بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة بحثية عن
السحر في القرآن والقصص النبوية
(الفصل السابع والثلاثون)
#- فهرس:
:: الفصل السابع والثلاثون ::
مسائل مختلفة حول عقوبة
الساحر عند علماء المسلمين من حيث كونه كافر أو مرتكب كبيرة ::
1- س127: ماذا قال العلماء في عقوبة الساحر المسلم الذي يفعل سحر
حقيقي بالضرر ليسبب معاناة أو موت لأحد من الناس ؟
- قول الإمام
بن المنذر رحمه الله.
- قول الإمام
بن قدامه رحمه الله.
- قول الإمام
بن حزم الأندلسي رحمه الله.
2- س128: كيف نظرت (خالد صاحب الرسالة) لأدلة العلماء الذين قالوا أن السحر الحقيقي هو كفر وفاعله كافر وعقوبته القتل ؟
============
الفصل السابع والثلاثون
============
..::
س127: ماذا قال العلماء في عقوبة الساحر المسلم الذي يفعل سحر حقيقي بالضرر
ليسبب معاناة أو موت لأحد من الناس ؟ ::..
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- العلماء اختلفوا في عقوبة الساحر المسلم الذي يسحر بسحر حقيقي
فيه ضرر وأذى .. فبعضهم قال بقتل الساحر مطلقا إن ثبت فعله للسحر وأن سحره يضر به
.. وبعضهم قال بعقوبة الساحر إن كان طريقة سحره ليس فيها كفر بالله وليس فيها قتل
لأحد .. ولكن إن كان سحره فيه ضرر أو أذى لبعض الجسم فيعاقب بقدر أذيته.
-
أو ببساطة نقول: أن العلماء اختلفوا في حكم المسلم الذي يسحر
بسحر حقيقي فيه ضرر .. هل هو كافر فيقتل .. أم عاصي مرتكب كبيرة فيعاقب بقدر أذيته
بالسحر ؟.
-
وقد اخترت من كلام بعض العلماء ما فيه
أقوال جامعة لآراء المذاهب التي تكلمت في حكم السحر والساحر .. وقمت بالتعليق على
بعض أقوال العلماء توضيحا لما قد يكون غامض أو غير مفهوم للقاريء .. وإليك ما ذكره
بعض العلماء جمعا بين آراء المذاهب في
مسألة حكم السحر والساحر.
=====
1- قال الإمام أبو بكر بن المنذر
رحمه الله (المتوفى: 319 هـ) – إمام مجتهد درس المذهب الشافعي ولكنه غير مقلد له
ويقف على الدليل الصحيح دون تعصب لمذهب:
-
اختلف أهل العلم في قتل الساحر الذي يسحر بكلام يكون كفراً.
-
فأوجبت طائفة عليه القتل .. روينا هذا القول عن عمر بن
الخطاب .. وابن عمر .. وحفصة رضي الله عنهم .. وجندب بن عبد الله رضي الله عنه ..
وقيس بن سعد.
-
وهذا مذهب عثمان بن عفان رضي الله عنه.
-
وبه قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، والنعمان.
-
وقد روينا عن عائشة رضي الله عنها أنها باعت ساحرة كانت سحرتها ..
باعتها وجعلت ثمنها في الرقاب.
#-
قال أبو بكر "بن المنذر": إذا أقر الرجل أنه يسحر بكلام
يكون ذلك الكلام كفراً: وجب قتله إن لم يتب.
-
لقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى
ثلاث: بكفر بعد إيمان).
-
وكذلك لو ثبت عليه به بيِّنَة .. ووصفت البينة كلاماً يكون كفراً ..، فإذا
أوجبنا قتله لما ذكرنا .. ثم تاب .. وجب قبول توبته.
#-
وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس بكفر .. لم يجز قتله.
#-
فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص .. اقتص منه إن كان عمد ذلك .. وإن
كان ذلك مما لا قصاص فيه .. ففيه دية ذلك العضو.
-
وقد روينا عمن ذكرنا من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم -
أنهم أمروا بقتل الساحر .. وأمرت عائشة رضي الله عنها ببيع التي سحرتها.
#-
وإذا اختلف أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم -
في المسألة وجب اتباع أشبههم قولاً بالكتاب والسنة.
-
وقد يجوز أن يكون السحر الذي أَمَرَ مَنْ أَمَرَ منهم بقتل الساحر
سحراً يكون كفراً ..
فيكون ذلك موافقاً لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
ويحتمل أن تكون عائشة أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفراً.
#-
فإن احتج محتجٌ بحديث جندب عن النبي- صلى الله عليه وسلم -
أنه قال: (حد الساحر ضربه بالسيف).
-
فلو صح هذا لاحتمل أنه يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره
كفراً.
-
فيكون ذلك موافقاً للأخبار التي جاءت عن النبي- صلى الله عليه وسلم
- أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) البخاري ومسلم.
-
وفي إسناد حديث جندب- هذا- مقالٌ .. لأن الذي رواه إسماعيل ابن مسلم،
وهو ضعيف عندهم، أحاديثه تدل على ذلك. (الإشراف على
مذاهب العلماء ج8 ص241-243).
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على ما ذكره الإمام بن المنذر رحمه
الله:
-
ما ذكره الإمام بن المنذر هو القول الذي أراه جامعا للآراء وفيه حكمة وضبط وتحقيق
مقبول جدا.
- وملخص كلامه: أن الساحر الذي يسحر ويثبت عليه تهمة السحر
.. ففيه أمور:
أ-
يتم التحقق من سحره إن كان سحره بما فيه كفر أم لا ..
-
فإن كان سحره بكفر فهو قد كفر ولكن يستتاب أي يتم تقويمه بطلب التوبة منه
في ترك السحر والعودة للإيمان .. ويستغفر ربه ..
ويقر أن ما كان يفعله هو منكرا وكفر .. فإن تاب فلا يقتل وإنما يعاقب بقدر
ما صدر عنه من أذى للناس وثبت ذلك ..
-
وإن كان سحره كفرا ولم يتب بل ويصر على استباحة فعل السحر فهو يقتل.
ب-
وإن كان الساحر قد قتل بسحره وأقر بذلك وتم التحقيق من ذلك ..
-
فالساحر يقتل قصاصا بسبب سحره إن لم يكن في سحره كفرا .. لأنه في حكم القاتل إذ قد
أقر بذلك وثبتت عليه البينة.
ج-
الحديث الذي أشار إليه الإمام بن المنذر في كلامه هو: ما جاء عن عبد اللَّه بن مسعود
رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ
مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ،
إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي،
وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) البخاري ومسلم.
-
(لا يحل دم امرئ): أي لا يباح قتله
-
(النفس بالنفس): أي يتم إهلاك نفس القاتل عمدا
كما أهلك نسفا عمدا بالقتل.
-
(الثيب الزاني): الثيب هو من سبق له زواج ذكرا
أم أنثى فيباح دمه إذا زنى.
-
(المفارق من الدين التارك للجماعة): أي المرتد وهو المبتعد عن الدين
كفرا وجحودا تاركا لجماعة المسلمين.
=======
2- قال
الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله المتوفى:620 هـ):
-
حد الساحر: القتل.
-
روي ذلك: عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد
الله، وجندب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز.
-
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
-
ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر .. وهو
قول ابن المنذر،
ورواية عن أحمد. (المغني ج9 ص30).
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على ما ذكره الإمام بن قدامه رحمه
الله:
- ما ذكره الإمام بن قدامه من أن حد الساحر هو القتل ..
فهذا باعتبار الرأي الذي يميل إليه وهو اختيار بعض الصحابة وبعض المذاهب ..
- ولكن في الحقيقة ليس في الشريعة
حد للساحر .. لأنه لا يوجد دليل قطعي الدلالة على وجود
هذا الحد في الشريعة الإسلامية سواء من القرآن أو من الحديث النبوي الصحيح ..
وإنما الساحر له عقوبة وقصاص .. وسيأتي بيان ذلك من كلام الإمام بن حزم .. وبعده
تعقيبي في سؤال منفرد ردا على أدلة من قال بكفر الساحر وقتله في العموم طالما هو
ساحر بغض النظر عن كون سحره فيه كفر أم ليس فيه كفر .. وسواء كان السحر هذا قتل به
أم لم يقتل به.
=======
3- قال الإمام بن
حزم الأندلسي رحمه الله (المتوفى:456 هـ):
#- اختلف الناس في السحر:
-
فقالت طائفة: يقتل الساحر ولا يستتاب - والسحر كفر - وهو قول مالك -
وقال أبو حنيفة: يقتل الساحر.
