الأربعاء، 1 أبريل 2026

Textual description of firstImageUrl

ج47: طرق العلاجات الربانية من القرآن والأحاديث النبوية - الأدلة على إمكانية استخدام المجربات في فك السحر وطرد المس وإبطال العين والعلاجات بصفة عامة - ما جاء عن النبي في استخدام المجربات - ما جاء عن بعض الصحابة والتابعين في استخدام المجربات - معنى حديث أن النشرة من الشيطان

بسم الله الرحمن الرحيم

..:: رسالة طرق العلاجات الربانية ::..

- من القرآن والأحاديث النبوية -

(الجزء السابع والأربعون)

******************************

:: الفصل الحادي والأربعون ::

:: تابع/ الطريقة العلاجية التاسعة والثلاثون ::

الجزء الثالث: الدليل على إمكانية استخدام طرق علاجية غير تعبدية في علاج سحر الربط وغيره من الأسحار والإصابات الروحانية.

****************

الأدلة على إمكانية استخدام المجربات في فك السحر وطرد المس وإبطال العين والعلاجات بصفة عامة

#- فهرس:

1- س7: ما هي الأدلة على إمكانية استخدام المجربات في فك السحر وطرد المس وإبطال العين والعلاجات بصفة عامة ؟

#- أولا: أباح النبي صلى الله عليه وسلم استخدام الوسائل التي فيها معونة لدفع الضرر عن الناس ما لم يكن فيها شرك.

#- ثانيا: ما جاء عن بعض الصحابة في استخدام المجربات في العلاجات.

#- ثالثا: ما جاء عن بعض كبار التابعين في استخدام المجربات في العلاجات أو من خلال فتاويهم.

#- رابعا: نشرات أو مجربات لبعض الصالحين قد أجازها أكابر العلماء واستحسنوها فذكروها في كتبهم كنشرة نافعة.

#- خامسا: فتوى غير صحيحة وبلا دليل في منع طريقة البول على الفأس الحامية والتي ذكرها الإمام بن حجر في كتابه فتح الباري.

#- سادسا: ما حقيقة ومعنى الحديث النبوي الذي جاء فيه أن النشرة من عمل الشيطان 

**********************

:: الفصل الحادي والأربعون ::

تابع- ج3/ الطريقة العلاجية التاسعة والثلاثون

****************

..:: س7: ما هي الأدلة على إمكانية استخدام المجربات في فك السحر وطرد المس وإبطال العين والعلاجات بصفة عامة ؟ ::..

 

#- أخي الحبيب ..

- توجد طرق ذات تجربة يمكن استخدامها في فك سحر الربط للمعقود عن زوجته والمعقودة عن زوجها .. وسأذكر لك منها إن شاء الله ما هو محقق النتيجة بإذن الله.

 

- ولكن أولا .. سأذكر الأصل النبوي في هذه المسألة .. ثم أذكر لك أثر عن بعض الصحابة .. ثم أثر عن بعض التابعين .. ثم أثر عن كلام بعض العلماء .. عن المجربات .. وذلك ليطمئن قلبك أخي الحبيب .. بعض مما قاله السلف في مسألة العلاجات بالمجربات .. وسأكتفي بأثر واحد لكل ما سبق.

 

- وإليك بيان ما أخبرتك به .. لتطمئن .. 

=============

#- أولا: أباح النبي صلى الله عليه وسلم استخدام الوسائل التي فيها معونة لدفع الضرر عن الناس ما لم يكن فيها شرك.


1- الدليل الأول: عن الصحابي جابر بن عبد الله قال: (لَدَغَت رَجُلًا مِنَّا عَقرَبٌ ونَحنُ جُلوسٌ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ..

- فقال رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ .. أرقي ؟

- قال: مَنِ استَطاعَ مِنكُم أن يَنفَعَ أخاه فليَفعَلْ) صحيح مسلم.


2- الدليل الثاني: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا بَأسَ بالرُّقى ما لَم يَكُنْ فيه شِركٌ) صحيح مسلم.


@- إذن: ما سبق فيه إذن عام من النبي صلى الله عليه وسلم باستخدام ما فيه فائدة ونفع ومساعدة للغير .. شرط أن لا يكون فيه أي رابطة بالشرك والكفر بالله.


3- الدليل الثالث: في حديث قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمر النبي بإخراج السحر من مكانه .. قالت عائشة: (فقلت: يا رسول الله، فهلا نشرت ؟ فقال: أما الله فقد شفاني ، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس منه شر) مستخرج بن أبي عوانة .. بسند صحيح أصله في البخاري..، (وقال محقق هذا الحديث في مستخرج أبي عوانة) أنه وجد: في الطبعة التي عليها عمدة القاري -كتاب الطب، باب هل يستخرج السحر (17/ 424): (أما والله فقد شفاني الله). فإن ثبتت فيستقيم الكلام. (راجع تحقيق هذا الحديث في مستخرج أبي عوانة عند الحديث برقم 9603 ورقم 9604 الجزء "17" لمحققه الدكتور أحمد بن حسن الحارثي).


- معنى قولها (فهلا نشرت) أصلها (تنشرت): أي اتخذ من النُّشرة وسيلة علاج لك بعدما تبين لك أنه تم السحر لك .. وكلمة (هلا) للدلالة على الحث والسرعة في فعل النشرة .. مثلما تقول لشخص عرف أنه مريض بالسعال: هلا اتخذت دواء السعال ليشفيك الله به .. أي أسرع باتخاذ العلاج المناسب لمرضك.


#- وقال الإمام بن بطال رحمه الله (المتوفى:449 هـ):

- وقولها للنبي: (هلا تنشرت) يدل على جواز النشرة كما قال "الشعبي" ..، وأنها كانت معروفة عندهم لمداوة السحر وشبهه .. ويدل قوله عليه السلام: (أما الله فقد شفاني) وتركه الإنكار على عائشة على جواز استعماله لها لو لم يشفه .. فلا معنى لقول من أنكر النشرة. (شرح بن بطال على صحيح البخاري ج9 ص446).


- يقصد الإمام بن بطال رحمه الله من كلامه: أن النُّشرة لو كانت لا يصح استخدامها .. لكان النبي نهاها عن ذلك وأنكر عليها .. بل ودل على أنه لو لم يتم شفاءه لكان استخدمها ولا حرج في ذلك .. والله أعلم.


- وإذا كنا لا نعرف طريقة النشرة التي قصدتها السيدة عائشة إلا أنها طريقة من تجارب الناس وليست طريقة تعبدية وإلا كان فعلها النبي صلى الله عليه وسلم.


#- معلومة هامة:

- المقصود بالنُشرة .. هي ضرب من الرقية والعلاج لمن كان يظن أن به إصابة من السحر أو مس من الجن أو الحسد .. وهذه النُّشرة قد تكون برقى لفظية .. أو مواد طبيعية من الطبيعة كالماء والتراب والملح وما شابه ذلك من أسباب الماديات الطبيعية المباحة وليس المحرمة كالخمرة وما فيه ضرر للبدن.


- وسميت النُّشرة بهذا الإسم: لأنه يتم بها تنشير الأذى عن جسم المصاب بضرر من الجن أو السحر أو الحسد .. والمقصود بالتنشير هو صرف أو طرد أو تفرقة الداء عن جسم المصاب بأذى روحاني.


@- والنشرة: في زماننا هذا هي ما يسمى بالمجربات ..


4- الدليل الرابع: استخدم النبي صلى الله عليه وسلم طريق النُّشرة أيضا أي طريقة من طرق العلاجات الغير تعبدية في علاج أحد الصحابة من الحسد.

- جاء في (حديث صحيح) ..  عن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: (اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ، فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ.

