قول حرام أو فعل حرام .. أي ليس فيها ما هو عصيان لله.
-
معنى (أخذ البدل عليها): أي النشرة يجوز أخذ مقابل مادي
عليها بمن يمارسها .. بشرط صحة الإنتفاع بها بيقين وإلا فهذا مال حرام.
@- إذن: نفهم أن الحديث الذي جاء فيها أن
النبي قال: (علام يقتل أحدكم أخاه) فيه دلالة على أن النبي قد أمر
باستخدام النُّشرة .. من خلال ماء الوضوء من شخص آخر لعلاج الحسد .. ولم يستخدم أي
علاجات ربانية كقراءة قرآن أو ذكر أو صلاة ركعتين لله.
- وليس بالضرورة أن تكون النشرة بالرقية الكلامية .. بل ممكن بالطبيعيات أي ما هو
طبيعي كالماء والملح وما شابه. والله أعلم.
#- واستعمال الوسائط لا حرج فيه
مطلقا .. طالما ليس منهي عنه .. مثل التصبح كل يوم بسبع تمرات من
عجوة المدينة .. كوقاية من السحر .. ولم يقل النبي اقرأوا سورة كذا للوقاية من
السحر ..!! (وقد ناقشنا
مسألة التمر ف هذه الرسالة فارجع إلى الفصل السادس والعشرون من السؤال رقم 99 إلى
102).
2-
الدليل الثالث:
- جاء في (حديث صحيح) .. عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: (العَينُ حَقٌّ،
وَلَو كَانَ شَيءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتهُ العَينُ، وَإِذَا استُغسِلتُم فَاغسِلُوا) صحيح مسلم.
@- معنى (استُغسِلتُم فَاغسِلُوا): أي إذا طلب من أحدكم حسد أحد غسل بعض جسمه
(بالوضوء) ويكون الماء المتساقط منه أثناء الوضوء موضوع في إناء كبير حتى يتم أخذه
واستخدامه على من هو المصاب بالحسد.. فيجب فعل ذلك.
- قال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله (المتوفى:656 هـ):
- هذا خطابٌ لمن يُتَّهم بأنَّه عائن .. فيجب
عليه ذلك .. ويُقضى عليه به إذا طُلِب منه ذلك .. لا سيما إذا خيف على المعين
الهلاك .. وهذا الغسل هو الذي سمَّاه في بعض طرق حديث سهل بن حنيف: بالوضوء. (المفهم لما أشكل من تلخيص
كتاب مسلم ج5 ص566).
- إذن: النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر
بالنشرة وإن لم يذكر لفظ النشرة .. ولذلك كان يذكر هذه الطريقة وإنما الطريقة
نفسها هي نشرة لإذهاب الداء عمن أصابته العين الحاسدة .. ولم يأمر أحد بقراءة أذكار أو ممارسة عبادات ..
ولكن هذا الفعل باغتسال الآخر وأخ ماء غسله إنما هو يحدث في حالة عدم معرفة الفاعل
للحسد.. وفي حالة عدم معرفة الحاسد فيتم المسح بالمعوذات الثلاثة على الجسم ثلاث
مرات عدة أيام وإن شاء الله يكتب الله الشفاء.
5- الدليل الرابع:
- جاء في (حديث صحيح) .. ما قصته .. كانت حينما اشتد مرض النبي صلى الله
عليه وسلم .. وتعب تعبا شديدا في مرض وفاته .. فقد طلب بأن يأتونه بسبع أوعية من ماء
(مثل سبع زجاجات) من سبع آبار مختلفة .. وتكون هذه الأوعية محكمة الوكاء أي الغطاء
أو كما قالت الرواية (لم تحلل أوكيتهن) للإستخدام
من قبل أي ممتلئة على آخرها .. أي محكمة الغلق ولم يكن تم استخدام هذا الماء من
قبل في شرب أو غسيل يد أو طهو طعام أو غير ذلك .. أي يكون أول ما يلمسه هذا الماء
هو جسد النبي صلى الله عليه وسلم ..، وذلك بأن يذهبوا لسبعة آبار مختلفة من آبار
المدينة .. ويأتون منها بالماء ولا يتم فتح هذا الماء إلا عند صبه على النبي صلى
الله عليه وسلم .. إليك بيان ما سبق:
أ- إذ جاء في (حديث صحيح) .. قالت السيدة عائشة عن النبي: (لَمَّا دَخَلَ بَيْتِي وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ قَالَ:
«هَرِيقُوا (أي صبوا) عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ .. لَمْ تُحْلَلْ
أَوْكِيَتُهُنَّ (أي محكمة الغلق لم تستخدم
منها شيء) .. لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ (أي أخرج إليهم فأوصيهم)
.. فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ
لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (المخضب هو جلسة مثل البانيو في زماننا) .. ثُمَّ طَفِقْنَا (أي
شرعنا أو بدأنا) نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ
القِرَبِ .. حَتَّى طَفِقَ (أي جعل) يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ .. أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ (أي قد فعلتن ما طلبته منكن)
.. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ) صحيح البخاري.
- انتبه: وما بداخل الرواية من كلمات باللون الأحمر
ليست من الحديث وإنما هي شرح لبعض ألفاظ الحديث.
ب- وجاء في (حديث صحيح) بلفظ: عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ
أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي
أَسْتَرِيحُ فَأَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ (أي
أوصيهم) .. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَجْلَسْنَاهُ
فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ مِنْ نُحَاسٍ
(أي مصنوع من النحاس) ..، وَسَكَبْنَا عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنْهُنَّ حَتَّى طَفِقَ
(أي جعل)
يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ (أي
كفى ما فعلتن) ثُمَّ خَرَجَ (أي خرج للناس يحدثهم)) رواه بن خزيمة في صحيحة .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الحديث صحيح.
- انتبه: وما بداخل الرواية من كلمات باللون الأحمر
ليست من الحديث وإنما هي شرح لبعض ألفاظ الحديث.
ج- وجاء في (حديث حسن) .. قالت السيدة عائشة: (غُمِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ ,
ثُمَّ أَفَاقَ قَالَ: أَهْرِيقُوا عَلَيَّ سَبْعَ قِرَبٍ .. مِنْ آبَارٍ شَتَّى ..
حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ فَأَعْهَدَ إِلَيْهِمْ (أي فأوصيهم) ..، قَالَتْ:
فَأَقْعَدْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ .. فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ
الْمَاءَ حَتَّى طَفِقَ يَقُولُ بِيَدِهِ حَسْبُكُمْ حَسْبُكُمْ (أي يكفي يكفي)) رواه أبو يعلى في مسنده .. وقال الهيثمي في المجمع:
إسناده حسن ..، (قلت
خالد صاحب الرسالة): حديث حسن .. لأن شيخ أبي يعلى وهو (جعفر بن
مهران) حسن الحديث وقال عنه الدارقطني لا بأس به وقال عنه الذهبي موثق وله ما ينكر
..، علما بأن في هذا السند قد صرح (محمد بن اسحاق) بالتحديث فانتهت شبهة التدليس
.. بخلاف رواية الطبري في الأوسط قد رواها بالعنعنة بين بن اسحاق والزهري هكذا (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ) والعنعنة إذا قالها بن اسحاق
تضعف الرواية لأنه يكون غالبا لم يسمع هذه الرواية ممن نقل عنه وذلك بخلاف لو قال
(حدثنا فلان) ..، وقد
ذكرت ذلك لأن البعض لم ينتبه لرواية أبي يعلى التي صرح فيها بن اسحاق بالتحديث
.. فانتبه.
#- والشاهد مما سبق:
- أن النبي صلى الله عليه وسلم ..
قد طلب أن يتم صب مياه الآبار على رأسه وجسمه .. بعدد سبعة أوعية (زجاجات) .. ومن
عدة آبار مختلفة .. (علما بأن المدينة كان بها سبعة آبار وهذه الآبار هي: (بئر أريس (بئر الخاتم) .. وبئر
حاء .. وبئر رومة (بئر عثمان) .. وبئر غرس .. وبئر البصة (البوصة) .. وبئر بضاعة
.. وبئر العهن).
#- قال الإمام عبد الملك بن حبيب رحمه الله (المتوفى: 238 هـ):
-
قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنشر لغير المعين
أيضا.