- وقال الشافعي وأصحابنا: إن كان الكلام الذي يسحر به كفرا
فالساحر مرتد .. وإن كان ليس كفرا فلا يقتل .. لأنه ليس كافرا. (المحلى بالآثار ج12 ص410).
@- ثم ذكر الإمام بن حزم من قالوا
بقتل الساحر لأنه كافر مطلقا دون تفرقة بين كون سحر فيه كفر أم ليس فيه كفر ..
وذكر آثارا عن بعض الصحابة والتابعين ..
- وكان من الصحابة الذين ذكر أن رأيهم كان
قتل الساحر هم: عمر بن الخطاب، وحفصة .. وعبد الله ابناه .. وعبيد الله
ابنه .. وعثمان .. وقيس بن ربيعة.
-
ومن التابعين: سالم بن عبد الله، وخالد بن المهاجر، وعمر بن عبد
العزيز، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. (المحلى بالآثار ج12 ص411).
#- ثم ذكر ابن
حزم من لم يقتلوا الساحر من الصحابة والتابعين.
- وكان ممن ذكرهم .. من الصحابة كانت السيدة عائشة لم تقتل جاريتها التي سحرتها .. وأن عثمان
كان أنكر قتل الجارية التي سحرت السيدة حفصة.
- ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز إذ لم يأمر بقتل عبدا
سحر جارية لتتبعه فحككم عليه بعقوبة دون قتل. (راجع المحلى بالآثار ج12 ص412).
– ثم بعد ذلك ناقش الإمام بن حزم أدلة من قالوا
بقتل الساحر سواء قتل بسحره أم لم يقتل وسواء كفر بسحره أم لم يكفر .. فكان من أدلة من أجاز قتل الساحر مطلقا.
1- دليل أن قول عمر بن الخطاب
أنه أمر بقتل كل ساحر وساحرة .. واعترض بن حزم على أنه إذا كان هذا حكم عمر ..
فكان حكم عائشة هو عدم قتل جاريتها التي صنعت لها سحرا وكانت تقصد به موتها ..
وقال بن حزم ما لفظه: "ما كان قوله أولى من قولها .. ولا قولها أولى من
قوله" ..، "فالواجب عند التنازع الرجوع إلى
ما افترض الله تعالى الرجوع إليه: من القرآن، والسنة - فسقط تعلقهم بعمر في
ذلك". (راجع المحلى بالآثار ج12
ص413).
2- وقال بن حزم: وأما حديث قيس بن سعيد أنه قتل
ساحرا؟ فقد يمكن أن يكون ذلك الساحر كافرا أضر بمسلم فقتله - وهكذا نقول.
-
وأيضا - فقد صح خلاف ذلك عن عائشة - رضي الله عنها -.
- فسقط تعلقهم بحديث قيس. (راجع المحلى
بالآثار ج12 ص413).
3- وقال بن حزم:
أما حديث حفصة وابن عمر .. فقد قلنا: إنه لا حجة في قول
أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. (راجع المحلى بالآثار ج12
ص413).
4- ثم ناقش الحديث المروي عن الحسن البصري عن النبي أنه قال: (حد
الساحر ضربه بالسيف) وأشار له كونه مرسل ضعيف ..، وقال بن حزم ما لفظه:
"خبر الحسن مرسلا، ولا حجة في مرسل - ولو صح لما كان لهم فيه متعلق أصلا، لأنه
إنما فيه حد الساحر: ضربه بالسيف، وليس فيه قتله، والضربة قد تخطئ فتجرح فقط، وقد تقتل - فهم قد خالفوا هذا الخبر .. وأوجبوا
قتله ولابد"!! ..
-
وكذلك أشار بن حزم للخبر المروي عن جندب بن عبد الله
بأنه قتل ساحرا .. وأشار لكونه خبرا ساقطا. (راجع المحلى بالآثار ج12 ص413).
5- ثم ناقش الإمام بن حزم أدلة من قالوا بكفر الساحر من
خلال القرآن ..
- قال الإمام بن حزم: فلم يبق إلا الآية - فوجب النظر
فيها، ففعلنا - بعون الله تعالى - وابتدأنا بأولها من قوله تعالى: (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس
السحر) البقرة:102.
-
وقولهم (يعلمون) بدل من (كفروا).
-
فنظرنا في ذلك - فوجدناه ليس كما ظنوا .. وأن قولهم هذا دعوى
بلا برهان، بل القول الظاهر هو أن الكلام تم عند قوله تعالى: (كفروا) البقرة:102 .. وكملت القصة،
وقامت بنفسها صحيحة تام (ولكن الشياطين كفروا) البقرة:102.
- ثم ابتدأ تعالى قصة أخرى مبتدأة وهو: (يعلمون الناس السحر) البقرة:102 ..، (فيعلمون) ابتداء كلام .. لا بدل.
-
ثم لو صح: أن (يعلمون) بدل من (كفروا) ولم يحتمل غير ذلك أصلا .. لما
كان لهم فيه حجة البتة .. لأن ذلك خبر من الله تعالى عن أن ذلك كان حكم الشياطين
بعد أيام سليمان - عليه السلام - وذلك شريعة لا تلزمنا .. وحكم الله تعالى في
الشياطين حكم خارج من حكمنا .. وكل حكم لم يكن في شريعتنا فلا يلزمنا.
- بل قد صح: أن حكم (الجن) اليوم في شريعتنا غير حكمنا، كما
قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أباح لهم الروث والعظام طعاما والروث
حرام عندنا وحلال لهم .. فكيف وإذا احتمل ظاهر الآية معنيين .. فلا يجوز حملها على
أحدهما دون الآخر، إلا ببرهان، وقد بينا أن كلا الوجهين لا حجة لهم فيه أصلا. (راجع المحلى بالآثار ج12
ص415-416).
6- وأيضا - فإن نص قولهم: (إن الشياطين كفروا بتعليم الناس
السحر) - وهم يزعمون: أن الملكين يعلمان الناس السحر
.. ولا يكفر الملكان عندهم بذلك .. فقد أقروا باختلاف حكم تعليم السحر .. وأنه
يكون كفرا .. ولا يكون كفرا بذلك .. فإذ قد قالوا ذلك .. فمن أين لهم: أن حكم
الساحر من الناس الكفر قياسا على الشياطين .. دون أن لا يكون كفرا قياسا على
الملكين ؟ فكيف والقياس كله باطل ؟
-
فصح أنه لا حجة لهم في تكفير الساحر من الناس .. بأن
الشياطين يكفرون بتعليمه ..، هذا لو صح لهم أن كفر الشياطين لم يكن إلا بتعليمهم
الناس السحر خاصة - وهذا لا يصح لهم أبدا..، بل قد كفروا قبل ذلك، فكان تعليمهم الناس
السحر ضلالا زائدا، ومعصية حادثة أخرى، وهذا هو مقتضى ظاهر الآية الذي لا يجوز أن
يحال عنه البتة، إلا بالدعوى العارية من البرهان - وبالله تعالى التوفيق. (راجع المحلى بالآثار ج12
ص416).
7- ثم قال بن حزم: ثم صرنا إلى قول الله تعالى: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما
نحن فتنة فلا تكفر) البقرة:102 .. فوجدناهم لا حجة
لهم فيه أصلا بوجه من الوجوه لأنه إنما في هذا الكلام النهي عن الكفر جملة .. ولم
يقولا: فلا تكفر بتعلمك السحر، ولا بعلمك السحر، هذا ما لا يفهم من الآية أصلا.
- وهكذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم
رقاب بعض) إنما هو نهي أن يكفروا ابتداء، وعن أن
يرتدوا فقط، لا أنهم بقتل بعضهم بعضا يكونون كفارا، وهذا بين لا خفاء به - وبالله
تعالى التوفيق.
-
وكل من أقحم في هذه الآية: أن قوله تعالى حاكيا عن القائلين: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) البقرة:102 .. أن مرادهما لا تكفر بتعلمك ما
نعلمك فقد كذب .. وزاد في القرآن ما ليس فيه وما لا دليل عليه أصلا. (راجع المحلى
بالآثار ج12 ص416-417).
8-
ثم قال بن
حزم: صرنا إلى قوله تعالى: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين
المرء وزوجه) البقرة:102 .. فوجدنا هذا أبعد من أن يكون
لهم فيه شبهة يموهون بها من كل ما سلف، لأنه لم يختلف أحد من أهل السنة في أن من
فرق بين امرأة وزوجها لا يكون كافرا بذلك ؟
-
بل قد وجدنا المالكيين، والحنفيين يفرقون بين المرء وزوجه بما لم
يأذن الله تعالى به قط، ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - كالشروط الفاسدة،
والتخيير، والتمليك والعنانة، وعدم النفقة. (راجع المحلى بالآثار ج12 ص417).