- فَقَالَ لَهُ عَامِرٌ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلَا جَلْدَ عَذْرَاءَ .. فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ، وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ.

- فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أي جاء للنبي مرسال من سهل بن حنيف)  فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا قَدْ وُعِكَ .. وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ (أي كان على موعد مع النبي ولكنه أصابه مرض منعه من الذهاب مع النبي).

- فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ الَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرٍ.

- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلَا بَرَّكْتَ، إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ".

- تَوَضَّأْ لَهُ (أي أمر النبي عامر أن يتوضأ) ..،  فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ .. (أي توضأ عامر وترك الماء المتساقط من وضوئه في وعاء ليغتسل به سهل وشفي سهل بن حنيف بعد اغتساله بوضوء عامر) .. فَرَاحَ (أي فذهب) سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) رواه الطبراني وبن حبان ومالك .. وقال الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين، وقال الألباني: صحيح.


#- قلت (خالد صاحب الرسالة) عن معاني الحديث:

- وقوله (الْخَرَّارِ): عين ماء جارية مكانها بالجحفة وتسمى وادي الخرار .. ولعل الصحابي كان يغتسل بوضع الماء تبريدا على جسمه من الحر .. وسميت عين الماء الجارية بالخرار بسبب خرير الماء الذي هو صوت الماء.


- وقوله (فوعك): أي سقط متألما في مكانه لا يتحرك من الألم .. وكأن طلقة رصاص أصابته.


- قوله (غير رائح): أي لا يستطيع أن يذهب إلى النبي ليذهب معه في مشوار قد اتفقا عليه.

 

- قوله (يقتل أخاه): تشبيه الحسد بالقتل .. لما في الحسد من ضرر قد يؤدي إلى الموت فعلا.


- قوله (ألا بركت): أي حينما رأيت ما يعجبك كنت تقول: تبارك الله .. او تبارك الله أحسن الخالقين.


- قوله (العين حق): أي الإصابة بالعين لها حقيقة وجودية ثابته لها تأثير على النفوس والماديات.


- قوله (فتوضأ له): أي أن النبي أمر عامر بأن يتوضأ لمن أصابه بالعين.


- قوله (ليس به بأس): أي فحين أغتسل سهل بوضوء عامر .. وصبه على نفسه .. حتى زالت عنه علة المرض وكأن لم يكن به شيء.


#- قلت (خالد صاحب الرسالة) عما يكشفه لنا حديث النبي (عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلَا بَرَّكْتَ، إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ):

1- ومن الحديث السابق يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم طريقة ليست قرآنية ولا دعائية ولا تعبدية .. بل وصفة كان فيها علاج للمصاب بنظرة الحسد .. طالما أن هذه الطريقة ليس فيها ما هو محرم فعله.


2- انتبه لشيء مهم: أن هذا الحديث يكشف بوضوح خرافة وجود الشيطان خادم الحسد .. أو أن الشيطان هو الذي يسبب ضرر الحسد .. لأن الشيطان لا شأن له بعملية الحسد كما يزعم البعض .. بدليل:

أ- قول النبي (فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ): ولم يقل ارقوه من إصابة الشيطان .. ولو كان الشيطان وسيط لكان قال استعيذوا من الشيطان.

ب- وقوله (علام يقتل أحدكم أخاه): فنسب الفعل للإنسان .. ولو كان الشيطان يصيب المحسود بضرر .. ما كان النبي نسب فعل الحسد للإنسان الحاسد .. بل ونسب له مسئولية احتمال قتل الآخر بالحسد أو لعل المقصود بالقتل هو الأذى الشديد الذي قد يؤدي للموت .. والله أعلم.

ج- وقوله (العين حق): فنسب الفعل لعين الإنسان ..، ولو لم تكن عين الإنسان مرسال لطاقة الشر المودعة فيه .. فلماذا قال النبي (العين حق) ؟!! 

د- ولو كان للشيطان شأن في هذا الموضوع لكان النبي قال .. فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم بدلا من قوله (ألا برَّكت) .. !!


هـ- وإذا لم تستوعب كل ما سبق .. فيكفيك قوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) الفلق:5 .. فنسب الله حدوث الحسد لنفس الفاعل وهو الحاسد .. وليس لغيره.


و- بل ولماذا كان النبي يستعيذ من العين اللامة وهي العين الحاسدة التي تلم بالإنسان الضرر .. إلا إذا كان ليس لها تأثير .. ؟!!


#- أفيقوا يا مسلمين: من خرافة الشيطان خادم الحسد .. ولا تتبعوا أهواء قوم ضلوا وأضلوا .. واتبعوا شيطان نفوسهم.

- فمن تصدقون: كلام النبي أم كلام دجالين الرقية ؟!!

- هذا اختياركم وقراركم .. وما تقابلون به الله.


3- أما عمن يظن أن الشيطان ينفذ حسد الحاسد .. فهو استدل بما جاء في (الحديث الضعيف) الذي رُوي عن النبي وجاء فيه: (الْعَيْنُ حَقٌّ .. وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ) رواه أحمد .. ، وقال محققو المسند: إسناده منقطع، مكحول لم يسمع من أبي هريرة. وقوله: "العين حق" فقط صحيح..، وهذا الحديث ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة.


- قلت (خالد صاحب الرسالة): حتى لو صح الحديث .. فلفظ الحديث يقول أن العين حق .. أي العين فيها خصوصية تأثير بالضرر حسب نفسية الناظر .. ويحضر بها الشيطان أي تكون سبب حضور للشيطان .. وذلك مثل أي فساد محتمل حدوثه فالشيطان يحضر ليزين للمفسد إفساده .. فحينما يجد الشيطان نفس ابن آدم ترغب في شيء فهو يحضر ليوسوس في نفس ابن آدم ليحسد الآخر على نعمة الله التي أعطاها له .. وليس لأنه ينفذ حسد ابن آدم نيابة عنه ...!!

- وهذا التفسير على افتراض لو صحت الرواية التي هي ضعيفة أصلا ..!!


- إذن: هذا جهل غريب في الفهم أن يظن أحد أن الشيطان ينفذ حسد الحاسد .. إذ كيف يعرف الشيطان ذلك وفي أي شيء هو يحسد الحاسد .. إلا لو قيل أن الشيطان عليم بما في الصدور .. وهنا نكون دخلنا في عالم الخرافات بتعظيم قدرات الشيطان ؟!!


#- من كلام العلماء عن حديث النبي (عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟ أَلَا بَرَّكْتَ، إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ):

- قال الإمام بن عبر البر في ختام شرحه للحديث السابق:

- وفيه إباحة النشرة وإباحة عملها .. وقد قال الزهري في ذلك إن هذا من العلم.

- وإذا كانت مباحة فجائز أخذ البدل عليها .. وهذا إنما يكون إذا صح الانتفاع بها .. فكل ما لا ينتفع به بيقين .. فأكل المال عليه باطل (محرم).

- وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالنشرة للمعين.

- وجاء ذلك عن جماعة من أصحابه منهم سعد بن أبي وقاص خرج يوما وهو أمير الكوفة .. فنظرت إليه امرأة .. فقالت: إن أميركم هذا لأهضم الكشحين (فعانته) فرجع إلى منزله فوعك ثم إنه بلغه ما قالت فأرسل إليها فغسلت له أطرافها ثم اغتسل (به) فذهب (ذلك) . ( التمهيد ج6 ص241)


#- قلت (خالد صاحب الرسالة) عن معاني بعض ما ذكره الإمام بن عبد البر:

- معنى (النُّشرة): هي طريقة من طرق العلاج لمن أصابه مس أو سحر أو حسد باستخدام أشياء من الطبيعة .. مثل الماء والملح والتراب وما شابه وقد يتم القراءة بالّأذكار على هذه الطبيعيات أو لا يقرأ شيء .. شرط أن تكون هذه النُّشرة ليس فيها قول حرام أو فعل حرام .. أي ليس فيها ما هو عصيان لله.