-
وقد نشر في مرضه صلوات الله
عليه ..، قالت عائشة: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فغسلنا من سبع
قرب من سبع إناء وهو مريض وجماعة من الصحابة لم يكونوا يرون بها بأسا. (مختصر في الطب - العلاج
بالأغذية والأعشاب في بلاد المغرب ص111-112).
=========
#- خامسا: جاء في بعض آثار الصحابة ما يؤيد مشروعية العلاج النُّشرة.
1- الدليل الأول:
- جاء في (أثر صحابي صحيح) .. عن السيدة عائشة قالت: (كانَ يُؤمَر العائِنُ، فيتوضّأُ،
ثم يَغْتَسِلُ منه المَعِينُ) رواه أبو داود .. وقال الأرنؤوط: صحيح.
-
ومعنى (العائن): هو الذي أصاب غيره بالعين ..
وهو الحاسد.
-
ومعنى (المعين): المحسود.
#- وهذا الكلام من السيدة عائشة يدل على أن الحاسد لو تم معرفته فهو
يؤمر بأن يغتسل في وعاء كبير يجتمع فيه ماء الإغتسال مثل ما يقال في زماننا
(كروانة أو طشت) .. ثم يؤخذ هذا الماء ويصب على المصاب بالحسد.
- إذن : الصحابة كانوا على علم بالنشرة ويستخدموها.
2- الدليل الثاني:
-
جاء
في (أثر صحابي صحيح) .. بعد أن تم حدوث سحر بالمرض
للسيدة عائشة وتبينت من ذلك .. فتحكي عَمْرَةُ فتقول: (فَلَبِثَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الزَّمَانِ .. ثُمَّ إِنَّهَا رَأَتْ فِي
الْمَنَامِ أَنِ اغْتَسِلِي مِنْ آبَارٍ ثَلاثَةٍ يَمُدُّ بَعْضُهَا بَعْضا (أي ثلاثة عيون ظاهرة الماء
متصلين بالقرب من بعض يربطهم قناة مائية واحدة) .. فَإِنَّكِ تُشْفَيْنَ (أي بشفاء الله).
-
فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ .. وَعَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ .. فَذَكَرَتْ لهم عَائِشَةَ الَّذِي
رَأَتْ (أي في منامها): فَانْطَلَقَا إِلَى قَنَاةٍ ..
فَوَجَدَا آبَارًا ثَلاثَةً يَمُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا .. فَاسْتَقَوْا مِنْ كُلِّ
بِئْرٍ مِنْهَا ثَلاثَ شُجُبٍ (أي ثلاث قرب من الجلد التي يحفظ فيها
الماء ومثاله في زماننا حاليا مثل ثلاث زجاجات حاليا في زماننا) .. حَتَّى مَلَئُوا الشُّجُبَ
مِنْ جَمِيعِهَا .. ثُمَّ أَتَوْا بِذَلِكَ الْمَاءِ إِلَى عَائِشَةَ ..
فَاغْتَسَلَتْ فِيهِ فَشُفِيَتْ) رواه مالك في الموطأ .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر سنده صحيح..، وما بين
الأقواس باللون الأحمر من شرحي على ألفاظ الحديث.
#-
فالسيدة عائشة لم تقرأ قرآن لفك السحر .. ولا أي أذكار ..
بل كانت مفوضة أمرها لرب العالمين وملتزمة بطاعة ربها .. حتى أرشدها الله في رؤيا
منامية لاستخدام النُّشرة بالوسائل الطبيعية وهي مياه الآبار .. وكتب لها النجاة
من تأثير هذا السحر الذي أحدث لها مرض أصابها زمنا.
#- ملحوظة هامة جدا: هذه القصة ستجدها محققة بالكامل
مع ذكر اللطائف الخاصة بها والإشارات المتنوعة وما شابه ذلك ستجده في رسالتي
البحثية (التحقيق الجلي
لقصة سحر بعض زوجات النبي بعد وفاة النبي – سحر السيدة حفصة والسيدة عائشة).
3-
الدليل الثالث:
-
جاء في (أثر صحابي صحيح) .. عن "عبد الله" ابْنُ عَوْنٍ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ "النخعي"، عَنِ الأَسْوَدِ "بن يزيد بن
قيس": (أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ سُئِلَتْ عَنِ
النُّشَرِ؟ فَقَالَتْ: مَا تَصْنَعُونَ بِهَذَا؟ هَذَا الْفُرَاتُ إِلَى
جَانِبِكُمْ .. يَسْتَنْقِعُ فِيهِ أَحَدُكُمْ سَبْعًا يَسْتَقْبِلُ الْجِرْيَةَ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه
برقم 23513..، (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر صحيح.
#- من معاني الألفاظ:
أ-
المقصد من (الفرات): هو نهر الفرات بالعراق .. ولعل
السيدة عائشة كانت موجودة بالعراق آنذاك في الفترة التي حدثت موقعة الجمل .. واستغل
أهل العراق وجودها هناك فاستفتوها .. والله أعلم.
#- ملحوظة هامة جدا: لم تقصد السيدة عائشة إثبات
خصوصية لنهر الفرات .. لأن من سألها فقد سألها من أهل العراق .. والمقصد هو
استخدام الماء الطبيعي الذي لم تمسه أيدي الناس .. فإن فيه بركة وخير وشفاء ..
وليس لأن نهر الفرات فيه خصوصية شفاء .. فهي لم تقل بذلك أصلا في الرواية .. !!
ب-
وقولها (يَسْتَنْقِعُ فِيهِ أَحَدُكُمْ سَبْعًا
يَسْتَقْبِلُ الْجِرْيَةَ): أي يغطس سبع مرات .. في اتجاه
سير جريان النهر .. وكأنه يقف في مكان يكون اتجاه المياه وهي تندفع إلى جسمه أي يقف
بوجهه في اتجاه تيار الماء .. مثلما تقف أمام موج البحر بوجهك فيصدم بك .. ، ثم
وأنت واقف في النهر بوجهك في اتجاه تيار المياه .. واغطس سبع مرات.
ج-
قولها (فليستقبل الجرية - فيغتمس): أي ينزل مجرى النهر كما شرحنا
منذ قليل .. وليغطس سبع مرات .. أي وهو واقف ينزل بجسمه كله في الماء حتى يغطي
الماء شعر رأسه .. ثم يقف .. ويكرر ذلك سبع مرات.- والله أعلم.
@-
فالسيدة عائشة قد أشارت على بعض أهل العراق
باستخدام نهر الفرات في التعافي من إصابات السحر إن ظن أحدهم بذلك وخاصة من كان به
ربط عن الجماع مع زوجته أو العكس .. وهو المشار إليه بالنُّشرة.
- مع ملاحظة أن كلام السيدة عائشة لا يخضع للتشريع وإنما للتجربة .. هو محض اجتهاد منها .. ويندرج تحت باب
المجربات بالطبيعيات .. فإما أن تصح التجربة أو لا تصح التجربة .. لأنه طب للعلاج
من علة .. فالمسألة ليست شرع ولا عن النبي .. وإنما هي محض اجتهاد من السيدة
عائشة.
-
والمقصد من الإستدلال بأثر السيدة عائشة .. هو أن النشرة كعلاج
مباح بما هو مباح كان معلوم ولا حرج فيه .. وهذا الأثر قيل بعد زمن وفاة النبي صلى
الله عليه وسلم.
4- الدليل الرابع: (قصة عن الصحابي سعد بن أبي وقاص).
#- قال الإمام بن عبد البر المالكي (المتوفى: 463هـ):
- وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
أمر بالنشرة للمعين.
- وجاء ذلك عن جماعة من أصحابه منهم سعد بن
أبي وقاص خرج يوما وهو أمير الكوفة .. فنظرت إليه امرأة .. فقالت: إن أميركم هذا لأهضم الكشحين (فعانته) فرجع
إلى منزله فوعك ثم إنه بلغه ما قالت فأرسل إليها فغسلت له أطرافها ثم اغتسل (به)
فذهب (ذلك) . (
التمهيد ج6 ص241).
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة) عن معاني بعض ما ذكره الإمام بن عبد البر:
-
معنى (المعين): أي الذي أصابته العين.