#-
ثم ذكر بن حزم فقال: وقد نجد النمام يفرق بين المرء
وزوجه فلا يكون بذلك كافرا، فمن أين وقع لهم أن يكفروا الساحر بذلك؟ فبطل تعلقهم
بهذا النص جملة.
-
وهكذا القول في قوله تعالى (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله
ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) البقرة:102 .. إذ ليس كل ما ضر
المرء يكون به كافرا .. بل يكون عاصيا لله تعالى .. لا كافرا ولا حلال الدم. (راجع المحلى بالآثار ج12
ص417-418).
9-
ثم قال بن
حزم: صرنا إلى قوله تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه) البقرة:102 .. إلى قوله تعالى:
(لو كانوا يعلمون) البقرة:102 .. فوجدناهم لا حجة
لهم في تكفير الساحر، ولا في إباحة دمه أصلا .. لأن هذه الصفة قد تكون في مسلم
بإجماعهم معنا .. كما روينا من طريق مسلم نا شيبان بن فروخ نا جرير بن حازم نا نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا
مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ) .
-
قال أبو محمد "بن حزم"- رحمه الله -: وهم لا يختلفون في أن لباس
الحرير ليس كفرا .. ولا يحل قتل لابسه .. فبطل تعلقهم بهذه الآية .. ولله الحمد. (راجع المحلى بالآثار ج12 ص418).
#-
ملحوظة: الحديث الذي ذكره بن حزم عن الحرير هو حديث
صحيح رواه بهذا اللفظ أبو يعلى الموصلي في مسنده برقم 5814 .. وأصل الحديث في صحيح
البخاري ومسلم..، وكلمة
(نا) اختصار لكلمة (حدثنا) ..
10-
ثم ختم الإمام بن حزم مناقشة قائلا:
-
فنظرنا أن يكون لهم في الآية متعلق أصلا، ولا في شيء من القرآن،
ولا من السنن الصحاح، ولا في السنن الواهية، ولا في إجماع، ولا في قول صاحب، ولا
في قياس، ولا نظر، ولا رأي سديد يصح، بل كل هذه الوجوه مبطلة لقولهم.
- فلما بطل قول من رأى أن يقتل الساحر جملة .. وقول من ادعى أن
السحر كفر بالجملة
.. وجب أن ننظر في القول الثالث .. فوجدنا الله تعالى يقول (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) النساء: 29 ..، وقال تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) التوبة:5 .. إلى قوله: (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) التوبة:5 ..، وَقَالَ
تَعَالَى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ) الأنعام:151 ..، قَالَ تَعَالَى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) النساء:93 الْآيَةُ..
-
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ
عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) .
@-
فصح بالقرآن والسنة: أن
كل مسلم فدمه حرام إلا بنص ثابت أو إجماع متيقن - فنظرنا هل نجد في السحر نصا
ثابتا بتبيان ما هو؟
-
فوجدنا من طريق
مسلم .. نا هارون بن سعيد الأيلي نا ابن وهب أخبرني سليمان
بن بلال عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ..
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ،
وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ
الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ
الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) .
-
فكان هذا بيانا جليا بأن
السحر ليس من الشرك .. ولكنه معصية موبقة كقتل النفس وشبهها .. فارتفع
الإشكال - ولله الحمد.
-
وصح أن السحر ليس كفرا .. وإذا
لم يكن كفرا فلا يحل قتل فاعله .. لأن رسول الله - صلى الله عليه وآله
وسلم - يقول (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد
إيمان، وزنى بعد إحصان، ونفس بنفس) .
-
فالساحر ليس كافرا كما بينا .. ولا قاتلا .. ولا زانيا محصنا .. ولا
جاء في قتله نص صحيح فيضاف إلى هذه الثلاث .. كما جاء في المحارب .. والمحدود في
الخمر ثلاث مرات.
-
فصح تحريم دمه بيقين لا إشكال فيه.
-
ووجدنا أيضا - من
طريق البخاري نا عبد الله بن محمد سمعت سفيان بن عيينة يقول: إن هشام بن
عروة حدثهم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سحر حتى يرى أنه يأتي
النساء ولا يأتيهن).
-
قال أبو محمد: فهذا خبر صحيح .. وقد عرَّف الله تعالى رسوله - صلى الله
عليه وسلم - من سحره، فلم يقتله.
(المحلى بالآثار ج12
ص420)
- إلى أن قال بن حزم: ولم يأت أمر صحيح بقتل الساحر ..
فبقي على تحريم الدم (المحلى
بالآثار ج12 ص421).
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على ما ذكره الإمام بن قدامه رحمه
الله:
@- معنى قول الإمام بن حزم (من رأى أن يقتل الساحر جملة .. وقول من ادعى أن
السحر كفر بالجملة): لفظ بالجملة يقصد به في
العموم دون تخصيص .. أي أن أصحاب الرأي في أن السحر بالجملة هو كفر (أي لا يوجد في
السحر الحقيقي ما هو كفر وما هو ليس بكفر بل كله كفر) وأن قتل الساحر بسحر حقيقي
(هو جائز طالما ثبت عليه تهمة السحر سواء قتل به أم لم يقتل به) .. والله أعلم
بمقصد الإمام.
@-
ومعنى قول الإمام بن حزم: (ولم يأت أمر صحيح بقتل الساحر
.. فبقي على تحريم الدم): أي أن الساحر لا حد له في
الشريعة ليقتل به كما يقول أصحاب الرأي بأن الشريعة وضعت حد لقتل الساحر .. فهذا
لا دليل عليه محقق في الشريعة وإنما أقوال فقهية واجتهادات في نصوص شرعية لا غير
ولا يوجد نص شرعي بقتل الساحر .. فكان حال الساحر كخال مرتكب الكبيرة .. إلا في
حالة واحدة ذكرها الإمام بن حزم في أول كلامه وهو أن الساحر يقتل حدا لو ارتد أي
كان سحره مخلوطا بكفر صريح وفيه شركا بالله واستباحة لفعل السحر مع علمه بأنه حرام
.. وهذا مذهب السادة الشافعية أيضا .. فاتفق المذهب الشافعي والظاهري الذي هو مذهب
الإمام بن حزم وأحد قولي الإمام أحمد. - والله أعلم.
@-
ملحوظة: المذهب الظاهري: هو من مذاهب أهل السنة
والجماعة مثل المذاهب الأربعة .. وينسب في نشأته إلى الإمام داود بن علي الظاهري
البغدادي رحمه الله وهو من علماء القرن الثالث الهجري (مولده 201 هـ - ووفاته 270
هـ) .. وكان في بداية فقهه متأثر بالمذهب الشافعي ثم استقل باجتهاده ووضع ضوابط
فقهيه خاصة بمنهجه الفقهي .. و(الظاهري) لقلب له وليس اسما .. وسمي بذلك لأخذه
بظاهر الكتاب والحديث النبوي الصحيح والإجماع المتقين من الصحابة .. وإعراضه عن
التأويل والرأي والقياس .. ولكن للأسف لم يتبقى من كتبه شيئا ..، ثم أتى مجدد هذا
المذهب بعد أكثر من مائة عام وهو الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم
الظاهري رحمه الله وهو من علماء القرن الخامس الهجري (مولده 384 هـ - ووفاته 465
هـ).. وكان شافعي المذهب إلا أنه انتقل بعد ذلك للمذهب الظاهري وحافظ على هذا
المذهب من خلال كتبه العلمية التي لازالت تملأ الدنيا.
=====
#- وخلاصة القول من كلام
العلماء:
1- جاء في الموسوعة الكويتية (مجموعة من علماء المسلمين):
-
ذهب الحنفية "وهو المذهب عند الحنابلة" .. إلى أن الساحر يكفر بفعله
سواء اعتقد تحريمه أم لا.
-
وذهب المالكية .. إلى تكفير الساحر بفعل السحر إن كان سحره
مشتملا على كفر، أو كان سحره مما يفرق بين الزوجين وثبت ذلك ببينة.
-
وذهب الشافعية "وهو ما اختاره ابن الهمام من الحنفية" .. إلى أن العمل بالسحر
حرام وليس بكفر من حيث الأصل .. وأن الساحر لا يكفر إلا في حالتين هما: أن يعتقد
ما هو كفر، أو أن يعتقد إباحة السحر ..، وأضاف ابن الهمام حالة ثالثة هي ما إذا
اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء. (الموسوعة الكويتية ج24 ص264-265 – مختصرا).