- معنى (أخذ البدل عليها): أي النشرة يجوز أخذ مقابل مادي عليها بمن يمارسها .. بشرط صحة الإنتفاع بها بيقين وإلا فهذا مال حرام.


- معنى (أهضم الكشحين): تعبير يقصد به أنه له قوام جميل الجسم والهيئة.


- معنى (فعانته): أي أصابته بالعين أي بالحسد.


- والحديث الذي أشار إليه بن عبد البر في أن النبي أمر بالنشرة للمعين أي للذي أصابته العين .. مثل حديث سهل بن حنيف السابق ذكره والذي جاء فيه (العين حق).


- والقصة التي أشار الإمام بن عبد البر عليها والتي حدثت مع الصحابي سعد بن أبي وقاص .. قد ذكرها الإمام عبد الملك بن حبيب (المتوفى:238 هـ) .. فقال: (أن سعد بن أبي وقاص خرج يوما بالعراق في ثوبين، وهو أميرها يومئذ، فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم هذا .... إلى آخر الرواية التي ذكرها بن عبد البر) (راجع مختصر في الطب - العلاج بالأغذية والأعشاب في بلاد المغرب ص111).


@- إذن: نفهم أن الحديث الذي جاء فيها أن النبي قال: (علام يقتل أحدكم أخاه) فيه دلالة على أن النبي قد استخدم النُّشرة .. من خلال ماء الوضوء من شخص آخر لعلاج الحسد .. ولم يستخدم أي علاجات ربانية كقراءة قرآن أو ذكر أو صلاة ركعتين لله.

- وليس بالضرورة أن تكون النشرة بالرقية .. بل ممكن بالطبيعيات أي ما هو طبيعي كالماء والملح وما شابه. والله أعلم.

==============

#- ثانيا: ما جاء عن بعض الصحابة في استخدام المجربات في العلاجات.

 1- جاء في (أثر صحابي صحيح) .. عن السيدة عائشة قالت: (كانَ يُؤمَر العائِنُ، فيتوضّأُ، ثم يَغْتَسِلُ منه المَعِينُ) رواه أبو داود .. وقال الأرنؤوط: صحيح.

- ومعنى (العائن): هو الذي أصاب غيره بالعين .. وهو الحاسد.

- ومعنى (المعين): المحسود.


#- وهذا الكلام من السيدة عائشة يدل على أن الحاسد لو تم معرفته فهو يؤمر بأن يغتسل في وعاء كبير يجتمع فيه ماء الإغتسال مثل ما يقال في زماننا (كروانة أو طشت) .. ثم يؤخذ هذا الماء ويصب على المصاب بالحسد.


- إذن : الصحابة كانوا على علم بالنشرة ويستخدموها.


2- جاء في (أثر صحابي صحيح) .. بعد أن تم حدوث سحر بالمرض للسيدة عائشة وتبينت من ذلك .. فتحكي عَمْرَةُ فتقول: (فَلَبِثَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الزَّمَانِ .. ثُمَّ إِنَّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ أَنِ اغْتَسِلِي مِنْ آبَارٍ ثَلاثَةٍ يَمُدُّ بَعْضُهَا بَعْضا (أي ثلاثة عيون ظاهرة الماء متصلين بالقرب من بعض يربطهم قناة مائية واحدة) .. فَإِنَّكِ تُشْفَيْنَ (أي بشفاء الله).

- فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ .. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ .. فَذَكَرَتْ لهم عَائِشَةَ الَّذِي رَأَتْ (أي في منامها): فَانْطَلَقَا إِلَى قَنَاةٍ .. فَوَجَدَا آبَارًا ثَلاثَةً يَمُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا .. فَاسْتَقَوْا مِنْ كُلِّ بِئْرٍ مِنْهَا ثَلاثَ شُجُبٍ (أي ثلاث قرب من الجلد التي يحفظ فيها الماء ومثاله في زماننا حاليا مثل ثلاث زجاجات حاليا في زماننا) .. حَتَّى مَلَئُوا الشُّجُبَ مِنْ جَمِيعِهَا .. ثُمَّ أَتَوْا بِذَلِكَ الْمَاءِ إِلَى عَائِشَةَ .. فَاغْتَسَلَتْ فِيهِ فَشُفِيَتْ) رواه مالك في الموطأ .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر سنده صحيح..، وما بين الأقواس باللون الأحمر من شرحي على ألفاظ الحديث.


#- فالسيدة عائشة لم تقرأ قرآن لفك السحر .. ولا أي أذكار .. بل كانت مفوضة أمرها لرب العالمين وملتزمة بطاعة ربها .. حتى أرشدها الله في رؤيا منامية لاستخدام النُّشرة بالوسائل الطبيعية وهي مياه الآبار .. وكتب لها النجاة من تأثير هذا السحر الذي أحدث لها مرض أصابها زمنا.


#- ملحوظة هامة جدا: هذه القصة ستجدها محققة بالكامل مع ذكر اللطائف الخاصة بها والإشارات المتنوعة وما شابه ذلك ستجده في رسالتي البحثية (التحقيق الجلي لقصة سحر بعض زوجات النبي بعد وفاة النبي – سحر السيدة حفصة والسيدة عائشة).


3- من الآثار المروية عن السيدة عائشة .. أنها أشارت على بعض أهل العراق باستخدام نهر الفرات كنُشرة .. في التعافي من إصابات السحر أو الحسد أو أصابته حرارة الشمس بقوة أو ظهرت بثور أو قروح في جسمه ..


#- جاء في (أثر صحيح) .. عن "عبد الله" ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ "النخعي"، عَنِ الأَسْوَدِ "بن يزيد بن قيس": (أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ سُئِلَتْ عَنِ النُّشَرِ ؟ فَقَالَتْ: مَا تَصْنَعُونَ بِهَذَا ؟ هَذَا الْفُرَاتُ إِلَى جَانِبِكُمْ .. يَسْتَنْقِعُ فِيهِ أَحَدُكُمْ سَبْعًا يَسْتَقْبِلُ الْجِرْيَةَ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم 23513.


#- من معاني الألفاظ:

أ- المقصد من (الفرات): هو نهر الفرات بالعراق .. ولعل السيدة عائشة كانت موجودة بالعراق آنذاك في الفترة التي حدثت موقعة الجمل .. واستغل أهل العراق وجودها هناك فاستفتوها .. والله أعلم.


#- ملحوظة هامة جدا: لم تقصد السيدة عائشة إثبات خصوصية لنهر الفرات .. لأن من سألها فقد سألها من أهل العراق .. والمقصد هو استخدام الماء الطبيعي الذي لم تمسه أيدي الناس .. فإن فيه بركة وخير وشفاء .. وليس لأن نهر الفرات فيه خصوصية شفاء .. فهي لم تقل بذلك أصلا في الرواية .. !!


ب- وقولها (يَسْتَنْقِعُ فِيهِ أَحَدُكُمْ سَبْعًا يَسْتَقْبِلُ الْجِرْيَةَ): أي يغطس سبع مرات .. في اتجاه سير جريان النهر .. وكأنه يقف في مكان يكون اتجاه المياه وهي تندفع إلى جسمه أي يقف بوجهه في اتجاه تيار الماء .. مثلما تقف أمام موج البحر بوجهك فيصدم بك .. ، ثم وأنت واقف في النهر بوجهك في اتجاه تيار المياه .. واغطس سبع مرات.