-
معنى (النُّشرة): هي طريقة من طرق العلاج لمن أصابه مس أو سحر
أو حسد باستخدام أشياء من الطبيعة .. مثل الماء والملح والتراب وما شابه وقد يتم
القراءة بالّأذكار على هذه الطبيعيات أو لا يقرأ شيء .. شرط أن تكون هذه النُّشرة
ليس فيها قول حرام أو فعل حرام .. أي ليس فيها ما هو عصيان لله .. ويكون فيها نفع
للناس.
-
معنى (أخذ البدل عليها): أي النشرة يجوز أخذ مقابل مادي
عليها بمن يمارسها .. بشرط صحة الإنتفاع بها بيقين وإلا فهذا مال حرام.
- معنى (أهضم الكشحين): تعبير يقصد به أنه له قوام جميل
الجسم والهيئة.
-
معنى (فعانته): أي أصابته بالعين أي بالحسد.
- والحديث الذي أشار إليه بن عبد البر في أن النبي
أمر بالنشرة للمعين أي للذي أصابته العين .. مثل حديث سهل بن حنيف السابق ذكره
والذي جاء فيه (العين حق).
- والقصة التي أشار الإمام بن عبد البر عليها والتي
حدثت مع الصحابي سعد بن أبي وقاص .. قد ذكرها الإمام عبد الملك بن حبيب
(المتوفى:238 هـ) .. فقال: (أن سعد بن أبي وقاص خرج يوما بالعراق في ثوبين، وهو أميرها
يومئذ، فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم هذا .... إلى آخر الرواية التي ذكرها بن عبد البر) (راجع مختصر في الطب - العلاج بالأغذية والأعشاب في بلاد
المغرب ص111) .. ولم أجد لهذه القصة إسناد .. وإنما هي مجرد خبر يشهد له ما
فعله النبي مع الصحابي سهل بن حنيف الذي ذكرنا قصته قبل قليل.
===========
#- سادسا: جاء في بعض آثار التابعين ما يؤيد مشروعية العلاج بالنُّشرة.
1-
الدليل الأول:
-
جاء في (أثر تابعي صحيح) .. عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: (سَأَلْتُهُ عَنِ النُّشَرِ؟
فَأَمَرَنِي بِهَا .. قُلْتُ: أَرْوِيهَا عَنْكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ) رواه ابن
أبي شيبة .. (قلت
خالد صاحب الرسالة): الأثر صحيح.
#-
وفي لفظ آخر: عن محمد أبو جعفر
المصيصي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: (سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنِ النَّشْرَة ..
فَأَمَرَنِي بِهَا .. قَالَ: قُلْتُ: أُحَدِّثُ بِهَا مَنْ عِنْدَنَا عَنْكَ ..
قَالَ: نَعَمْ) رواه أبو جعفر محمد بن سليمان في
مخطوطة لوين المصيصي برقم 13..، (قلت خالد
صاحب الرسالة): الأثر صحيح.
#-
وفي لفظ آخر: عن حفص بن عمر
"الأزدي" ، قال : حدثنا هشام "الدستواني" ، عن قتادة: عن سعيد بن المسيب: (في الرجل يؤخذ عن امرأته .. فيلتمس من يداويه .. قال: إنما
نهى الله عما يضر ، ولم ينه عما ينفع) رواه بن
عبد البر في التمهيد عن أبي بكر الأثرم..، (قلت
خالد صاحب الرسالة): الأثر صحيح.
- ملحوظة: هذه الرواية فيها لفظ (يؤخذ عن)
مكتوب بلفظ (يؤخر من) وهذا خطأ كتابي منشور في بعض النسخ .. والصح هو بالذال وليس
بالراء ولفظ (من) هو (عن).
- قوله (الرجل يؤخذ عن امرأته): هو ما يسمى بسحر التأخيذ أو الربط او الحبس
أو المنع عن ممارسة الرجل لفحولته مع زوجته .. ويصبح كأنه عاجز جنسيا عن ممارسة
فحولته مع أي امرأة في العموم .. وهو أحد أنواع سحر التفرقة بين المرء وزوجه ..
وهذا هو السحر الذي سأل عنه قتادة لسعيد بن المسيب.
-
وأحيانا يكون السحر من فعل الزوجة نفسها .. بمنع زوجها عن ممارسة فحولته مع
أي زوجات غيرها مهما تزوج .. فيكون كالعاجز جنسيا إلا معها هي فقط .. وهذا السحر
أسوأ حالا من سابقه ولابد فيه من وجود دماء من الزوجة يتم وضعها على ورقة أثناء
تلاوة العزيمة السحرية والمقصد هو أن صاحبة هذا الدم هي الوحيدة المسموح لها بأن
يجامعها زوجها ..، والتي تفعل ذلك هي زوجة مفسدة ومؤذية لأنها تفسد زوجها في حياته
وتخرب عليه قواه الجسدية والنفسية ..، وهذا السحر هو أيضا نوع من أنواع سحر
التفرقة ولكن قد يسميه البعض بسحر كيد النساء .. لأنه تفعله الضرائر لبعضهن.
#-
وفي لفظ آخر: عن قَتَادَةُ قال: قُلْتُ
لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: (رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ .. أَوْ: يُؤَخَّذُ عَنِ
امْرَأَتِهِ .. أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ ؟ قَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ ..
إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلاَحَ .. فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَلَمْ
يُنْهَ عَنْهُ) رواه البخاري " معلقا بدون إسناد"
.. (قلت خالد صاحب الرسالة): قد ذكرت له إسناده في
الروايتين السابقتين.
@- من معاني الكلمات:
-
قوله (به طب – أو يؤخذ عن امرأته): أي به إصابة من سحر سببت له ربط
عن جماع زوجته ..، وكلمة (طب) هنا بمعناها الخاص وهو السحر ..
وليس بمعناها العام وهو الوجع .. بدلالة ما جاء بعد ذلك من قوله (يؤخذ عن امرأته) كتوضيح للمقصد من كلمة (طب) أنه سحر التأخيذ أو الربط أو
المنع من ممارسة العلاقة الزوجية.
-
قوله (أيحل عنه أو ينشر له): أي نبحث له عن حل بالنشرة.
-
قوله (لا بأس): اي لا مانع في ذلك .. إنما
المقصد من وراء الفعل طالما الإصلاح فهو خير طالما ليس فيه ما هو محرم فعله أو
قوله .. وما فيه نفع للناس فلم ينه عنه النبي إذ قال: (مَنِ استَطاعَ مِنكُم أن يَنفَعَ
أخاه فليَفعَلْ) صحيح مسلم.
@- وقال الإمام بن حجر العسقلاني رحمه الله
(المتوفى:852 هـ) عن النُّشرة حين شرح أثر التابعي سعيد بن المسيب:
-
(النُّشرة) بالضم .. وهي ضرب من العلاج
يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن .. قيل لها ذلك لأنه يكشف بها عنه ما
خالطه من الداء ..، ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في حديث جابر عند مسلم
مرفوعا (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) .. ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث (العين حق) في قصة اغتسال
العائن. (فتح الباري ج 10 ص 233 – مختصرا).
@-
التعريف بالإمام
(سعيد بن المَسَيَّب): هو تابعي من كبار التابعين
في المدينة المنورة (15 هـ - 94 هـ) ..، المُلقّب بعالم أهل المدينة ..، وبسيد التابعين
في زمانه .. وأحد رواة الحديث النبوي .. وأحد فقهاء المدينة السبعة من التابعين ..،
وتتلمذ على يد جماعة من الصحابة فسمع عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت،
وأبا موسى الأشعري، وجابر بن
عبد الله، وأبا هريرة، وابن عباس، والسيدة عائشة وسمع من صاحبة غيرهم .. وقيل
: إنه سمع من عمر.
2- الدليل الثاني:
- جاء في (أثر صحيح) .. عن ابن وهب (وهو محمد بن عبد الله بن وهب بن مسلم -
تلميذ الإمام مالك) قال: أخبرني محمد بن عمرو عن ابن
جريج قال: (سألت عطاء بن أبي رباح عن النشرة
فكره نشرة الأطباء وقال لا أدري ما يصنعون فيها .. وأما شيء تصنعه أنت فلا بأس به) رواه بن عبد البر في
كتابه (التمهيد لما
في الموطأ من المعاني ج6 ص245).. (قلت خالد صاحب الرسالة) الأثر حسن .. رجاله ثقات ما عدا محمد بن عمرو اليافعي وهو صدوق ..، وفيه عبد الرحمن هو (عبد الرحمن بن يحيى القرطبي) ،
وعلي هو (عبد الرحمن بن يحيى القرطبي) ،
وأحمد هو (أحمد بن الحسن الصباحي) ،
وسحنون هو (عبد السلام بن سعيد بن حبيب) ، وابن وهب هو (عبد الله بن وهب بن مسلم) ، ومحمد بن عمرو هو (اليافعي) ..، وابن جريج هو (عبد
الملك بن عبد العزيز بن جريج) ، وعطاء بن أبي رباح من التابعين.