2-
جاء في موسوعة
الإجماع في الفقه الإسلامي (مجموعة من علماء المسلمين) - وبعد ذكر
أدلة من يجيز قتل الساحر ومن لا يجيز قتل الساحر .. فقال محرر هذا الجزء من
الموسوعة:
-
النتيجة: يظهر لي - واللَّه أعلم- أن
المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم .. لثبوت الخلاف فيه عن ابن حزم .. وهو
مروي عن عائشة رضي اللَّه عنها. (موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -
ج10 ص643 – كتب هذا الجزء في الموسوعة – دكتور عبد الله بن سعد بن عبد
العزيز المحارب).
3- وإذا شق عليك الأمر أخي الحبيب من
كلام العلماء .. فالخلاصة ببساطة:
أ- رأي يقول: أن السحر كفر والساحر كافر .. طالما ثبت أن الساحر يمارس
سحر الضرر. (بغض النظر قتل به أم لم يقتل).
ب- ورأي يقول: أن السحر ليس كفر إلا لو كان مصحوب بكفر .. والساحر ليس كافر إلا لو ثبت أن سحره
مصحوب بكفر .. أو هو مستبيح لسحر الضرر منكرا للقرآن ذمه لسحر الضرر .. أو قتل
بسحره.
-
هذا والله أعلم.
**********************
..:: س128: كيف نظرت (خالد صاحب الرسالة) لأدلة العلماء الذين قالوا أن السحر الحقيقي هو كفر وفاعله كافر وعقوبته القتل ؟ ::..
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- بعض العلماء الذين مذهبهم في السحر
الحقيقي أنه كفر وفاعله كافر طالما هو سحر حقيقي والساحر يضر به .. كان لهم أدلة
وقد ذكر أغلبها الإمام بن حزم الأندلسي ورد على هذه الأدلة .. ولكن لي وجهة نظر
(وإن لم أكن من العلماء) في الرد على هذه الأدلة بأسلوب مختلف عن أسلوب الإمام بن
حزم الأندلسي .. وستفهم مقصدي من خلال ما سأذكره لك .. وإليك بيان ذلك.
#- أولا: استدلال العلماء من القرآن على أن السحر الحقيقي هو كفر والساحر كافر.
- العلماء الذين قالوا بأن السحر كفر
وفاعله كافر ... أخذوا ذلك من الآية (102-103) من سورة البقرة .. ولكني وجدت من المهم بك
أخي الحبيب أن تقرأ ما قبل الآية (102) وهي من الآيات من الآية (99 حتى 103) ..
وذلك حتى تنتبه أن الآيات كانت تتكلم عن اليهود الذين في زمن النبي صلى الله عليه
وسلم .. وأن سبب الآيات هو جحود اليهود بالقرآن لأنه يخالف ما كتبه شياطينهم السلف
من علمائهم في توراتهم عن سليمان حينما سألوه عن سليمان فخالفهم القرآن في كل شيء
عن سليمان عليه السلام .. ولذلك أكتب لك الرؤية الكاملة للآيات حتى تنتبه .. إذ
قال تعالى: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ
وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ
فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
(101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو
الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ
كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا
نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ
اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ
اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) البقرة:99-103.
- وقال من
استدل بالآيتين السابقتين على كفر الساحر بالآتي:
1- أن الله نسب الكفر للشياطين لاتهامهم
سليمان أنه فعل السحر .. فلما قال تعالى (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) فلما نفى الله الكفر عن سليمان .. وأثبت ان
الشياطين هم الذين كفروا .. فقد تبين من وراء ذلك أن ما تم نسبته لسليمان كان تهمة
السحر .. وأن السحر كفر .. ولذلك الله نفى هذه التهمة عن سليمان لأنه كان نبيا من
الصالحين.
2- وقالوا أن قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ
مِنْ خَلَاقٍ) فيه دليل على أن فاعل السحر لا خلاق له أي لا
نصيب له من رحمة الله في الآخرة ومحروم من جنته لأنه استبدل دينه وباعه مقابل فعل
السحر.
3- وقالوا أن قوله على لسان الملكين: (إِنَّمَا
نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) .. فدل ذلك على أن
السحر كفر.
4- وقالوا أن قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) فيه دليل أنهم كانوا على حال الكفر وإلا ما
كان قال تعالى (لو كانوا آمنوا) .. فكان
في ذلك دليل على أنهم كفروا باستخدامهم السحر.
#- ما سبق هو ما وجته في أدلة أصحاب الرأي القائل أن السحر كفر
والساحر كافر .. ثم رأيت أنه يمكن لأصحاب الرأي القائل بان السحر كفر أن يستدلوا
بالآتي:
5- قال الله عن سحرة فرعون: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا
وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) طه:73.
- وفي ذلك دليل على السحرة آمنوا بربهم ليغفر لهم خطاياهم والتي
منها السحر وهذا لا يمنع من أن يكون السحر من جملة الكفر الذي أرادوا أن يتحرروا
منها حين إيمانهم بربهم.
6- قال تعالى: (َلَا
يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) طه: 69.
- وفي ذلك دليلا على كفرهم .. لأن نفي الفلاح في القرآن لم يأت إلا لمن كفر
بربه.
7- قال تعالى: (مَا
جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ
عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) يونس:81.
- في ذلك دليلا على أن السحر من الباطل .. وأنه من عمل المفسدين في الأرض
.. والمفسدين في الأرض في القرآن هو وصف كان من نصيب الكافرين كما قال تعالى عن
فرعون (إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) القصص:4.
8- واستدلوا ببعض الأحاديث النبوية .. بما يشير إلى أن السحر كفر وفاعله كافر.
9- واستدلوا ببعض الأخبار عن الصحابة والتابعين بما يشير إلى أن السحر كفر وفاعله كافر.
#- وما سبق من أدلة .. قد
ذكرتها على وجه الإجمال .. وأوضحت مقصد الدليل منها لمن كان من رأيه أن السحر كفر
وفاعله كافر وعقوبته القتل .. بل وقد أضفت بعض الأدلة القرآنية التي قد تكون دليلا
لمن يرى أن السحر كفر وفاعله كافر.
@- ولكن ما سبق من الأدلة القرآنية أو الأحاديث .. يمكن مناقشته في الردود التالية .. فكن منتبها ..
=====
@- مناقشة
الدليل الأول:
1- أن تفسير قوله تعالى (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ
وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السِّحْرَ) له تفسيران:
أ- التفسير
الأول: أن يتم تفسير الجملة كلها باعتبار أنها خبر واحد .. بمعنى: أن اليهود في
زمن النبي بعد أن جحدوا الإيمان بما جاء به في القرآن عن سليمان عليه السلام من
أنه نبيا وكان من الصالحين .. فلم يعجبهم ذلك واتبعوا سلفهم من شياطين اليهود
الذين كتبوا عن سليمان ما كتبوه من أنه ليس نبيا وقد استخدم السحر لتسخير الشياطين
في تثبيت ملكه .. ولكن الحقيقة ما كفر سليمان باستخدام السحر ولكن شياطين اليهود
من زمن سليمان بعد وفاته وما كتبوه عنه هم من كفروا بربهم إذ كانوا هم من يعلمون الناس
السحر.
- وعلى
هذا التفسير فممارسة السحر الحقيقي أو سحر الضرر هي كفر مهما كان نوع الأذى به
سواء ضرر بالخراب أو التفرقة بين الأحباب أو قتل.
#- ملحوظة
هامة جدا لأصحاب التفسير الأول:
- يمكن تأييد أصحاب هذا الرأي التفسيري الأول .. فأقول: أنه قد ثبت في بعض المخطوطات القديمة قبل زمن الإسلام كما جاء في التلمود البابلي (والتلمود هو
تفسيرات علماء اليهود) وقد حكوا قصة أن الشيطان أزموديوس قد سرق
خاتم سليمان السحري .. وأستولى على ملك سليمان. (راجع التلمود البابلي سفر Gittin جزء 68A-68B) .. علما بأن
هذا الجزء من التلمود الذي تم حكاية هذه القصة فيه قد تم كتابته تقريبا قبل ثلاثة قرون من ظهور
الإسلام.
- وكذلك جاء في بعض المخطوطات المنسوبة لبعض اليهود وهي مخطوطة (السفر السليماني أو وصية سليمان)
وجاء فيها أن سليمان كان يمارس سلطانه على الشياطين بخاتم سحري .. وحكت المخطوطة
عن شياطين كثيرة حكم عليها سليمان ..، وهذا الكتاب السليماني أو وصية سليمان .. ليس سفر مقدس عند اليهود والنصارى .. لا ..