ج- قولها (فليستقبل الجرية - فيغتمس): أي ينزل مجرى النهر كما شرحنا منذ قليل .. وليغطس سبع مرات .. أي وهو واقف ينزل بجسمه كله في الماء حتى يغطي الماء شعر رأسه .. ثم يقف .. ويكرر ذلك سبع مرات.- والله أعلم.


#- وجاءت الرواية بلفظ آخر في (أثر حسن) .. عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ "النخعي"، عَنِ الأَسْوَدِ "بن يزيد النخعي"، عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: (مَنْ أَصَابَهُ بُسْرَةٌ أَوْ سُمٌّ أَوْ سِحْرٌ فَلْيَأْتِ الْفُرَاتَ .. فَلْيَسْتَقْبِلِ الْجِرْيَةَ، فَيَغْتَمِسْ فِيهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم 23517 .. ، (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر حسن السند .. ، بالرغم من عنعنة سليمان الأعمش .. إلا أن عنعنته مقبولة في مشايخه الذين يروي عنهم بكثر مثل إبراهيم النخعي.

- والأثر السابق .. مرة تم كتابته بلفظ (بسرة) ومرة (نشرة) على اختلاف طبعات.


#- من معاني ألفاظ الروايات:

أ- معنى (النُّشَر): هو جمع كلمة نُشرة .. وسبق الكلام عليها منذ قليل عند شرح حديث قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم.


ب- ولو لفظ الأثر (أَصَابَهُ بُسْرَةٌ أَوْ سُمٌّ أَوْ سِحْرٌ): فمعنى (بُسْرَة) هنا قد يكون المقصود أصابه (بسرة) أي قرحة أو خراج وهو مشتق من الباسور .. وكأن مياه النهر يجد منها شفاء لذلك .. ولعل لفظ (بُسرة) كان في أصله (بثرة) بمعنى دمل أو خراج .. ولكن تم تصحيفها أثناء كتابة الناسخ إلى كلمة (بُسرة) .. والله أعلم.


- ولو لفظ الأثر (أَصَابَهُ نُشْرَةٌ أَوْ سُمٌّ أَوْ سِحْرٌ): فيكون المقصد الإصابة بنشرة هو: المصاب بضعف عام وأصبح هزيل البنيان .. نتيجة حسد مثلا وليس له علاج معروف..

#- ملحوظة: لفظ النُّشرة من الأضداد أي يجمع بين العلاج والمرض حسب سياق الكلام .. والله أعلم.


ج- أما عن معنى (سُم): فلا أظن السيدة عائشة تقصد به سم الأفاعي والعقارب .. وإنما هي تقصد ما يسمى بسُم اليوم .. وهو اليوم شديد الحرارة والذي قد يسبب له فيه ضربة شمس قوية فليذهب وينزل في ماء النهر لتبريد درجة حرارة الجسم ..، ولعل هذا استنبطته السيدة عائشة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم أن طلب سبع أوعية ماء ليصبوا فوقه يوم مرضه .. والله أعلم.


@- وسبق مناقشة أثر السيدة عائشة بتوسع كبير جدا في رسالتي (رسالة التحقيق الجلي لقصة سحر بعض زوجات النبي بعد وفاة النبي – حقيقة سحر السيدة حفصة وسحر السيدة عائشة).. في الفصل العاشر تحت عنوان (س28: هل تعلم أن السيدة عائشة كانت أرشدت إلى العلاج من السحر والسم والنشرة بماء نهر الفرات الطهور؟) فارجع إليها لمزيد من المعرفة.


#- وخلاصة القول:

@- أن السيدة عائشة قد أشارت على بعض أهل العراق باستخدام نهر الفرات في التعافي من إصابات السحر إن ظن أحدهم بذلك وخاصة من كان به ربط عن الجماع مع زوجته أو العكس .. وهو المشار إليه بالنُّشرة.


- مع ملاحظة أن كلام السيدة عائشة لا يخضع للتشريع وإنما للتجربة .. هو محض اجتهاد منها .. ويندرج تحت باب المجربات بالطبيعيات .. فإما أن تصح التجربة أو لا تصح التجربة .. لأنه طب للعلاج من علة .. فالمسألة ليست شرع ولا عن النبي .. وإنما هي محض اجتهاد من السيدة عائشة.


- ولعل ذلك الإجتهاد من السيدة عائشة .. كان قياسا على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وقت مرض وفاته .. وكذلك ما حدث لها في رؤيتها التي راتها للعلاج من السحر الذي أصابها .. وبالتالي فإن إرشاد السيدة عائشة مبني على علم مسبق من خبرة سابقة وتجارب مرت بها ولا علاقة له بالدين الإسلامي .. فانتبه وكن يقظ .. والله أعلم.


@- والمقصد من الإستدلال بأثر السيدة عائشة .. هو أن النشرة كعلاج مباح بما هو مباح كان معلوم ولا حرج فيه .. وهذا الأثر قيل بعد زمن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. 

==============

#- ثالثا: ما جاء عن بعض كبار التابعين في استخدام المجربات في العلاجات أو من خلال فتاويهم.

 

1- جاء في (أثر تابعي صحيح) .. عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: (سَأَلْتُهُ عَنِ النُّشَرِ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا .. قُلْتُ: أَرْوِيهَا عَنْكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ) رواه ابن أبي شيبة .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر صحيح.

 

#- وفي لفظ آخر: عن محمد أبو جعفر المصيصي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: (سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنِ النَّشْرَة .. فَأَمَرَنِي بِهَا .. قَالَ: قُلْتُ: أُحَدِّثُ بِهَا مَنْ عِنْدَنَا عَنْكَ .. قَالَ: نَعَمْ) رواه أبو جعفر محمد بن سليمان في مخطوطة لوين المصيصي برقم 13..، (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر صحيح.

 

#- وفي لفظ آخر: عن حفص بن عمر "الأزدي" ، قال : حدثنا هشام "الدستواني" ، عن قتادة: (عن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخر عن امرأته فيلتمس من يداويه ، قال : إنما نهى الله عما يضر ، ولم ينه عما ينفع) رواه بن عبد البر في التمهيد عن أبي بكر الأثرم..، (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر صحيح.

 

#- وفي لفظ آخر .. َقَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: (رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ .. أَوْ: يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ .. أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ ؟ قَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلاَحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ) رواه البخاري " معلقا بدون إسناد" .. (قلت خالد صاحب الرسالة): قد ذكرت له إسناده في الروايتين السابقتين.

 

@- من معاني الكلمات:

- قوله (به طب – أو يؤخذ عن امرأته): أي به إصابة من سحر سببت له ربط عن جماع زوجته ..، وكلمة (طب) هنا بمعناها الخاص وهو السحر .. وليس بمعناها العام وهو الوجع .. بدلالة ما جاء بعد ذلك من قوله (يؤخذ عن امرأته) كتوضيح للمقصد من كلمة (طب) أنه سحر التأخيذ أو الربط أو المنع من ممارسة العلاقة الزوجية.

 

- قوله (أيحل عنه أو ينشر له): أي نبحث له عن حل بالنشرة.

 

- قوله (لا بأس): اي لا مانع في ذلك .. إنما المقصد من وراء الفعل طالما الإصلاح فهو خير طالما ليس فيه ما هو محرم فعله أو قوله .. وما فيه نفع للناس فلم ينه عنه النبي إذ قال: (مَنِ استَطاعَ مِنكُم أن يَنفَعَ أخاه فليَفعَلْ) صحيح مسلم.

 

#- ولو انتبهنا لفتوى الإمام سعيد بن المُسَيَّب .. سنجد أنه لا يمانع باستخدام طرق علاجية غير تعبدية طالما فيها النفع للناس .. شرط أن لا يكون فيها مخالفة شرعية .. أي لا شرك فيها ولا حرام. 