#- ومعنى
كلام (عطاء بن أبي رباح): أنه يكره
نشرة الأطباء أي الذين يتزينون بكونهم أطباء من السحر وهم سحرة يزعمون فك السحر
وإبطاله .. فكان يحرم التعامل معهم .. وقد قال الإمام عبد الملك بن حبيب (المتوفى: 238 هـ): "وسئل عنها عطا بن أبي رباح فكره
نشر الأطباء وقال: إنهم يعقدون فيها العقد". (راجع مختصر في الطب - العلاج بالأغذية والأعشاب في بلاد
المغرب ص112) ..، فافهم كلام العلماء بصورة صحيحة حتى لا ينحرف عقلك بفهم
الخطأ ..!!
- أما النشرة التي كان
يصنعها ابن جريج .. فهو كان لا يكره فيها شيئا .. لأنه يعرف كيفية فعلها .. وليس
فيها مخالفة شرعية ولا فيها محرمات. (فافهم كلام العلماء وانتبه لمقصدهم).
@-
والتعريف بالإمام (عطاء بن أبي رباح): هو تابعي من كبار التابعين (27 هـ - 114 هـ) .. وكان إمام ومفتي الحرم المكي
.. وأحد كبار علماء التابعين وفقهاء الإسلام في القرنين الأول والثاني الهجري .. وسمع
كثير من الصحابة مثل عبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، والسيدة
عائشة .. وغيرهم من الصحابة كثير.
3- الدليل الثالث:
- جاء في (أثر حسن) .. قال بن وهب (تلميذ الإمام مالك): وأخبرني يحيى بن أيوب أنه سمع يحيى بن سعيد يقول:
(ليس
بالنشرة التي يجمع فيها من الشجر والطيب ويغتسل به الإنسان .. بأس) رواه بن عبد البر في
كتابه (التمهيد لما
في الموطأ من المعاني ج6 ص245) .. (قلت خالد صاحب الرسالة) الأثر حسن
.. رجاله ثقات ما
عدا (يحيى بن أيوب الغافقي) وهو صدوق.
@- معنى كلام التابعي (يحيى بن سعيد): أنه (ليس
بأس) .. أي لا يوجد حرج .. أي لا يوجد مانع من النشرة التي تجمع بين النبات والطيب
كالعطور والزيوت الطبيعية وخلطها بالماء والإغتسال بها.
@- والتعريف بالإمام (يحيى بن سعيد الأنصاري): هو تابعي من أواسط التابعين (71 هـ - 143
هـ) وهو عالم المدينة وشيخها في زمنه وكان
تلميذ الفقهاء السبعة بالمدينة الذي منهم سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن
الزبير، وسليمان بن يسار ... وقد
سمع من الصحابي أنس بن مالك
رضي الله عنه .. وصاحبه في سفره إلى الشام ..، وقد روى عنه أكثر من ستين حديثاً.
4- الدليل الرابع:
-
جاء في (أثر
صحيح) .. "قال عبد الرزاق الصنعاني": وَالنُّشْرَةُ الْعَرَبِيَّةُ: "أَنْ يَخْرُجَ الْإِنْسَانُ فِي مَوْضِعِ عِضَاهٍ (أي مكان به شجر فيه شوك
مثل شجر السدر والتفاح)، فَيَأْخُذَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ كُلِّ ثَمَرٍ (أي يقصد الورق أو الثمرة النابتة بين الورق) يَدُقُّهُ وَيَقْرَأُ فِيهِ .. ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِهِ".
-
وَفِي كُتُبِ وَهْبٍ: (أَنْ تُؤْخَذَ سَبْعُ وَرَقَاتٍ
مِنْ سِدْرٍ أَخْضَرَ فَيَدُقَّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ .. ثُمَّ يَضْرِبَهُ فِي
الْمَاءِ (أي يخلطه في الماء) .. وَيَقْرَأَ فِيهِ آيَةَ
الْكُرْسِيِّ .. وَذَوَاتَ قُلْ (أي يقرأ المعوذات الثلاثة التي
تبدأ بكلمة "قل" وهي سور "الإخلاص والفلق والناس")، ثُمَّ يَحْسُو مِنْهُ ثَلَاثَ
حَسَوَاتٍ (أي يشرب منه ثلاث رشفات مثل كوب يشرب منه على ثلاث مرات).. وَيَغْتَسِلَ بِهِ (أي يغتسل بباقي المياه) .. فَإِنَّهُ يُذْهِبُ عَنْهُ
كُلَّ مَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .. وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ إِذَا حُبِسَ
مِنْ أَهْلِهِ) رواه معمر بن راشد في جامعه وعنه عبد الرزاق الصنعاني.
-
معنى (حبس من أهله): أي حدث له سحر الربط أو الثقاف
وكانه أصبح عاجز جنسيا عن معاشرة زوجته.
@- (قلت خالد صاحب الرسالة): الجزء الخاص بوهب بن منبه هو أثر صحيح السند باعتبار أن عبد الرزاق هو من
قرأ في كتب وهب بن منبه ونقل عنها وإلا فالأثر ضعيف ..، "وما بين الأقواس باللون الأحمر من
شرحي على ألفاظ الأثر".
-
وهذه الطريقة التي تم حكايتها عن وهب بن منبه .. قد ذكرها الإمام القرطبي عن
الإمام بن بطال وكتبها في تفسيره (تفسير القرطبي ج2 ص49) .. ونقلها عنه الإمام بن كثير في تفسيره
(تفسير بن كثير ج1
ص372)..، ولم يعترض أحد من علماء التفسير القرآني ممن قرأت لهم ووجدتهم
نقلوا طريقة وهب بن منبه في تفسيراتهم وكذلك ممن نقلوا هذه الطريقة في كتبهم
لتفسير الأحاديث كالإمام أبو الحسن بن بطال في كتابه (شرح صحيح البخاري ج9 ص446) ..،
وكالإمام بن حجر في كتابه (فتح
الباري ج10 ص233).
#-
التعريف ببعض العلماء المذكورة أسمائهم:
-
وهب بن منبه: هو من أواسط التابعين (36 - 116 هـ) ولد في خلافة عثمان
بن عفان .. وهو كان موسوعة إخبارية عن أحوال الأمم .. فهو من المهتمين بأخبار
السابقين والقراءة في كتب أهل الكتاب وأي كتب كانت تحكي عن الأمم السابقة .. ،
وروى عن جابر بن عبد الله
وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري .. وغيرهم من
الصحابة.
-
عبد الرزاق بن همام الصنعاني: هو من صغار أتباع التابعين (126 - 211 هـ) ..
وهو من حفاظ الحديث الثقات وقابل كثير من التابعين ونقل عنهم .. وله مصنف كبير في
الحديث والآثار وهو مصنف عبد الرزاق.
-
والله أعلم.
@- خد بالك أخي الحبيب من أمر مهم فيما سبق نقله من
التابعين:
-
فالإمام سعيد بن المسيب ، والإمام يحيى بن سعيد ، والإمام عطاء بن أبي رباح،
والإمام وهب بن منبه .. قد ذكرتهم على وجه
الخصوص لحكمة معينة خلاف أقوالهم ككبار أهل العلم من السلف .. وإنما لتعرف أن جميعهم
سمعوا من الصحابي جابر بن عبد الله وبعضهم سمع من الصحابي أنس بن مالك .. وأخذوا
عنهم العلم .. وهذا سيفيدنا بعد ذلك فيمن قال أن كل النشرة هي سحر ويستدل بخطأ ومغالطة
خطيرة بروايات عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله في النشرة للدلالة على أنها سحر ..!!
=============
#- سابعا: نشرات أو مجربات لبعض تابعي التابعين ومن تابعهم وقد أجاز هذه المجربات
أكابر العلماء واستحسنوها فذكروها في كتبهم كنشرة نافعة.