وإنما يعتبروه هو سفر منحول أي مزور أو مكذوب على سليمان عليه السلام .. وليس
سليمان هو من كتبه. (راجع ما ذكرته موسوعة ويكيبيديا تحت عنوان "العهد السليمان أو وصية
سليمان")..، علما بأنه تم كتابة
هذا السفر السليماني .. في الفترة ما بين القرن الأول الميلادي والقرن الرابع الميلادي ..
حسب تقدير علماء المخطوطات.
- والشاهد من الإشارة لهذه المخطوطات هو ثبوت أن بعض اليهود كانوا
ينسبون لسليمان أنه يسخر الشياطين بخاتم سحري .. وأن هذا معتقد كان ساري في بعض
اليهود وذلك قبل ظهور الإسلام .. وليس الغرض من عرض هذه المخطوطات الإحتجاج بصحتها
.. لا .. وإنما دليلا على أن معتقد بعض اليهود فعلا في حق سليمان كان يزعمون أنه
يستخدم السحر في إدارة مملكته .. وهذا كان معتقد ساري في بعضهم قبل ظهور الإسلام.
(ويمكنك مراجعة رسلتي/ التوضيح
والبيان في معرفة قصة هاروت وماروت وما قامت الشياطين بتلاوته على ملك سليمان)
وستجد في هذه الرسالة ما لم يتم تدوينه من قبل في بحث إسلامي عن معتقدات اليهود في
سليمان عليه السلام .. وذلك من فضل الله بما أنعم به عليَّ في تحقيق العلم.
- فدل ما سبق على أن سياق الآية .. قد يكون المقصود به أنها
تتحدث عن أن اليهود كانوا نسبوا لسليمان أنه ساحر فبرأه الله من تهمة السحر ..
بدلالة ما سبق من المخطوطات التي تشير لذلك.
- وبذلك يصح الرأي التفسيري الذي قال: أن السحر
الحقيقي أو سحر الضرر هو كفر (مهما كانت طريقة فعله سواء بطرق كفر أم غير كفر) وفاعل
سحر الضرر هو كافر.
ب- التفسير
الثاني: لآية (وَاتَّبَعُوا
مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ
الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ..
- يتم تفسيرها كلها باعتبار أنها تتكلم عن خبرين وليس عن خبر
واحد .. بمعنى: أن
اليهود في زمن النبي بعد أن جحدوا الإيمان بما جاء به في القرآن عن سليمان عليه
السلام من أنه نبيا وكان من الصالحين .. فلم يعجبهم ذلك واتبعوا سلفهم من شياطين
اليهود الذين كتبوا عن سليمان ما كتبوه من أنه ليس نبيا وقد غضب عليه الرب
لأنه فعل أفعال أهل الكفر من بناء الأصنام وما شابه كما جاء في توراة اليهود التي
كتبوها بأيديهم .. ولكن الحقيقة هي أن شياطين اليهود هم من كفروا بسبب افترائهم
الكذب على الله بأنهم نسبوا إلى الله أنه قال بهذا الكلام عن سليمان ..، بل وكان
من جرائمهم أنهم كانوا يعلمون الناس السحر.
@- وعلى هذا
التفسير فممارسة السحر ليست بكفر .. وإنما هي نوع من الكبائر أو الخطايا المذمومة التي كان يمارسها اليهود .. ومعنى قولنا (ليس
السحر بكفر) فهذا باعتباره كعلم ولكن إن اختلط هذا العلم بعبادة الشياطين وإنكار
الله أو تعظيم الكواكب أو الإعتقاد في السحر بأنه يضر بذاته أو ما شابه .. فهذا
سحر كفر بلا خلاف بين جميع العلماء.
@- ملحوظة هامة جدا لأصحاب التفسير الثاني:
- يمكن تأييد هذا
الرأي التفسيري .. فأقول: أن ما قالته الشياطين على ملك سليمان .. سواء كان
المقصود شياطين الإنس أو شياطين الجن أو كلاهما (يوحي بعضهما لبعض) .. فكان مما
يتلوه على زمن سليمان ويخوضوا فيه هو أن سليمان عليه السلام لم يكن نبيا وإنما
مجرد ملك على بني إسرائيل .. وكان فعل أفعال الكفار حتى مال قلبه عن الرب وغضب
عليه الرب لأنه اتبع أهواء زوجاته فبنى الأصنام للآلهة التي طلبها منه زوجاته وسمح
بعبادة غير الله .. ومن هذه الأصنام ما كان يتم عنده ذبح الأطفال كقرابين تقدم
لهذا الصنم مثل صنم ملكوم وصنم كموش ..، بل وبنى صنما تمارس عنده الدعارة المقدسة
كنوع من العبادة وهو صنم عشتاروت وكان يخدمه عاهرات المعبد المقدسات اللاتي يمارسن
الدعارة مع المتعبدين للصنم .. وغير ذلك مما ذكروه في توراتهم التي كتبوها بأيديهم
عن سليمان عليه السلام .. ولازال هذا موجود حتى الآن في توراة اليهود .. حتى قالت
توراة اليهود ما لفظه عما اتهموا به سليمان : (4- وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ
سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى- وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ) ..، وكذلك قيل عن سليمان: (6- وَعَمِلَ
سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا
كَدَاوُدَ أَبِيهِ)
وكذلك قيل عن سليمان: (فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ
إِلهِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ 10- وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ
أَنْ لاَ يَتَّبعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ.11- فَقَالَ الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ:
مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ عِنْدَكَ، وَلَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي وَفَرَائِضِيَ الَّتِي
أَوْصَيْتُكَ بِهَا، فَإِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا
لِعَبْدِكَ). (راجع في
توراة اليهود "سفر الملوك الأول الإصحاح الحادي عشر "1-11").. أو (راجع
رسالتي البحثية عن قصة هاروت وماروت – عند الفصل الثاني – تحت عنوان: س6: ماذا
قالت توراة اليهود عن النبي سليمان عليه السلام ؟) .. ستجد فيها نص توراة
اليهود كاملا بالتفسير من مختصين.
- فكان المقصود بالكفر في الآية (لكن
الشياطين كفروا) هو أن شياطين اليهود بسبب كفروا بسبب ما حرفوه في
التوراة بما نسبوه بالكذب على سليمان عليه السلام من غضب الرب عليه وانه خالف
تعاليم الله ووصاياه وأنه بنى الأصنام اتباعا لزوجاته ليرضيهن .. ثم نسبوا فجور
وانحراف وفساد سليمان إلى أن هذا من كلام الله .. فجعلوا من هذا الكذب على الله في
حق سليمان هو كلاما مقدسا ليصبغوا هذا
الكلام بصبغة دينية مقدسة حتى يتقبلها الناس دون اعتراض وجعلوا هذا الكلام الذي كذبوه في توراتهم.
- فكانوا بذلك هم الكافرين وليس سليمان عليه السلام.
#- وجاء القرآن بلفظ (تتلوا) بلفظ الفعل المضارع للدلالة على استمراريته هذه التلاوة حتى تاريخ نزول القرآن الذي برأ سليمان مما نسبه اليهود إليه في زمن ملكه.
@- ولم تذكر توراة اليهود أي شيء عن ممارسة سليمان للسحر .. ولذلك قال تعالى (وَاتَّبَعُوا
مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) .. دون بيان لحقيقة ما قاموا بتلاوته .. حتى إذا قرأت في توراتهم
المقدسة وجدت ما قاموا بتلاوته على ملك سليمان في توراتهم المقدسة .. وهذا فعلا ما
افتروا به على ملك سليمان من أنه انحرف وارتد عن عبادة ربه تاركا فرائضه ووصاياه
حتى غضب عليه الرب. (والله أعلم).
#- إذن أخي
الحبيب بعد عرض التفسيران بحيادية يظهر لك الآتي:
- أن التعلق بتفسير دون تفسير هو تحكم في فرض الرأي ..
ولكن تظل الحقيقة ثابتة هنا حسب ما أرى .. وهي أن كلا الرأيان في استدلالهما بهذه
الآية (وَاتَّبَعُوا
مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) .. أراهما على حق .. فمن سلك مسلك التفسير الأول فهو على حق من أن ممارسة السحر
من الكفر وفاعله كافر .. ومن سلك التفسير الثاني فهو على حق وأن السحر ليست كفر
إلا من حيث ممارسته بما فيه من طرق كفرية .. ولا يحق لأحد الرأيان من التفسير أن
يجور على رأي الآخر. (هذا
ما أظنه - والله أعلم).