 

2- جاء في (أثر يجمع بين الضعف والصحة) .. عن عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصنعاني رحمه الله قال: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: " (لَا بَأْسَ بِالنُّشْرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي لَا تَضُرُّ إِذَا وُطِئَتْ (أي تم تجربتها بأن فيها نفع) ".

- "قال عبد الرزاق الصنعاني": وَالنُّشْرَةُ الْعَرَبِيَّةُ: أَنْ يَخْرُجَ الْإِنْسَانُ فِي مَوْضِعِ عِضَاهٍ (أي مكان به شجر فيه شوك مثل شجر السدر والتفاح)، فَيَأْخُذَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ كُلِّ ثَمَرٍ (أي يقصد الورق أو الثمرة النابتة بين الورق) يَدُقُّهُ وَيَقْرَأُ فِيهِ .. ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِهِ.

- وَفِي كُتُبِ وَهْبٍ: (أَنْ تُؤْخَذَ سَبْعُ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ أَخْضَرَ فَيَدُقَّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ .. ثُمَّ يَضْرِبَهُ فِي الْمَاءِ (أي يخلطه في الماء) .. وَيَقْرَأَ فِيهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ .. وَذَوَاتَ قُلْ (أي يقرأ المعوذات الثلاثة التي تبدأ بكلمة "قل" وهي سور "الإخلاص والفلق والناس")، ثُمَّ يَحْسُو مِنْهُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ (أي يشرب منه ثلاث رشفات مثل كوب يشرب منه على ثلاث مرات).. وَيَغْتَسِلَ بِهِ (أي يغتسل بباقي المياه) .. فَإِنَّهُ يُذْهِبُ عَنْهُ كُلَّ مَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .. وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ إِذَا حُبِسَ مِنْ أَهْلِهِ) رواه معمر بن راشد في جامعه وعنه عبد الرزاق الصنعاني.

 

@- (قلت خالد صاحب الرسالة): أثر رأي عامر الشعبي فيه ضعف .. لأن عبد الرزاق لم يسمع من عامر الشعبي .. ولكن الغرض هنا من نقل ما بلغ عبد الرزاق عن رأي الشعبي في المسألة .. ثم تعريف عبد الرزاق للنشرة العربية .. ثم بيان ما كان نقله عبد الرزاق عن معمر بن راشد من كتب وهب بن منبه التي كان قرأها .. ، والجزء الخاص بوهب بن منبه هو أثر صحيح السند..، "وما بين الأقواس باللون الأحمر من شرحي على ألفاظ الأثر".

 

#- التعريف ببعض العلماء المذكورة أسمائهم:

- عامر الشعبي: هو من كبار التابعين (21 - 103 هـ) ولد في منتصف خلافة عمر بن الخطاب .. ، وكان من أكابر الفقهاء في زمنه .. ، وروى عن أكابر الصحابة مثل عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس والسيدة عائشة وأبي هريرة .. وغيرهم من الصحابة.

 

- وهب بن منبه: هو من أواسط التابعين (36 - 116 هـ) ولد في خلافة عثمان بن عفان .. وهو كان موسوعة إخبارية عن أحوال الأمم .. فهو من المهتمين بأخبار السابقين والقراءة في كتب أهل الكتاب وأي كتب كانت تحكي عن الأمم السابقة .. ، وروى عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري .. وغيرهم من الصحابة.

 

- معمر بن راشد الأزدي: هو من أكابر أتباع التابعين (96-154 هـ) .. وهو من حفاظ الأحاديث الثقات وقابل كثير من التابعين ونقل عنهم.

 

- عبد الرزاق بن همام الصنعاني: هو من صغار أتباع التابعين (126 - 211 هـ) .. وهو من حفاظ الحديث الثقات وقابل كثير من التابعين ونقل عنهم .. وله مصنف كبير في الحديث والآثار وهو مصنف عبد الرزاق. 

===========

#- رابعا: نشرات أو مجربات لبعض الصالحين قد أجازها أكابر العلماء واستحسنوها فذكروها في كتبهم كنشرة نافعة.


1- الإمام بن أبي حاتم رحمه الله (المتوفى: 327هـ) في تفسيره:

- قد ذكر خبرا لنُشرة مجربة بالقرآن مع الماء .. عن الليث بن أبي سليم وهو من تابعي التابعين (توفى:148 هـ).

- إذ جاء في (أثر مقبول السند) عن الليث بن أبي سليم أنه قال: (بَلَغَنِي أَنَّ هَؤُلاءِ الآيَاتِ شِفَاءٌ مِنَ السِّحْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ .. تُقْرَأُ فِي إِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ يُصَبُّ عَلَى رَأْسِ الْمَسْحُورِ.

- الآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ يُونُسَ: (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) يونس:81-82.

- وَالآيَةَ الأُخْرَى: (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إِلَى انْتِهَاءِ أَرْبَعِ آيَاتٍ .. (أي يقصد – والله أعلم هكذا: (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) الأعراف:118-122.

- وَقَوْلُهُ: (إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) طه:69) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره .. (قلت خالد صاحب الرسالة) الأثر مقبول سندا لأنه فيه أبو جعفر الرازي وهو مختلفا عليه في حفظه .. ولكن في مثل هذه الروايات مجرد أخبار عن صالحين وليس تشريع ديني..، وإنما أحقق هذه الآثار للتحقق من نسبة هذه الأقوال لأصحابها فقط لا غير وليس لكونها حجة دينية.


#- معنى أن هذه النشرة المجربة قد نقلها الإمام بن أبي حاتم كتبها في تفسيره ... ثم نقلها عنه الإمام بن كثير في تفسيره .. (راجع تفسير بن كثير ج4 ص287) .. فهذا كان دليلا من اكابر العلماء على اختلاف أزمانهم .. أن المجربات بالنشرة القرآنية لا مانع منها .. وإلا كانوا أنكروها حينما ذكروها في كتبهم .. فافهم.


2- قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رحمهما الله (المتوفى: 241 هـ):

- رَأَيْت ابي يكْتب التعاويذ للَّذي يفزع .. وللحُمَّى لأهله وقراباته .. وَيكْتب للمرأة اذا عسر عَلَيْهَا الْولادَة فِي جَام اَوْ شَيْء نظيف.. وَيكْتب حَدِيث ابْن عَبَّاس .. إِلَّا انه كَانَ يفعل ذَلِك عِنْد وُقُوع الْبلَاء وَلم اره يفعل هَذَا قبل وُقُوع الْبلَاء .. ورأيته يعوذ فِي المَاء ويشربه الْمَرِيض وَيصب على رَأسه مِنْهُ. (مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص 477 مسألة رقم 1622).


- معنى (التعاويذ): أي كان الإمام أحمد بن حنبل يكتب الرقيات بكلام الله وأسماءه لمن كان يفزع ولعلاج الحمى ولمن تعسرت ولادتها.

- ومعنى (جام أو شيء نظيف): أي وعاء أو شيء طاهر كالورق.

- والمقصود من قوله (يكتب حديث بن عباس): وهو ما جاء عن ابن عباس أنه كان يكتب للتي تعسر عليها ولادتها الآتي: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ) الأحقاف 35، (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) النازعات 46).


3- قال الإمام بن عبد البر المالكي (المتوفى: 463هـ) :

- أخبرنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني محمد بن عمرو عن ابن جريج قال: (سألت عطاء بن أبي رباح عن النشرة فكره نشرة الأطباء وقال لا أدري ما يصنعون فيها وأما شيء تصنعه أنت فلا بأس به).

- قال ابن وهب: وأخبرني يحيى بن أيوب أنه سمع يحيى بن سعيد يقول: (ليس بالنشرة التي يجمع فيها من الشجر والطيب ويغتسل به الإنسان .. بأس). (التمهيد لما في الموطأ من المعاني ج6 ص245).