1- الدليل الأول:
- الإمام بن أبي حاتم رحمه الله (المتوفى: 327هـ) في تفسيره:
- قد ذكر خبرا لنُشرة مجربة بالقرآن مع
الماء .. عن الليث بن أبي سليم وهو
من تابعي التابعين (توفى:148 هـ).
- إذ جاء في (أثر مقبول السند) عن الليث بن أبي سليم أنه قال: (بَلَغَنِي أَنَّ هَؤُلاءِ
الآيَاتِ شِفَاءٌ مِنَ السِّحْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ .. تُقْرَأُ فِي إِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ يُصَبُّ عَلَى
رَأْسِ الْمَسْحُورِ.
- الآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ يُونُسَ: (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ
إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
(81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) يونس:81-82.
- وَالآيَةَ الأُخْرَى: (فَوَقَعَ
الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إِلَى
انْتِهَاءِ أَرْبَعِ آيَاتٍ .. (أي يقصد –
والله أعلم هكذا: (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا
هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ
(120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) الأعراف:118-122.
- وَقَوْلُهُ: (إِنَّمَا
صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) طه:69) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره .. (قلت خالد صاحب الرسالة) الأثر مقبول سندا لأنه
فيه أبو جعفر الرازي وهو مختلفا عليه في حفظه .. ولكن في مثل هذه الروايات مجرد
أخبار عن صالحين وليس تشريع ديني ..، وإنما أحقق هذه الآثار للتحقق من نسبة هذه
الأقوال لأصحابها فقط لا غير وليس لكونها حجة دينية.
#- معنى أن هذه النشرة المجربة قد نقلها الإمام بن أبي حاتم كتبها في تفسيره
... ثم نقلها عنه الإمام بن كثير في تفسيره .. (راجع تفسير بن كثير ج4 ص287) .. فهذا كان قرينة
من كلام أكابر العلماء على اختلاف أزمانهم ومذاهبهم .. أن المجربات بالنشرة
القرآنية لا مانع منها .. وإلا لكان ظهر في كلامهم إنكارا لها أو كراهة عند نقلها في
كتبهم .. والله أعلم.
2- الدليل الثاني:
-
الإمام أبو عبد
الله أحمد بن محمد بن حنبل رحمهما الله يحكي عن أبيه الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى241 هـ) فقال:
-
رَأَيت أبي يكتب التعاويذ للذي يفزع .. وللحُمَّى لأهله وقراباته .. ويكتب
للمرأة اذا عسر عليها الْولادة في جام اَو شيء نظيف.. ويكتب حديث ابن عباس .. إلَّا
انه كَان يفعل ذلك عند وقُوع البلاء .. ولم أره يفعل هذا قبل وقوع البلاء .. ورأيته يعوذ فِي الماء ويشربه الْمريض
ويصب على رأسه منه.
(مسائل الإمام أحمد
رواية ابنه عبد الله ص 477 مسألة رقم 1622).
-
معنى (التعاويذ): أي كان الإمام أحمد بن حنبل يكتب الرقيات بكلام
الله وأسماءه لمن كان يفزع ولعلاج الحمى ولمن تعسرت ولادتها.
-
ومعنى (جام أو شيء نظيف): أي وعاء أو شيء طاهر كالورق.
-
والمقصود من قوله (يكتب حديث بن عباس): وهو ما جاء عن ابن عباس أنه كان
يكتب للتي تعسر عليها ولادتها الآتي: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ
الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا
سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ) الأحقاف 35، (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ
يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) النازعات 46).
3-
الدليل الثالث:
@- يقول الإمام بن حجر رحمه الله أنه وقف عن وصفة للنشرة فيحكي قائلا:
-
وقفت على صفة النشرة في كتاب الطب النبوي لجعفر المستغفري قال: (وجدت
في خط نصوح بن واصل على ظهر جزء من تفسير قتيبة بن أحمد البخاري قال: قال قتادة
لسعيد بن المسيب: (رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له أن ينشر قال
لا بأس إنما يريد به الإصلاح فأما ما ينفع فلم ينه عنه) .
-
قال نصوح: فسألني حماد بن شاكر ما الحل وما النشرة ؟ فلم أعرفهما.
-
فقال "أي حماد بن شاكر": هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة
أهله وأطاق ما سواها .. فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان (أي حزمة حطب) .. وفأسا ذا قطارين (أي يأتي بفأسا كالذي يستخدم في
الزراعة ويأخذ حديدة الفأس) .. ويضعه في وسط تلك الحزمة (أي حزمة الحطب) .. ثم يؤجج نارا في تلك الحزمة
(أي يشعل نارا في حزمة الحطب) حتى إذا ما حمي الفأس (أي أصبحت قطعة الحديد شديدة
الإحمرار) .. استخرجه من النار (أي استخرج قطعة حديدة الفأس من
الناس ووضعها جانبا) .. وبال على حره (أي تبول على سخونة هذه الحديدة
الشديدة الإحمرار) .. فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.
-
وأما النشرة: فإنه يجمع أيام الربيع (أي في وقت بداية ظهور الورد في
فصل الربيع) .. ما قدر عليه من ورد المفازة (أي ورد الصحراء النابت من
الطبيعة) .. وورد البساتين (أي الورد الذي ظهر نتيجة زراعة
الناس) .. ثم يلقيها في إناء نظيف (أي يضع الورد الذي جمعه في
إناء نظيف) .. ويجعل فيهما ماء عذبا .. ثم يغلي ذلك الورد في
الماء غليا يسيرا .. ثم يمهل (أي يتركها فترة) .. حتى إذا فتر الماء (أي أصبح بلا سخونة) .. أفاضه عليه (أي سكب هذا الماء عليه) .. فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.
-
قال حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام.
-
قلت " أي الإمام بن حجر": وحاشد هذا من رواة
الصحيح عن البخاري. (فتح
الباري ج 10 ص 233 - 234).
@- قلت (خالد صاحب الرسالة تعقيبا على ما نقله الإمام بن حجر من النشرة:
1-
ما بين الأقواس باللون الأحمر من شرحي على ألفاظ الأثر الذي حكاه الإمام
بن حجر وليس من كلام بن حجر.. فانتبه.
2-
الإمام حمّاد بْن شاكر بْن سَوِيّة - أبو محمد النَّسَفيّ
(المتوفى: 311 هـ) .. الذي ذكر عنه الإمام بن حجر هذه الطريقة
نقلا من كتاب "الطب النبوي لجعفر المستغفري" .. والإمام حماد بن شاكر قد
روى "الصّحيح" عَنِ الْبُخَارِيّ .. ، وروى عَنْ محمد بن عيسى
التِّرْمِذيّ. (راجع
تاريخ الإسلام ج 7 ص 239 ترجمة رقم 22).
3-
الإمام بن حجر نقل طريقتين في حل المربوط عن زوجته عن كتاب الطب
للمستغفري طريقتين لحل المعقود للإمام (حماد بن شاكر) وهما:
-
الطريقة الأولى: من خلال البول على الفأس .. وهي الطريقة الأسرع في حل
المربوط.
-
الطريقة الثانية: من خلال جمع الورد من مختلف المناطق سواء
المزروعة باليد أم النابته من الصحراء .. ويأخذ قدر كافي منهم ويتركهم على النار
الهادئة في ماء عذب .. حتى يسخن الماء .. ويأخذ الماء من الورد عصارته .. ثم يصفي
الماء ويستحم به.
@-
ملحوظة هامة على ما ذكره الإمام بن
حجر:
-
يوجد فتوى ينشرها البعض على الإنترنت .. للزعم بأن ما ذكره الإمام بن حجر
عن الإمام (حماد بن شاكر) هو من طرق السحر .. وهذا كلام غير صحيح وباطل وفيه
مغالطة جسيمة لمن قال بهذه الفتوى .. ونسأل الله له الهداية والتوفيق للحق.
-
وقد رددت على هذه الفتوى الشاذة والغير صحيحة بالتفصيل في اثنى عشر بندا .. في
رسالتي البحثية/ (طرق العلاجات الربانية للإصابات النفسية والعضوية والروحانية من الكتاب والسنة النبوية) عند الفصل الحادي والأربعون .. تحت
عنوان: (فتوى
غير صحيحة وبلا دليل في منع طريقة البول على الفأس الحامية والتي ذكرها الإمام بن حجر
في كتابه فتح الباري- فتوى شاذة وغير معقولة).