=====
@- مناقشة
الدليل الثاني:
2- عن قوله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) ..
أ- الرأي الأول كان استدل بذلك على أن فيه دليل على أن فاعل السحر لا خلاق له أي لا
نصيب له من رحمة الله في الآخرة ..، وجعل من هذه الآية دلالة على أن فاعل السحر
كافر.
ب- إلا أن الرأي الآخر القائل بأن السحر ليس بكفر وفاعله ليس كافرا
إلا بشروط .. فيمكن لهم الرد بأن جملة (لا
خلاق له في الآخرة) بمعنى لا نصيب له من رحمة الله في الآخرة بالعفو عن
هذه الكبيرة إلا بعد أن يستوفي حسابه كاملا بالعقوبة على ما فعله .. إذ ليس في الآية تصريح بالكفر ولا
الخلود في النار.
- وأقصى ما يقال أنه مغضوب على من يموت وظل حاله فعل السحر
بالناس دون توبة..، وقد يكون حاله الكفر لو كان مستبيحا للسحر ومستحلا له .. أو
يمارس السحر بعبادة الشيطان أو يعتقد في أن السحر يؤثر بذاته .. ولكن قد يكون
الساحر خلاف ما سبق فيكون حاله عقوبة الله له بكونه مرتكب كبيرة من الكبائر.
=======
@- مناقشة
الدليل الثالث:
3- عن قوله تعالى على لسان الملكين: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) ..
أ- الرأي الأول كان استدل بذلك على أن السحر كفر.
ب- فيمكن للرأي الثاني أن يقول أن قوله (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) لا علاقة لها بالسحر أصلا .. إذ أن الله جل شأنه لم يصرح
في الآية أن ما قام بتعليمه الملكين هو سحرا وإنما فيه فتنة .. والجهالة بالمقصود
من علم الملكين لا تعطيك الحق بالجزم يقينا أنه سحرا ولا أن تحكم على إنسان بالكفر
لمجرد ظن محتمل أنت تظنه. (هذا
رأيي وظني – والله أعلم).
- بل ولا ننسى أن كل الروايات المذكورة في كتب التفسير حول قصة هاروت وماروت .. وأنهما ملكين نزلا إلى الأرض ليعلما الناس السحر وقابلا امرأة وشربا معها الخمر وقتلا طفلا أو رجلا وزنيا بالمرأة .. فهي كلها روايات باطلة سندا ومتنا .. فضعيفة سندا ومقبوحة متنا .. وسبق تحقيق كافة هذه الروايات بالتفصيل الكامل في رسالتي (التوضيح والبيان في قصة هاروت وماروت وخاتم سليمان - وشرح آية واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) .. فارجع إليها لو أردت تحقيق كافة هذه الروايات تفصيليا سندا ومتنا بما لا تحظى به في بحث إسلامي من قبل حسب ما أظن.
=====
@- مناقشة
الدليل الرابع:
4- عن قوله تعالى عن اليهود: (وَلَوْ
أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا).
أ- الرأي الأول كان استدل بذلك على أن في ذلك دليلا على أنهم كانوا على حال الكفر وإلا ما كان قال تعالى (لو كانوا آمنوا) .. فكان في ذلك دليل على أنهم
كفروا باستخدامهم السحر.
ب- فيمكن للرأي الثاني الرد بأن المقصود بقوله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) لا علاقة له
بالسحر .. وإنما له علاقة بأن اليهود الذين في زمن النبي وما بعد زمن النبي .. لو
كانوا آمنوا واتقول ربهم فآمنوا بالقرآن ورسول الله .. لكان خيرا لهم من اتباع ما
حرفه شياطين اليهود في التوراة ونسبوه إلى الله وجعلوا منه كتاب مقدس. (هذا رأيي وظني – والله أعلم).
=====
@- مناقشة
الدليل الخامس:
5- قال تعالى عن سحرة فرعون: (إِنَّا
آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ
السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) طه:73.
- هذه آية لا يصح الإستدلال بها على أن السحر كفر .. وإنما يصح الإستدلال بها على أن السحر
حرام .. لأن إيمان السحرة إنما كان برب موسى وهارون .. وليس لأنهم كانوا كفروا بما
فعلوه من السحر .. ولو كان السحر من الكفر فلماذا جمع السحرة بين ذكر الخطايا وما
فعلوه من السحر إلا دليلا على أن السحر من جملة الخطايا .. إلا أنهم افردوا السحر
بالذكر خصيصا بعد كلمة الخطايا لأنه أبشع الخطايا.
- والله أعلم.
=====
@- مناقشة
الدليل السادس:
6-
قال تعالى سحرة فرعون: (َلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ
أَتَى) طه: 69..، وقال تعالى: (َلَا يُفْلِحُ
السَّاحِرُونَ) يونس:77.
- هذه آية لا يصح الإستدلال بها على أن السحر كفر .. إذ
أن عدم الفلاح ليس دليلا على الكفر .. وإنما دليلا على عدم توفيق الساحر لسحره .. وهذه
الآية يصح الإستدلال بها على أن السحر حرام فاعله ..
- وإذا كان في عموم القرآن نفي الفلاح لا يكون إلا للكافرين
مثل قوله تعالى (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ
لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الْكَافِرُونَ) المؤمنون:117.
.. إلا أن عدم فلاح الساحر ليس دليلا على أن السحر كفر وفاعله كافر .. وإنما هو قرينة أو إشارة محتملة من خلال تتبع
أوصاف الفلاح في القرآن .. ولكن ليس دليلا ولا يمكن أن تكون دليلا .. ليه ؟
- لأن نفي الفلاح عن الساحر في الآية إنما هو في فعل دنيوي
يفعله وهو السحر .. ونفي الفلاح في عموم القرآن للكافرين فهو باعتبار الآخرة ..
وفرق بين من لم يفلحه الله في فعل يسعى لفعله في الدنيا (وهذا يحدث للكافر
والمؤمن) .. وبين من لم يفلحه الله في كل سعيه في الآخرة لكفره بربه (وهذا لا يحدث
إلا للكافر).
- وبالتالي سقط قياس حال الساحر بفعله في الدنيا بحال الكافر بفعله
في الآخرة .. فرق كبير بين هذا وذاك.
- فهذه الآية لا
تثبت أن الساحر كافر .. وإنما تثبت أنه مرتكب فعل محرم وخطيئة كبيرة عليه ان يتوب
منها.
- والله أعلم.
========
@- مناقشة
الدليل السابع:
7- قال تعالى: (مَا جِئْتُمْ
بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ
الْمُفْسِدِينَ) يونس:81.
- هذه الآية لا دليل فيها على أن السحر كفر .. وإنما هو
عمل فاسد وفاعله مفسد .. وليس كل عمل فاسد وفاعله مفسد فهو كافر .. وإلا فكل مؤمن
كان في عمله فساد فهو كافر .. وهذا كلام باطل ولا يصح ولا يعقل من أساسه ..!!
- وكذلك ليس لأن الكلمة المفسدين أتت في القرآن منسوبة
كوصف لبعض الكافرين مثلما قيلت في فرعون (إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) القصص:4 ..،
إلا أن الفساد ليس دليل الكفر وإلا ما كانت الملائكة قالت عند خلق آدم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
الدِّمَاءَ) البقرة:30 ..، ولم تقل الملائكة "يفسد ويسفك ويكفر" .. فدل ذلك
على أن الفساد ليس بالضرورة أن يكون وصف للكافر .. وإنما هو وصف للمؤذي ثم قد يرتقي ليكون وصف
للكافر .. فانتبه .!!
- ولكن آية (السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) تدل على أن فعل السحر المؤذي هو حرام .. وأن فاعل السحر هو من المفسدين في الأرض .. ولكن هذا لا يثبت أن الساحر كافر .. وإنما مرتكب خطيئة كبيرة .
=====
@- مناقشة
الدليل الثامن وهي الأحاديث النبوية:
-
أصحاب الرأي القائل بأن السحر كفر وفاعله كافر .. قد استدلوا ببعض
الأحاديث التي تؤيد رأيهم .. في أن السحر كفر وفاعله كافر .. وهذه الاحاديث أغلبها
ذكرتها من قبل بتحقيق كامل لها بالتفصيل (فارجع في هذه
الرسالة إلى الفصل الرابع والعشرون – تحت عنوان (س94: ما هي الأحاديث الغير صحيحة المنسوبة للنبي التي
تكلمت عن السحر والسحرة وتعليم السحر وممارسته ؟).