- وما سبق يجعلك تفهم أن العلماء كانوا ينقلون فتاوى السلف في إجازة العمل بالنُّشرة .. وأنها مباحة طالما بالمباح شرعا ولا مخالفة فيه.


@- قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على الآثار الذي رواها الإمام بن عبد البر:

- الأثر الأول للتابعي عطاء بن أبي رباح: الذي أشار إليه بن عبد البر .. هو أثر حسن الإسناد .. رجاله ثقات ما عدا محمد بن عمرو اليافعي وهو صدوق ..، وعبد الرحمن هو (عبد الرحمن بن يحيى القرطبي) ، وعلي هو (عبد الرحمن بن يحيى القرطبي) ، وأحمد هو (أحمد بن الحسن الصباحي) ، وسحنون هو (عبد السلام بن سعيد بن حبيب) ، وابن وهب هو (عبد الله بن وهب بن مسلم) ، ومحمد بن عمرو هو (اليافعي) ..، وابن جريج هو (عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج) ، وعطاء بن أبي رباح من التابعين.


#- ومعنى كلام (عطاء بن أبي رباح): أنه يكره نشرة الأطباء أي الذين يتزينون بكونهم أطباء من السحر وهم سحرة يزعمون فك السحر وإبطاله .. فكان يحرم التعامل معهم .. وقد قال الإمام عبد الملك بن حبيب (المتوفى: 238 هـ): "وسئل عنها عطا بن أبي رباح فكره نشر الأطباء وقال: إنهم يعقدون فيها العقد". (راجع مختصر في الطب - العلاج بالأغذية والأعشاب في بلاد المغرب ص112) ..، فافهم كلام العلماء بصورة صحيحة حتى لا ينحرف عقلك بفهم الخطأ ..!!


- أما النشرة التي كان يصنعها ابن جريج فهو كان لا يكره فيها شيئا لأنه يعرف كيفية فعلها وليس فيها مخالفة شرعية ولا فيها محرمات. (فافهم كلام العلماء وانتبه لمقصدهم).


- الأثر الثاني للتابعي يحيى بن سعيد الأنصاري: الذي أشار إليه بن عبد البر .. هو أثر حسن الإسناد .. رجاله ثقات ما عدا (يحيى بن أيوب الغافقي) وهو صدوق.


@- معنى كلام (يحيى بن سعيد): أنه لا يوجد باس أي لا يوجد مانع من النشرة التي تجمع بين النبات والطيب كالعطور والزيوت الطبيعية وخلطها بالماء والإغتسال بها.  


4- وقال الإمام بن حجر العسقلاني رحمه الله (المتوفى:852 هـ) عن النُّشرة حين شرح أثر التابعي سعيد بن المسيب:

- (النُّشرة) بالضم .. وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن .. قيل لها ذلك لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من الداء ..، ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في حديث جابر عند مسلم مرفوعا (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) .. ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث (العين حق) في قصة اغتسال العائن.

- وممن صرح بجواز النشرة: "المزني صاحب الشافعي" .. "وأبو جعفر الطبري" .. وغيرهما. (فتح الباري ج 10 ص 233 – مختصرا).


@- ويقول الإمام بن حجر رحمه الله أنه وقف عن وصفة للنشرة فيحكي قائلا:

- وقفت على صفة النشرة في كتاب الطب النبوي لجعفر المستغفري: قال وجدت في خط نصوح بن واصل على ظهر جزء من تفسير قتيبة بن أحمد البخاري قال: قال قتادة لسعيد بن المسيب: (رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له أن ينشر قال لا بأس إنما يريد به الإصلاح فأما ما ينفع فلم ينه عنه) .

- قال نصوح: فسألني حماد بن شاكر ما الحل وما النشرة ؟ فلم أعرفهما.

- فقال "أي حماد بن شاكر": هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها .. فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان (أي حزمة حطب) .. وفأسا ذا قطارين (أي يأتي بفأسا كالذي يستخدم في الزراعة ويأخذ حديدة الفأس) .. ويضعه في وسط تلك الحزمة (أي حزمة الحطب) .. ثم يؤجج نارا في تلك الحزمة (أي يشعل نارا في حزمة الحطب) حتى إذا ما حمي الفأس (أي أصبحت قطعة الحديد شديدة الإحمرار) .. استخرجه من النار (أي استخرج قطعة حديدة الفأس من الناس ووضعها جانبا) .. وبال على حره (أي تبول على سخونة هذه الحديدة الشديدة الإحمرار) .. فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.

- وأما النشرة: فإنه يجمع أيام الربيع (أي في وقت بداية ظهور الورد في فصل الربيع) .. ما قدر عليه من ورد المفازة (أي ورد الصحراء النابت من الطبيعة) .. وورد البساتين (أي الورد الذي ظهر نتيجة زراعة الناس) .. ثم يلقيها في إناء نظيف (أي يضع الورد الذي جمعه في إناء نظيف) .. ويجعل فيهما ماء عذبا .. ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليا يسيرا .. ثم يمهل (أي يتركها فترة) .. حتى إذا فتر الماء (أي أصبح بلا سخونة) .. أفاضه عليه (أي سكب هذا الماء عليه) .. فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.

- قال حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام.

- قلت " أي الإمام بن حجر": وحاشد هذا من رواة الصحيح عن البخاري. (فتح الباري ج 10 ص 233 - 234).


@- قلت (خالد صاحب الرسالة تعقيبا على ما نقله الإمام بن حجر من النشرة:

1- ما بين الأقواس باللون الأحمر من شرحي على ألفاظ الأثر الذي حكاه الإمام بن حجر وليس نم كلام بن حجر.. فانتبه.


2- الإمام حمّاد بْن شاكر بْن سَوِيّة - أبو محمد النَّسَفيّ (المتوفى: 311 هـ) .. الذي ذكر عنه الإمام بن حجر هذه الطريقة نقلا من كتاب "الطب النبوي لجعفر المستغفري" .. والإمام حماد بن شاكر قد روى "الصّحيح" عَنِ الْبُخَارِيّ .. ، وروى عَنْ محمد بن عيسى التِّرْمِذيّ. (راجع تاريخ الإسلام ج 7 ص 239 ترجمة رقم 22).


3- الإمام بن حجر نقل طريقتين في حل المربوط عن زوجته عن كتاب الطب للمستغفري طريقتين لحل المعقود للإمام حماد بن شاكر وهما:

- الطريقة الأولى: من خلال البول على الفأس .. وهي الطريقة الأسرع في حل المربوط.


- الطريقة الثانية: من خلال جمع الورد من مختلف المناطق سواء المزروعة باليد أم النابته من الصحراء .. ويأخذ قدر كافي منهم ويتركهم على النار الهادئة في ماء عذب .. حتى يسخن الماء .. ويأخذ الماء من الورد عصارته .. ثم يصفي الماء ويستحم به.

- هذا والله أعلم.


==================

#- خامسا: فتوى غير صحيحة وبلا دليل في منع طريقة البول على الفأس الحامية والتي ذكرها الإمام بن حجر في كتابه فتح الباري.


@- ملحوظة هامة جدا عن فتوى ينشرها البعض على الإنترنت .. لبيان بطلان الطريقة التي ذكرها الإمام بن حجر وهي التبول على الفأس المحمي بالنار.