4- الدليل الرابع:
-
قال الإمام بن حجر
العسقلاني رحمه الله (المتوفى:852 هـ):
-
وممن صرح بجواز النشرة: "المزني صاحب الشافعي" ..
"وأبو جعفر الطبري" .. وغيرهما. (فتح الباري ج 10 ص 233 – مختصرا).
- قلت (خالد صاحب الرسالة) .. وقد صرح بالنشرة من الصحابة السيدة عائشة وما جاء عن سعد بن أبي وقاص – ومن التابعين الإمام سعيد بن المسيب – وعطاء بن أبي رباح – ووهب بن منبه – ويحيى بن سعيد – ومن تابعي التابعين الليث بن أبي سليم وأحمد بن حنبل والمزني صاحب الشافعي والطبري والخطابي وحماد بن شاكر – ولم ينكر ذلك بن كثير والقرطبي وابن أبي حاتم وابن القيم وبن حجر .. وخلق كثير يصعب الآن حصرهم وإن كان ما سبق هو ما يحضرني فذكرتهم.
*********************
#- وخلاصة القول أخي الحبيب في كل ما سبق:
1-
لفظ النٌّشرة .. يقال في طريقة علاج تستخدم لعلاج شخصا مصاب
بأذى روحاني من المس أو السحر .. أي طريقة لصرف أو لطرد أو لتفرقة الأذى عن
جسم المصاب بمس من الجن أو بإصابة من السحر أو الحسد.
-
وهذه الطريقة أساسا مرتبطة باستخدام الطبيعيات كالماء والملح والتراب
والزيوت الطبيعية وما شابه ذلك .. ويتم تركيب ذلك بوضعه في ماء .. (سواء تم
القراءة على هذا الماء أم لم يقرأ عليه شيء من القرآن والذكر) .. ثم يتم صبه على
الشخص المصاب .. فتكون النُّشرة سببا لتفريق الأذى الروحاني عن هذا المصاب.
- ولكن تستخدم النُّشرة أيضا في التخفيف عن الأعراض العضوية .. كما
سبق وتبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدمها في مرض موته.
-
ولفظ النُّشرة عند العرب قديما .. مرتبط في طلب علاجا لمن يصيبه أذى روحاني من
مس جن أو إصابة سحر أو لمة حسد .. وفي أزمنة أخرى بعد زمن النبي والصحابة تم تسمية
النُّشرة بالمجربات واستمر الحال هكذا حتى في زماننا هذا توصف بالمجربات.
2-
وجدنا في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه استخدم النشرة العلاجية لنفسه
ولغيره.
-
وفي العموم يوجد شرطين عند النبي في استخدام العلاجات .. أن لا يكون فيها شرك
وأن يكون العلاجات فيها نفع للناس.
3-
وجدنا أن بعض أكابر الصحابة استخدموا النشرة العلاجية لنفسهم ولغيرهم كالسيدة
عائشة.
4-
وجدنا في الآثار المنقولة إلينا عن بعض السلف من أكابر التابعين الذين تتلمذوا
على يد الصحابة .. وكذلك وجدنا تابعي التابعين والعلماء من بعدهم .. أنهم
أجازوا استخدام النشرة أو العلاج بالمجربات .. لعلاج من به سحر أو مس أو حسد .. ولكن بشرطين:
-
الأول: أن لا يكون في هذه الطريقة في كلها أو بعضها
أي مخالفة للدين ويمنع الدين استخدامها مثل التداوي بحرام كالخمر ، أو بفعل حرام
كالزنا، أو لمس النساء أو ما شابه.
-
الثاني: يكون فيها نفع يظهر له أثر واقعي بالمعافاة
التامة لمن يستخدمها .. ولذلك كان المجربات التي ينشرها العلماء في كتبهم ثبت
نجاحها في الواقع وظهرت نتيجتها حال فعلها بالمعافاة.
#-
واعلم أخي
الحبيب أن الأدلة التي ذكرتها لك .. ما هي إلا جزء من رسالة بحثية أحاول أن
أجمع فيها النُّشُر أو المجربات التي استخدمها السلف من الصحابة والتابعين
وتابعيهم .. وأرجو من الله التوفيق في جمعها ونشرها قريبا إن شاء الله.
-
هذا والله أعلم.
**********************
..:: س158: ما أدلة بعض العلماء الذين قالوا أن النُّشرة حرام لأنها من عمل الشيطان ؟ ::..
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
-
من الأدلة التي أشار إليها بعض العلماء للدلالة على أن فعل النُّشرة حرام لأنها من
عمل الشيطان .. فقد استدلوا بالآتي:
1- الدليل الأول: (حديث نبوي).
-
جاء في (حديث
محتمل صحته) .. عن عَقِيلُ بْنُ مَعْقِلٍ قَالَ سَمِعْتُ وَهْبَ
بْنَ مُنَبِّهٍ يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّشْرَةِ، فَقَالَ: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) رواه أحمد وغيره .. وقال محققو
المسد: إسناده صحيح..، وقد
أشار لإعلال هذا الحديث .. الإمام مقبل الوادعي رحمه الله في كتابه "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" .. عند الحديث
رقم (88) ج1 ص94.
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة): هذا التصحيح من محققي المسند فيه نظر .. وأجد في الرواية علتان:
-
العلة الأولى: قال الإمام العلائي رحمه الله (المتوفى: 761
هـ) قال في ترجمة "وهب بن منبه" نقلا عن الإمام يحيى بن معين أنه قال عن
وهب بن منبه ما هو لفظه: لم يلق "جابر بن عبد الله" .. إنما هو كتاب ..
وقال في موضع آخر هو صحيفة ليست بشيء. (جامع التحصيل ج ص ترجمة رقم 862).
- وقد أشار لإعلال هذا الحديث .. الإمام مقبل الوادعي رحمه الله
في كتابه "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" .. عند الحديث رقم (88) ج 1 ص 94
.. واستدل بكلام الإمام العلائي السابق ذكره.
#-
العلة الثانية: هو أن رفع الحديث للنبي هو غير صحيح .. بل هو أثر موقوف
على رأي الصحابي جابر بن عبد الله ودليل ذلك هو ما جاء في (أثر موقوف صحيح) .. عن
عَقِيلُ بن مَعْقِلٍ، عَن هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: (سُئِلَ جَابِرُ بن عَبدِ اللهِ
عَنِ النَّشْرِ، فَقَالَ: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ..
موقوفا على كلام الصحابي جابر بن عبد الله .. وليس مرفوعا للنبي.
-
فالراوي (عقيل بن معقل) .. مرة رواه موقوفا على طريق همام بن منبه ..
ومرة رواه مرفوعا من طريق وهب بن منبه .. وستلاحظ تعارض بين سند الروايتين ..
أحدهما مرفوعة منسوبة لقول النبي والرواية الأخرى موقوفة منسوبة لقول الصحابي
وبنفس الألفاظ .. والموقوف أظهر وأصح خاصة بما ذكره العلائي عن يحيى بن معين في أن
وهب بن منبه لم يلقى الصحابي جابر بن عبد الله .. وما جاء في سند الرواية المرفوعة
من أن وهب بن منبه يحدث عن جابر .. فهذا التحديث هو وهم من عقيل بن معقل أو عمن
قبله في السند .. والله أعلم.
@- ولكن ممكن أن يؤكد صحة الحديث السابق بالحديث التالي ..
#-
جاء في (حديث
صحيح) .. عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: (سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ
عَنِ النُّشْرَةِ .. فَقَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ .. أَنَّهَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) رواه الحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث
صحيح .. ووافقه الذهبي فقال: صحيح .. (قلت خالد صاحب
الرسالة): وهو خبر صحيح.
2-
الدليل الثاني: (رأي
تابعي).
-
جاء في (أثر
حسن) .. عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: (سَمِعْتُ الْحَسَنَ .. وَسُئِلَ
عَنِ النُّشَرِ .. فَقَالَ: سِحْرٌ) رواه بن أبي شيبه .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر حسن لأن الحكم بن عطية وإن
كان مختلف عليه في ضعفه وتوثيقه إلا أن الرواية هنا عمن قابله وسمعه وأخذ منه
العلم وهو الحسن البصري .. وليس حديث نبوي..