@- وإنما هنا فقط أذكر الحديث والإشارة لكونه ضعيف فقط دون تحقيق لسبب
الضعف .. فمن تلك الاحاديث التي استدلوا بها:
1- جاء
في (حديث ضعيف)
.. يروى عَن إِسماعِيلَ بن مُسْلِمٍ، عَن الحَسَنِ، عَن
جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ: (حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ
بِالسَّيْفِ) رواه الطبراني في الكبير ورواه الترمذي
والحاكم ورواه البيهقي في السنن الكبرى وقال: (إِسماعِيل بن مسلم): ضعيف.. (انتهى كلام البيهقي)
..، (قلت خالد صاحب
الرسالة): الحديث ضعيف وسبق تحقيق هذا الحديث في هذه الرسالة .
#-
معنى (حد الساحر ضربة بالسيف): أي عقوبته هي الموت بالسيف..،
وطالما يضرب بالسيف .. فهذا معناه أنه ارتد عن دينه وكفر فيجب قتله.. (ولكن لا حجة
في الحديث لكونه ضعيف).
2- جاء في (حديث موضوع "مكذوب") .. عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي بَكْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَاحِرٍ فَقَالَ: (احْبِسُوهُ فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ
فَاقْتُلُوهُ) رواه عبد الرزاق في المصنف .. (قلت خالد صاحب الرسالة) الحديث
مكذوب .. وسبق تحقيق هذا الحديث في هذه الرسالة .
3- جاء
في (حديث ضعيف)
.. قيل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ
نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ .. وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ .. وَمَنْ
تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ) رواه النسائي والطبراني في الأوسط .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الحديث ضعيف وسبق
تحقيق هذا الحديث في هذه الرسالة .
4-
جاء في (حديث ضعيف)
.. قيل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ
أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ
سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ عَقَدَ عُقْدَةً - أَوْ قَالَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً - وَمَنْ
أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ .. فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رواه البزار ..، وقال الهيثمي:
رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة ..، (قلت خالد صاحب الرسالة): حديث ضعيف .. وسبق تحقيق هذا الحديث في هذه الرسالة .
5- جاء في (حديث ضعيف) .. عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ يَكُنَّ فِيهِ غُفر لَهُ مَا سِوَاهُ لِمَنْ
شَاءَ .. مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا .. وَلَمْ يَكُنْ سَاحِرًا
يَتَّبِعُ السَّحَرَةَ .. وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَى أَخِيهِ) رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الأوسط والكبير
.. (قلت خالد صاحب الرسالة): حديث ضعيف .. وسبق تحقيق هذا الحديث في هذه الرسالة .
6- جاء في (حديث موضوع "مكذوب") .. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ
أَنْعَمَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَعْلَانِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى .. وَفِي الْجَنَّةِ سَعَةٌ) رواه بن وهب في جامعه .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الحديث باطل .. وسبق تحقيق هذا الحديث في هذه الرسالة .
7- جاء في (حديث موضوع "مكذوب") .. عن إبراهيم عَن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ تَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ
السِّحْرِ قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا، كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ مِنَ اللهِ) رواه عبد الرزاق في المصنف .. (قلت خالد صاحب الرسالة) الحديث مكذوب.. وسبق تحقيق هذا الحديث في هذه
الرسالة .
8- (حديث ضعيف) .. عن الْفُضَيْلِ بن ميسرة، عَنْ
أَبِي حَرِيزٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَلَا
مُؤْمِنٌ بِسِحْرٍ، وَلَا قَاطِعٌ) رواه بن حبان ..
وقال الأرنؤوط: ضعيف .. وحسنه الألباني بشاهد له وليس لأن الحديث حسن في ذاته .. (قلت خالد صاحب الرسالة): هذا الحديث ضعيف
بسبب (أبي حريز) .. وسبق تحقيق هذا الحديث في الرسالة.
-
والحديث على افتراض صحته فمعناه: من مات وهو
مستحلا ومستبيحا لشرب الخمر .. ومعتقدا في تأثير السحر بذاته وليس بإذن الله .. ومتعمدا
قطع صلة الأرحام وهو مستحلا ومستبيحا لذلك لأنه معترضا على الله ورسوله في تحريم ذلك.
أو معترضا ومنكرا لأي من الأفعال الثلاثة عموما.
-
وليس في الحديث دليلا على أن السحر
كفر ولا أن فاعل السحر كافر .. وإنما الحديث يتكلم عن المعتقد في السحر كونه يؤثر
بذاته وليس بإذن الله .. وليس لمجرد الإيمان بوجود السحر .. لأن المؤمنين يؤمنون
بوجود السحر .. فانتبه. والله أعلم.
9- جاء في رواية (ظن البعض منها انها حديث نبوي
بالخطأ) .. وهذه الرواية قيلت عن الصحابي عبد الله بن
مسعود وقال فيها: (مَنْ أَتَى سَاحِرًا، أَوْ كَاهِنًا،
أَوْ عَرَّافًا، فَآمَنَ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رواه علي بن الجعد في
مسنده .. (قلت خالد صاحب الرسالة): السند
صحيح باعتبار أن هذا خبر صحابي وليس حديث نبوي كما ظن البعض وأخطأ في ذلك حين نقله
وكتابته للعلم.
- وخبر الصحابي اجتهاد منه وليس تشريع نبوي .. فضلا عن أن غالب ظني في هذه
الرواية أن لفظ (أو ساحر) مضافة لكلام بن مسعود بالخطأ من احد الرواة وليست من
كلام بن مسعود .. وسبق وناقشت ذلك بالتفصيل في هذه الرسالة .. (راجع الفصل الخامس والثلاثون من
هذه الرسالة عند السؤال: (س124: ماذا جاء من كلام بعض الصحابة
والتابعين وتابعيهم من الصالحين عن السحر والسحرة وعقوبة الساحر والعلاج من السحر
؟) .. والله أعلم.
#- وفي الحديث النبوي الصحيح لم يذكر
الساحر .. فقد قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا
فَصَدَّقَهُ فِيمَا يَقُولُ .. فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح
.. ووافقه الذهبي .. ، وذكره الألباني في صحيح الجامع .. ، وقال الأرنؤوط في تخريج
سنن بن ماجه بعد أن ذكر حديث الحاكم فقال: وإسناده صحيح، وصححه الحافظ العراقي في
"أماليه"، وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي" إسناده قوي.
نقله عنهما المناوي في "الفيض" .. (انتهى النقل عن الأرنؤوط).
- والعراف: هو الذي يزعم معرفة علم
الغيب .. من خلال النجوم أو بواسطة أدوات مثل أوراق التاروت والكوتشينه ولوح الويجا
وضرب الرمل وما شابه.
- والكاهن: هو الذي يزعم معرفة
الغيب .. من خلال تلقين الأرواح له.
10- وقد يخطر ببال البعض ممن يقول أن السحر كفر وفاعله كافر أن يستدل بالحديث التالي:
- إذ جاء في (حديث صحيح)
.. قال الصحابي عبد الله بن مسعود: (حَفِظْنَا
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتَّوْلِيَةَ
مِنَ الشِّرْكِ) رواه الحاكم برقم 7505 - وقال هذا حديث صحيح الإسناد
ووافقه الذهبي بانه صحيح ..، (قلت خالد صاحب
الرسالة): وهذا أصح سند لهذا الحديث وهو ما جاء من طريق "الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ
الْأَسَدِيِّ".. وقد ذكر محققو مسند أحمد هذه الرواية ولم يعقبوا
على تصحيح الحاكم والذهبي لهذه الرواية كإشارة إلى صحتها. (راجع تحقيقهم على رواية رقم
3615 في مسند احمد ج6 ص110-111).
#- ملحوظة: لفظ التولية هو نفس معنى التولة .. وهو يندرج
في عصرنا هذا تحت مسمى جلب الحبيب أو سحر التحبيب.
#- قال الإمام أبو القاسم الزمخشري رحمه الله (المتوفى:
538هـ):
- التولة: ضرب من السحر تُؤْخَذ بها المرأة زَوجهَا وتحبب إِلَيه
نَفسهَا. (الفائق في
غريب الحديث والأثر ج1 ص157).
- وهذا الحديث وإن كان يدل على أن سحر التولية من الشرك .. إلا أنه لا يدل
على أن كل أنواع السحر من الشرك .. فالحديث حينئذ حجة لمن يقول أن السحر
ليس كله كفر وإنما باعتبار طريقة فعل هذا السحر .. وإلا ما كان خصص النبي هذا
النوع من السحر تحديدا بكونه شرك ..!!