- وما جاء في الفتوى حسب ما وجدته منقولا في بعض مواقع الإنترنت عن أن الفتوى سؤالها عن شخص اتبع الطريقة التي ذكرها بن حجر ولكن بالماء المقروء عليه وصبه على الحديد بدلا من التبول عليه .. وذلك في علاج الحالات المسحورة بالربط عن الجماع .. وكانت تنجح معه هذه الطريقة في فك الربط .. فما حكم هذه الطريقة ؟


- فكان رد الفتوى: " حل السحر بسحر مثله لا يجوز وهو من عمل الشيطان كما جاء في الحديث .. وما يفعله هذا الرجل في حل السحر من إحماء الحديدة بالنار وصب الماء المقروء فيه عليها لأجل حل السحر هو من هذا القبيل فلا يجوز ويجب منعه منه والإنكار عليه، وما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن بعض الأشخاص لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولا يعتمد عليه وكون هذا العمل قد يحصل به المقصود لا يدل على جوازه لأن ذلك قد يكون من باب الابتلاء والامتحان والاستدراج، فلا دليل إلا من الكتاب والسنة وحل السحر المباح هو ما كان بقراءة القرآن والأدعية المشروعة والأدوية المباحة كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم في الطب النبوي من زاد المعاد. والله تعالى أعلم.". (انتهى النقل)


#- قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على هذه الفتوى الموجودة على الإنترنت:

- اتفهم تخوف صاحب الفتوى من أن يكون طريقة فك السحر التي ذكرها الإمام بن حجر عن الإمام المستغفري عن الإمام نصوح بن واصل عن الإمام حماد بن شاكر .. هي ذريعة ومدخلا لبعض أهل زماننا لمزيد من الإنحراف .. فيتخذ البعض من هذه المجربات ذريعة لمجربات اخرى منحرفة ويقول انها مجربات كما كان يفعلها العلماء كالذين يمارسون الزنا واللواط ويلمسون النساء ويقول نفك السحر بذلك لأن الضرورات تبيح المحظورات .. وهم كذبة مجرمون.


- إذن: أتفهم خوفك واحترازك من وراء هذه التجارب.


@- ولكن من ناحية أخرى .. أنت تجاهلت وسيلة علاج لها نفع بطريق التجربة لمن حدث له أذى وضرر بسحر الربط .. فتكون بذلك أنت حرمته بما له فيه خير ومنفعة وعافية له لمجرد تخوف في نفسك أو رغبة عندك لسد ذريعة قد تكون بابا لخلط الحق بالباطل.


- ولكن هذا تفكير خطأ .. لأنك حرمت بعض عباد الله من دفع الضرر عن أنفسهم بعلاج كان من الممكن أن يكشف عنهم السوء .. وهذا في حد ذاته هو أذى بالناس .. وتغلق باب رحمة قد فتحه الله لهم .. لأنك أنت أردت ذلك .. وليس لك حجة في تحريم ما ذهبت إليه .. وليس لأن الدين يقول بذلك ..!!


- والغريب أنك تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز استخدام العلاجات ما لم يكن فيها شركا بالله ..!!

- فأي شرك هذا في الطريقة التي تعترض عليها وتحرمها ؟!!


- فإذا علمت أخي الحبيب .. أني أفهم تخوف صاحب الفتوى .. إلا أني اعترض على هذه الفتوى من عدة نواحي أذكرها لك ردا على صاحب الفتوى التي أحسبها لم يكن فيها توفيق ممن أفتى بها .. فأقول وبالله التوفيق:


1- نجد أن صاحب الفتوى قد ذكر أن (حل السحر بسحر مثله لا يجوز وهو من عمل الشيطان كما جاء في الحديث) .. وهذا كلام صحيح مائة في المائة .. لأنه أصلا غير معقول أن يتم السحر بسحر مثله .. لأن السحر ضرر وليس علاج .. والسحر صناعة شيطانية ..

- ولكن الإعتراض هنا: هو أين السحر المذكور في هذه الطريقة محل الفتوى والتي أساسها الطريقة التي ذكرها الإمام بن حجر عن أئمة في الدين.


- بل على منطق صاحب الفتوى .. فهو يشير بكلامه والمفهوم منه بجعل طريقة البول على الفأس الحامية من قبيل السحر .. فهذا معناه أن الإمام بن حجر قد نشر السحر بل وأجازه في كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري (وحاشاه لم يفعل ذلك) .. بل وأخذه عن سحرة وهم الإئمة الذين نقل عنهم (وحاشاهم لم يفعلوا ذلك) .. وهذا كلام لا يصح الإشارة به في حق عالم جليل كابن حجر ولا في غيره من الأئمة.


- وليس من حق صاحب الفتوى الطعن بالإشارة في علماء .. لعجزه عن فهم هذه المجربة التي ذكرها الإمام بن حجر أو الأئمة الذين نقل عنهم .. !! فهذا اتهام بالباطل وإن لم يتم التصريح به.


2- أليس من الغريب .. أن الإمام حمّاد بْن شاكر بْن سَوِيّة - أبو محمد النَّسَفيّ (المتوفى: 311 هـ) الذي ذكر طريقة النُّشرة الخاصة بالبول على الفأس الحامية .. والتي نقلها عنه الإمام جعفر المستغفري (432 هجرية) في كتابه الطب النبوي .. والذي نقل عن هذا الكتاب الإمام بن حجر العسقلاني طريقة (حماد بن شاكر) التي ذكرها المستغفري في كتابه الطب النبوي .. وقد توفى الإمام بن حجر سنة (852 هـ) .. ومنذ  وفاة الإمام حماد بن شاكر (311 هـ) حتى زمن هذه الفتوى التي أظنها متداولة في تاريخ 1420 هجريا .. أي خلال ألف ومائة سنة .. لم يطعن عالم في هذه الطريقة التي ذكرها الإمام حماد بن شاكر والتي نقلها عنه الإمام بن حجر في كتابه فتح الباري.. وهو الذي كتابه فتح الباري طاف بين أهل العلم شرقا وغربا وجعل الله فيه القبول .. حتى أتت هذه الفتوى الغريبة والشاذة لتتهم أن هذه المجربة التي ذكرها الإمام (حماد بن شاكر) والتي نقلها عنه الإمام (بن حجر) من قبيل السحر ..!!


- كيف يعقل هذا الكلام .. وكيف يصدق عاقل هذه الفتوى ..!! وكأن علماء المسلمين شرقا وغربا تعاموا عما ذكره بن حجر لمدة سبعمائة عام حتى جاء صاحب الفتوى ليفتى أن هذه طريقة السحرة ..!!

- فعجبا.


3- ومن الجهل الغريب أن لا يعرف صاحب الفتوى أن السحر يكون عن كلام منطوق بعزيمة روحانية مصحوبة بأدوات أو غير مصحوبة بأدوات .. فلابد من عزيمة روحانية وليس استخدام ادوات .. فأين العزيمة الروحانية السحرية التي نطق بها من اتهمه صاحب الفتوى بأنه يفعل أفعال السحرة ؟!!

- اللهم إن هذه فتوى باطلة ..!!

- وهذا جهل غريب جدا من صاحب الفتوى وخلط الحق بالباطل بسبب جهل المفتي ..، فهذه لا أظنها فتوى دينية وإنما فتوى شخصية .. لا معقولية فيها بل وفيها غرابة وجهل غريب بالعلم .. !!


4- ما ذكره صاحب الفتوى .. فيه مخالفة لأصول الدين التي أقرها النبي في العلاجات .. من أن من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل .. ما لم تكن طريقة فيها شرك أو كفر..، بل ولو كانت النشرة حرام على إطلاقها .. لكان قال النبي لعائشة حينما سألته (هلا – أي تنشرت) .. لكان أخبرها النبي أن النشرة حرام .. !! ولكنه لم يقل ذلك.

 

5- ولأنه أين دليل التحريم على هذه الطريقة أو أدواتها المستخدمة فيها ؟ وإلا تكون أيها المفتي قد حرمت ما هو حلال ومباح دون أن تنتبه ..