-
وكلام التابعي الحسن البصري ليس حجة شرعية .. وإنما رأي اجتهادي وظن منه
رحمه الله.
-
وفي الإجمال يمكن القول أن حديث جابر بن عبد الله صحيح بحديث
أنس بن مالك .. علما بأن غالب علماء الدين على أن هذا الحديث يتعلق
بنُشرة الجاهلية.
#- أولا: في شرح حديث النشرة (من عمل الشيطان) هكذا قال العلماء في نهي النبي عن النُّشرة..
أ-
قال الإمام أبو
العباس القرطبي رحمه الله (المتوفى 656 هـ):
-
قال بعض علمائنا: هذا محمول على أنها خارجة عمَّا في كتاب
الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. وعن المداواة المعروفة .. والنُّشرة
من جنس الطب.
-
قلت: ويتأيَّد هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا بَأْسَ بالرُّقَى ما لَمْ
يَكُنْ فيه شِرْكٌ) رواه مسلم .. ، و (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُم أَنْ
يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ) رواه مسلم. (المفهم لما أشكل من تلخيص
كتاب مسلم ج 1 ص 590 - مع توضيح أن آخر حديثين رواهما مسلم وهما حديثين صحيحين).
ب- قال بن القيم رحمه الله (المتوفى: 751 هـ) في حديث (النشرة من عمل الشيطان):
-
وَالنَّشْرَةُ: حل السحر عن المسحور .. وهي نوعان:
-
الأول: حل سحر بسحر مثله .. وهو الذي من عمل الشيطان .. فإن
السحر من عمل فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب .. فيبطل عمله عن المسحور.
-
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة ..
فهذا جائز .. بل مستحب. (إعلام
الموقعين ج 4 ص 301).
ج- قال الإمام بن رسلان الرملي رحمه الله (المتوفى: 844 هـ):
-
النشرة التي قال فيها: (إنها من عمل الشيطان) .. إنما أراد بها النوع الذي كان
أهل الجاهلية يعالجون به ويعتقدون أنه يشفيهم من مرضهم. (شرح سنن أبي داوود ج 15 ص 569).
د-
قال الإمام بن
حجر العسقلاني رحمه الله (المتوفى: 852 هـ):
-
يجاب عن الحديث والأثر بأن قوله (النشرة من عمل الشيطان) إشارة إلى أصلها .. ويختلف الحكم
بالقصد .. فمن قصد بها خيرا كان خيرا .. وإلا فهو شر. (فتح الباري ج10 ص233).
هـ قلت (خالد صاحب الرسالة) في معنى الحديث عن النشرة (من عمل الشيطان):
-
معنى
أن النشرة (من عمل الشيطان): أي تزيينا وتحريضا على فعلها .. أو أن هذه
النشرة من يفعلها فهو يفعل عملا من أعمال الشيطان فيه شر وضلال وانحراف أي فعلها
مخالف للدين.
- وفي زماننا هذا تم تسمية النُّشرة بالمجربات .
-
ومقصد الحديث بلا أدنى شك هو الكلام عن النشرة المحرمة التي فيها عصيان لله .. لأنه قد
سمح بالنشرة مع الصحابي سهل بن حنيف ولم ينكر على السيدة عائشة لما أشارت عليه
بالنشرة فكان ذلك دليلا على أن النشرة منها ما هو حلال ومباح وجائز فعله.
#- ثانيا: قلت (خالد صاحب الرسالة)
تعقيبا على أدلة من قال أن النشرة حرام وهي من عمل الشيطان.
1-
الذين زعموا أن النشرة حرام بموجب هذا الحديث .. لم يقولوا ما هي هذه النشرة التي تم
تحريمها ؟!! أي ما هي كيفيتها ؟!!
-
إذ أن الحكم على أي نشرة بأنها حرام .. فهذا كالذي يقول أن القتل كله
حرام .. وهذا باطل لأن هناك قتل مباح في الجهاد وهناك قتل محرم بغير حق .. وهذا له
توصيف وذاك لك توصيف .. وبالتالي يقال: ما هو توصيف النشرة التي تزعمون تحريمها
على افتراض صحة الحديث ؟!!
-
فإذا لم تأتوا بتوصيف هذه النشرة فحكمكم باطل على أن كل النشرة حرام ..
إذ أن الحكم على الشيء فرعا عن تصوره .. فما هو تصوركم عن النشرة التي نهى النبي
عنها حتى تعمموا الحكم على كل أنواع النشرة بأنها حرام أو توصيف أي نشرة بأنها من
أفعال السحرة ؟!!
-
فإن لم يكن لكم دليل على توصيف هذه النشرة .. فحكمك باطل.. وهذا لا
يختلف عليه اثنين من العقلاء ..!!
2- من يزعم أن النبي صلى الله عليه
وسلم نهى عن النُّشرة المباحة .. فهو يكذب ما جاء عن النبي .. إذ أن النبي أجازها
للصحابة ولنفسه .. والذين أجازوا النشرة قد ذكروا لها طرقا وأساليب وتوصيف لفعلها
.. وذكروا لها ضوابط أيضا .. وكل ذلك أخذوه من أحاديث النبي وفعل الصحابة
والتابعين .. أما أنتم فمجرد الوهم الذي لا قدرة لكم على توصيفه فحرمتم ما أحل
الله .. فعجبا ..!!
-
فالفتوى بأن النُّشْرة كلها حرام .. هذه فتوى من عمل الشيطان .. لأن من يقول
بهذه الفتوى فهو يكذب ما جاء عن النبي والصحابة والتابعين وعلماء المسلمين على
مختلف أزمنتهم .. وجزاءه عند ربه فيما أفتى به.
3-
بل ولا يمكن ولا يعقل ولا يمكن تصديق أن تكون النشرة كلها من الشر أو من الأمور
الشيطانية .. لأن (جابر بن عبد الله - وأنس بن مالك) هما الصحابيان الذين أتى من
خلالهما حديث النهي عن النشرة لأنها من عمل الشيطان .. والتابعين الذين جالسوا
هذين الصحابيان ولازموهما ملازمة تامة في الأخذ عنهم .. قد أجازوا النشرة ما لم
يكن بمحرم من القول أو الفعل وفيها نفع للناس .. ولو كانت النشرة كلها من الشيطان
لكان التابعين فهموا ذلك من الصحابة الذين رووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم
.. ولكن التابعين الذين لازموا الذين رووا حديث النشرة من عمل الشيطان هم أنفسهم
الذين أجازوا العمل بالنشرة بالأمور المباحة والتي فيها نفع للناس .. فكيف يقال أو
يعقل أن المقصود بأن النشرة كلها من الشيطان ؟!!
@-
وراجع ما ذكرناه من كلام التابعين مثل الإمام سعيد بن المسيب – وعطاء بن
أبي رباح – ويحيى بن سعيد – ووهب بن منبه .. فهؤلاء جالسوا جابر بن عبد الله ما
عدا يحيى بن سعيد لازما أنس بن مالك ملازمة تامة حتى في سفره للشام.
-
وهؤلاء أكابر التابعين من جالسوا الصحابة الذين رووا حديث النهي عن النشرة .. وهم
من أجازوا النشرة المباحة ووصفوها بشروطها ..!! وهذا معناه أنهم على علم كامل بأن
النُّشرة منها الحرام والحلال.
-
فهل هؤلاء التابعين جهلاء ؟!!
-
حاشاهم .. بل المفتي بالباطل هو الجاهل .. لأن فتواه من الشيطان .. إذ جمع الحرام
بالحلال وحرَّم الجميع بل ولم يصف لنا ما هو وصف هذه النشرة التي حرمها ..!! وهذا بلا
ريب فتوى من عمل الشيطان.
4- أما عن كلام التابعي الحسن البصري .. فهو لم يشرح لنا ما هي النُّشرة التي هي
سحر .. ولكن كلامه واضح لذي فهم أن النُّشرة هي سحر .. وبالتالي طالما هي سحر
ففاعل النشرة هو ساحر .. فكان مقصد الحسن البصري من النشرة السحر .. هي النشرة
التي يقوم الساحر بفعلها لأنها ستكون في الغالب سحر .. فكان التداوي بالحرام هو
حرام.