- فثبت بذلك أن سحر التحبيب أو جلب
الحبيب أو صنع المحبة أو التولة أو أيا ما كان وصفه في زماننا هذا أو سابقا أو
لاحقا .. إن فعل هذا السحر على وجه الخصوص هو من الشرك .. وفاعله قد أشرك بالله
وعليه تجديد إيمانه والتوبة وطلب الغفران من رب العالمين. والله أعلم.
@- ويتبين لك أخي الحبيب من الأحاديث النبوية السابقة أن أصحاب
الرأي الثاني المعترض على أدلة الراي الأول يمكن لهم القول بالآتي:
1- أن كل الأحاديث التي استدل بها من قالوا أن السحر كفر وفاعله
كافر .. لم يوفقوا في الإستدلال بها .. إذ أن كلها ضعيفة ولا يصح الإستدلال بها.
- (وأذكرك اخي الحبيب أن العلماء الذين استدلوا بهذه الأحاديث
لم يكونوا على علم بضعفها – لأن العلم بأحكام الاحاديث ظهر في وقت متأخر .. فانتبه
حتى لا تتهم العلماء بالباطل وتقول كيف يستدلون باحاديث مكذوبة .. لا .. فهم لم
يكونوا يعرفون).
2- والحديث الصحيح الوحيد الذي كان من الممكن أن يكون حجة لهم في أن السحر شرك
وكفر .. لا يعينهم في ذلك بل هو حجة عليهم لأن الحديث خصص نوع معين من السحر بأنه
شرك .. وهذا يقوي حجة الرأي الآخر الذي يقول أن السحر ليس كفرا إلا باعتبار طريقة
فعله أن يكون فيها كفرا.
3- بل في الحديث الصحيح ما يدل على أن
السحر ليس كفر طالما لم يصل لحد الشرك .. بدليل أن النبي ميز بين الشرك وبعض كبائر
الذنوب ومنهم السحر .. ودليل ذلك:
- جاء في (حديث صحيح) .. قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ
(أي المهلكات التي تسبب غضب الله عليك) .. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ: الشِّرْكُ
بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ،
وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ (أي الهروب من ساحة المعركة خوفا من الموت)، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ (أي
العفيفة الشريفة)) صحيح البخاري ومسلم وغيرهما.
- فلما كان الشرك بالله
هو أكبر المهلكات لأنه كفر بالله .. فقد علمنا أن ما بعد ذلك إنما هو
من كبائر الذنوب بدليل ما جاء بعد السحر من قتل النفس وأكل الربا وغير ذلك .. فدل
ذلك على أن السحر ليس إلا كبيرة من الكبائر وفعله حرام وليس كفرا إلا لو كان السحر
فيه شرك وكفر بالله وتعظيم للشياطين والكواكب .. أو فيه استباحة لفعل السحر .. أو يظن
الساحر أن له قدرة فوق قدرة الله بالسحر الذي يفعله .. أو ما شابه ذلك .. فهذا
الساحر حينئذ لا نصيب له في الآخرة إلا ببقائه في الجحيم لأنه يكون قد كفر.
- وهذا الحديث دليل على أن فعل
السحر هو كبيرة من الكبائر .. وفاعله قد ارتكب جريمة من أعظم الجرائم في حق الله.
#- ملحوظة: بهذا الحديث
استدل الشافعية ومن أخذ برأيهم .. على أن السحر كبيرة من الكبائر .. وفرقوا بين
السحر الذي هو كفر لو اختلط بكفر فكان صاحبه كافر .. وبين السحر الذي ليس فيه كفر
فهو ليس بكفر وصاحبه ليس كافر.
======
@- مناقشة
الدليل التاسع وهي أخبار الصحابة والتابعين:
- قد سبق مناقشة ما جاء عن الصحابة
والتابعين .. ولا حاجة لإعادته هنا مرة أخرى .. ويمكنك مراجعته أخبارهم في (الفصل الخامس
والثلاثون من هذه الرسالة عند السؤال: (س124: ماذا جاء من كلام بعض الصحابة
والتابعين وتابعيهم من الصالحين عن السحر والسحرة وعقوبة الساحر والعلاج من السحر
؟).
- ولكن لأصحاب الرأي
الثاني أن يقولوا بالتعليق على هذه الاخبار بالآتي:
- ما فعله بعض الصحابة بقتل الساحر
لكونه في حكم الكافر .. فهذا اجتهاد من بعضهم وليس كلهم .. إذ أن من
الصحابة من لم يقتل الساحر مثل السيدة عائشة .. ولو كان في المسألة نص قاطع علموه
من النبي بتكفير الساحر ووجوب قتله لكان أظهر ذلك من أجازوا قتل الساحر .. بل وما
كانت السيدة عائشة تركت جاريتها التي سحرتها دون قتلها لو كان في المسألة نص شرعي
يحكم المسألة .. ولقد كان عاتبها الصحابة في ذلك وراجعوها فيما فعلت وألزموها
بالنص الشرعي القاطع .. ولكن لما كان لا يوجد نص شرعي قطعي الدلالة في تكفير
الساحر وقتله .. فدل من وراء ذلك أن فعل الصحابة هو مسألة اجتهادية .. ولعل لكلا
من أصحاب الرأيان قد استدل بقول تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ
الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ولعل كل طائفة فهمت تفسيرا من الآية كما
ذكرت سابقا .. فكلا منهما أخذ برأي في التفسير حسب ما فهمه من كلام الله في قوله
تعالى (وَمَا
كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ). (هذا رأيي وما أظنه - والله أعلم).
@- وخلاصة القول أخي الحبيب:
1- تم
مناقشة كلام الفريق الذي قال بأن السحر كفر
وفاعله كافر .. ويظهر لي أن هذه الأدلة لم تكن أدلة نستطيع أن نجزم بها على أن
السحر هو كفر في كل أحواله أو الساحر كافر في كل أحواله .. إلا أنه لازالت لهم حجة
أراها قوية جدا في قوله تعالى (ما كفر سليمان ولكن
الشياطين كفروا) .. حيث من خلال هذه الآية يمكن الحكم على السحر
والسحرة بالكفر بتفسير أصحاب هذا الرأي .. بل وقد أثبت لهم رأيهم ودافعت عنه بقوة
من خلال أدلة ذكرتها لتأييد تفسيرهم لهذه الآية.
- ولكن هذا التفسير القوي .. يقف أمامه
أيضا تفسير قوي جدا لنفس الآية .. مما لا يجعل في أي منهما حجة ملزمة للآخر .. لأن
لكل من الرأيان حجة قوية جدا في التفسير .. وأصبح الرأيان في قوة عجيبة خاصة بعد
تأييد كل رأي بأدلة لا أظن احد من قبل قد دم بها هذه الآراء .. (وعن نفسي قد
استمتعت بتأييد كل رأي في اجتهاده – ووجدت في ذلك راحة نفسية ومتعة علمية) بالرغم
من أني أميل إلى الرأي الثاني .. ولكن ما أجد فيه الحق لفريق حاولت أن أثبته بكل
ما أعطاني الله من علم وعقل .. لأن هذا من باب الأمانة العلمية .. بل وفيه متعة
التحقيق العلمي.
- وما عدا ذلك من أدلة
قد ذكرها الفريق الذي قال أن السحر كفر والساحر كافر .. فلا قوة فيها ولا
حجة لإثبات رأيهم سواء فيما استدلوا به من آيات أو أحاديث أو أخبار.
2- عن
نفسي (خالد صاحب
الرسالة) .. أميل للرأي القائل أن
السحر ليس بكفر والساحر ليس بكافر إلا في أحوال معينة فقط .. مثل أن يكون طريقة
السحر مصحوبة بما فيه كفر بالله .. أو أن يكون الشخص مستبيح ومستحل فعل سحر الضرر
مع علمه بأن القرآن حرم ذلك ونهى عنه .. أو اعتقد الساحر في أن السحر يضر بذاته
وليس بإذن الله .. أو أن الساحر يعتقد أن له قدرة بسحره يستطيع ان يتحدى بها قدرة
الله.
- أما عن سبب ميلي لهذا الرأي فأذكره في الفصل
القادم .. عن سبب اختياري لهذا الرأي وليس للرأي القائل بتكفير السحر والسحرة
"طالما ثبت أن الساحر يسحر بسحر ضرر".
- علما بأن هذا الرأي الذي ملت إليه .. أجد فيه إشكالية حينما قالوا أن كفر الساحر
مرتبط بكونه لو اختلط سحره بكفر.. (وهذا سأوضحه في الفصل القادم إن شاء الله).. وأرجو
من الله التوفيق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ادارة الموقع - ا/ خالد ابوعوف