-
ولو انتبهنا لكلام الحسن البصري .. أنه وصف النشرة بكونها سحر .. لأنه يقينا
يفعلها ساحر .. ولا حاجة لتأويل ذلك .. إذ أن هذا ظاهر للعقل .. فهو لم يقصد نشرة
غيرها بل نشرة الساحر.
@-
ولا يمكن لذي فهم أن
يصدق أن الحسن البصري يقصد أن كل النشرة هي سحر أو حرام .. ليه ؟
أ-
لأنه لو أراد أن النشرة كلها هي نوع من السحر .. فهذا غير معقول أصلا
ولا يمكن قبوله .. لأن النشرة حسب من قال من هو أعلم منه هي طريقة علاج قد تكون
هذه الطريقة مباحة أو محرمة .. وهذا يتوقف على وصف هذه الطريقة.. فضلا عن أن اللغة
تنكر عليه ذلك .. فليس في اللغة ما يقول أن النشرة هي سحر .!!
-
ففرق بين أن يقال أن الدواء معناه الأذى .. وبين أن يقال أن الدواء منه ما قد يؤذي ..
فافهم.
ب-
بل ومن يظن من كلام
الحسن البصري أن النُّشرة هي سحر بمعنى كل أنواع النُّشرة هو سحر ..
فهذا كلام باطل وساقط جدا .. لأن فيه اتهام بالباطل لكلام السيدة عائشة بأنها
أرشدت النبي لفعل السحر لما قالت للنبي (هلا تنشرت)
.. وفيه اتهام لما بالباطل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الصحابي سهل بن
حنيف الذي أصيب بالعين وعالجه بوضوء من أصابه بالعين .. بل وفيه اتهام بالباطل للصحاة
والتابعين الذي أقروا فعل النُّشرة الحلال والمباحة وفيها نفع للناس .. وفيه اتعام
بالباطل لعلماء اللغة بكونهم جهلة إذ لم يقل أحد أن النشرة هي السحر بل طريقة علاج
.. وفيه اتهام لعلماء الدين المسلمين ووصفهم بالجهالة اتفاقا بينهم على مر الأزمنة
.. لأن عامة علماء المسلمين على أن النشرة منها ما هو حلال ومنها ما هو حرام ..!!
ج-
بل وكلام
التابعي الحسن البصري يتفق مع كلام أكابر التابعين .. كيف ذلك ؟
-
لأن الصحابي (أنس بن مالك) الذي روى عنه الحسن البصري حديث أن النشرة
قيل عنها أنها من عمل الشيطان .. هو نفس الصحابي الذي لازمه التابعي يحيى بن سعيد
الأنصاري ملازمة تامة .. وقد أجاز يحيى بن سعيد النُّشرة إلا أنه وصفها بما هو
مباح وفيه نفع للناس.
-
فلا يمكن لتابعين لازموا نفس الصحابي (أنس بن مالك) .. وأحدهما يقول برأي
عكس الآخر لأن كلاهما أكيد سمع نفس الحديث من الصحابي وفهم المقصد.
- والحقيقة هي: أن الحسن البصري شرح النشرة التي هي حرام
والتي هي سحر ولا يفعلها إلا ساحر ..، ويحيى بن سعيد تكلم النشرة المباحة التي تصح
لو كانت بما هو مباح وفيه نفع للناس.
- وبذلك يستقيم كافة كلام علماء
المسلمين .. في أن النشرة منها ما هو حرام .. ومنها ما هو حلال ..
والحرام هو ما يكون فعله عند الساحر .. والمباح هو ما يكون مباح القول والفعل وفيه
نفع للناس.
-
ولذلك قول الحسن البصري .. بلا ريب كان يقصد به النشرة التي يقوم بها
السحرة لمن يذهبون إليهم .. إذ لا يعقل خلاف ذلك المقصد كما سبق وأوضحت.
#- وخلاصة القول أخي الحبيب:
1-
حديث نهي النبي عن النُّشرة التي سُئل عنها .. الظاهر من
الحديث أنها كانت نُشرة معلومة للنبي وللحاضرين معه فأنكرها الجميع .. وهي نُشرة
السحر التي فسرها التابعي الحسن البصري .. ويندرج معها كل ما يشابهها مما فيه
عصيان لله.
2-
وببداهة العقل يقال: أنه طالما النبي وصف النُّشرة .. بكونها نشرة شيطانية ..
فإن النشرة التي فيها مخالفة وعصيان لله .. وهذا لا يحتاج لنباهة عقلية ليتم فهم
ذلك .. فكانت النُشرة التي فيها عصيان لله بالقول أو الفعل هي من عمل الشيطان .. وهذا هو قانون التحريم النبوي في
هذه المسألة أن تكون من عمل الشيطان أي فيها عصيان لله بالقول أو الفعل أو
كلاهما وعدم نفع للناس .. سواء كانت هذه النُّشرة من خلال ساحر أو غير ساحر.
3- ويتضح مما سبق أخي الحبيب .. أن النشرة ليس معناها السحر .. وإنما النشرة
كطرق علاجية قد يكون منها طريقة ما هو حق وباطل .. فالحق يكون بعلاج حلال ومباح
وجائز .. ومنها ما هو ما يكون بطريق باطل أي حرام لو ذهب الإنسان لساحر ليقدم له
سحرا وهو يزعم أن السحر يبطل السحر.. أو نشرة حرام بما فيها من أقوال وأفعال وليس
فيها نفع للناس ويتم سلب أموال الناس مقابل عدم النفع.
4-
ويتبين لك أخي الحبيب .. أهم نقطة في هذا الفصل كله .. وهو الكشف عن أن جميع علماء
المسلمين متفقين أن النشرة منها ما هو مباح وجائز ومنه ما هو حرام .. وأن
من عدم تحقيق العلم يترتب عليه خلافات بلا داعي لها .. وغالبا تأتي الإختلافات
بسبب قلة الفهم أو قلة العلم .. وليس لوجود اختلاف في الرأي حقيقي ..!!
5-
والنُّشرة كما
قال العلماء قد تكون بطريقة مباحة أو طريقة محرمة:
أ-
الوسيلة الأولى: قد تكون بوسيلة مباحة .. وليس فيها سبب شرعي يمنع استخدامها .. مثل استخدام
الاعشاب أو النباتات والطبيعيات كالملح والتراب والماء والزيوت الطبيعية في العلاج
أو استخدام أي طريقة .. ولكن شرط النُّشرة الحلال أو المباحة هي أن لا تكون مصحوبة
بكلام حرام أو فعل حرام بل وتكون نافعة للناس ولها أثر نفع يظهر .. (لأنه إن لم
تكن نافعة ولا يظهر لها أثر فلا يحق أخذ أجرة على ذلك لو كنت طالب أجر – وراجع كلام
الإمام بن عبد البر).
ب-
الوسيلة الثانية: قد تكون بوسيلة حرام أو مصحوبة بكلام حرام أو فعل حرام ..
وكأمثلة على ذلك .. مثل الذهاب لساحر لفعل سحر يبطل به السحر .. أو في زماننا هذا من
خلال خلط الماء بدماء مذبوحة لغير الله وصبها على رأس وجسم المدعي انه مصاب
روحانيا .. أو باستخدام مَنِي خرج من عملية زنا ويخلط بالماء ويتم بسحه على الجسم
مع كتابة طلاسم بالزعفران .. أو الكتابة على عورات وأفخاذ النساء وظهورهن وصدورهن بلون
الزعفران الأحمر أو بدم الأخوين (عشب يخرج لون أحمر) كما يفعل بعض السفلة من
المعالجين ويصبون مياه على أجسامهن بعد ذلك .. وغير ذلك من أعمال منكرة وملعونة
وظاهر فيها الفجور لكل ذي عقل أو له بقايا من العقل فلابد أن يحكم عليها بأنها من
أعمال أهل الفجور والكفر.
- هذا والله
أعلم.
-
والآن ننتقل للسؤال المهم وهو الذي بسببه تم كتابة كل هذا الفصل .. وهذا السؤال
هو: (هل يحوز الذهاب لساحر لحل السحر بالسحر ؟) .. أو يقال (هل يوجد رأي فقهي يقول
بجواز حل السحر بالسحر عند الساحر ؟) .. وبالله التوفيق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ادارة الموقع - ا/ خالد ابوعوف