- وحينئذ هذا خطأ في الفتوى يجب تصحيحه حتى لا تمنع الناس منافع لهم .. فهذا فيه اعتداء منك عليهم .. إذ حرمت عليهم ما فيه منفعة لهم وهي حلال مباح لها فعلها .. وتعمدت أذى الناس بإبعادهم عن الإنتفاع بها لدرأ مفسدة عنهم بهذه الطريقة .. بسبب هوى في نفسك ..!!.


6- أما عن القول بأن هذه الطريقة (لا دليل عليها في الكتاب والسنة) ..

- فكما لا يخفى على مؤمن متعلم أن هذا لا يصح .. لأسباب منها:

أ- إذ ما علاقة طريقة علاج السحر التي ذكرها بن حجر بطلب دليلها من الكتاب والسنة .. !! فهل العلاج من السحر من أصول الدين ليطالب عليها الدليل من الكتاب والسنة ؟!

- بكل تأكيد .. لا.


ب- وهل قال الإمام بن حجر أو غيره ان هذه طريقة نبوية أو طريقة دينية .. حتى يقال أين الدليل .. ؟!!

- بكل تأكيد لم يحدث ذلك.. بل ذكر الدليل على أنها من النشرة المباحة والحلال وذكر دليل ذلك .. فلماذا تعاميت عن أدلة الإمام بن حجر في جواز استعمال النُّشرة بأسباب مباحة وهي في الأصل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث سهل بن حنيف والذي قيل فيه: (العين حق).


ج- وكأن صاحب الفتوى تعامي أو تغافل عما ذكره بن حجر من أدلة لجواز النشرة وبفعل النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يذكر هذه المجربة التي نقلها من كتاب الطب النبوي لأبو العباس جعفر المستغفري ..!!

- فما هذا الأسلوب الغير أمين في نقل العلم من صاحب الفتوى ؟!!


د- إذن: ما وجه التحريم إذا كانت الطريقة لا يوجد فيها شيء حرام .. فلا استخدام الحديد حرام .. ولا التبول عليه حرام ..!!


7- وعلى منطق صاحب الفتوى .. فشركات الحديد والصلب التي تقوم بتبريد الحديد بالماء فهي شركات ملعونة لعنة أبدية .. لأنهم يستخدمون نوعا من السحر لا نعلمه لتبريد الحديد بالماء .. وحسب عقلية صاحب الفتوى في إنكاره لهذه الطريقة .. فعليه أن يصف مصانع الحديد والصلب بأنها مصانع السحر في العالم لأنهم يطفئون الحديد بالنار حين تبريده ..!!


- إذن: الفتوى انتقلت من اللامعقول دينيا .. إلى الخرافة العقلية المحضة ..!!


8- ثم أقول على جزئية أن حل السحر يكون (ما كان بقراءة القرآن والأدعية المشروعة والأدوية المباحة) .. فهل حل النبي السحر الخاص به بالأذكار والقرآن ؟

- لم يحدث.

- وهل حلت السيدة عائشة السحر الخاص بها بالأذكار والقرآن ؟

- لم يحدث.

- وبالرغم من تعتيم صاحب الفتوى عن الأدوية المباحة وعدم توضيحها في فتواه .. ولكن نقول هنا: هل تسخين الحديد وإطفاءه بالماء حرام ...!! ولو حرام أي دليل التحريم ؟!! ولو حلال فلماذا حرمت الحلال ؟!!.

- أم أن هذه بدعة فقهية أو خطأ في الفتوى ..!!


9- وأقول على جزئية فك السحر (بالأدوية المباحة) .. فبنفس منطقك يا صاحب الفتوى .. على افتراض وجود هذه الادوية فما دليلك عليها من الكتاب والسنة أنها تفك السحر وتبطله ؟!!


10- ثم أقول على غرابة (الإحتجاج بكلام بن القيم) .. وكأن كلامه حجة شرعية .. ولكن هنا أحب أن أقول هنا لصاحب الفتوى .. أن الإمام بن القيم نفسه لم ينكر النشرة .. بل والإمام بن القيم نفسه قال: (والماء الذي يطفأ به الحديد يدخل في أدوية عدة طبيعية ذكرها الأطباء). (راجع الطب النبوي ص 128).


- فالذي جعلك تحتج بكلام بن القيم .. فعليك أن تجيز الطريقة التي ذكرها بن حجر بدلالة كلام بن القيم أيضا .

- مش كده ولا إيه ؟!


11- والأكثر غرابة وعجبا .. أن صاحب هذه الفتوى .. قد استدل في فتوى أخرى له .. بما رواه ابن ابي حاتم وابن كثير كطريقة لفك السحر بورق السدر مع قراءة ما يسمونه آيات فك السحر .. فلماذا لم يقول لنفسه (وأين الدليل على ذلك من الكتاب والسنة) ؟!!

- فما لك كيف تحكم يا صاحب الفتوى ..؟!!


12- وتبقى لي سؤال لصاحب الفتوى: هل تظن أن الإمام بن حجر كان جاهلا ليذكر هذه الطريقة لو كان فيها شبهة تحريم ؟

- والإمام حمّاد بن شاكر بن سَوِيّة الذي نقل عنه بن حجر هذه الطريقة نقلا من كتاب الطب للمستغفري .. هل كان هو أيضا جاهلا بالدين حتى لا يميز بين ما هو حلال وحرام وهو الذي روى صحيح البخاري والترمذي.

- بل وكذلك كل علماء المسلمين الذين أجازوا هذه الطريقة بذكرهم لها في كتبهم دون إنكار منهم عليها بالرغم من اختلاف أزمنتهم ..

- فهل كل هؤلاء العلماء .. كانوا جهلاء بالدين حتى من جهلهم لم يشيروا إليها بالإنكار ولا يعلمون أنها حرام كما أنت زعمت وأفتيت بما هو ظاهره فتوى بدعية لتحريم ما هو مباح وحلال ؟


- أليس غريب هذا الأمر منك هذه الفتوى .. إذ أن فيه شبهة اتهام لعلماء المسلمين بالجهل الديني .. وهذه شبهة قبيحة جدا منك وفيها اتهام وقح لعلماء المسلمين باشتراكهم في الجهل العام .. !


#- وخلاصة القول أخي الحبيب في النشرة التي ذكرها الإمام بن حجر:

- أين دليل النهي والتحريم لفاعل هذه الطريقة التي ذكرها الإمام بن حجر وفعلها خلق كثير وانتفعوا بها؟!! وهي "طريقة البول على الفأس المحمي بالنار لفك سحر الربط".

- فإن لم يكن الدليل موجود بالنهي عن هذا الفعل .. فالفتوى باطلة جملة وتفصيلا ومعارضة للنصوص الشرعية التي تجيز نفع الغير بدون مخالفة شرعية مثل قول النبي (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) صحيح مسلم.


- نحن نتكلم عن دفع أذى روحاني بأدوات مباحة لا شبهة فيها ولا حرمانية فيها ..، وليس نتكلم عن مسألة دينية ليقال أين الدليل من الكتاب والسنة عليها .. وتجعل من هذا دليلا وحجة شرعية .. !!!!


- فهذا استدلال غريب في الفتوى لتجعل منه حجة شرعية .. إذ أن هذا ليس دليل نهي وتحريم لتحرم بالمزاج والهوى النفسي .. فللمفتي أن يعترض لو كانت هذه الطريقة فيها مخالفة شرعية أو تعارض العقل أو لا دليل على ثبوت سحر ليكون له ثبوت على وجود نتيجة لهذه الطريقة أو الطريقة فيها احتيال مادي أو انحراف جسدي أو سوء سلوك اجتماعي .. !! ولكن هذا لا علاقة له بما جاء في الطريقة التي ذكرها لإمام بن حجر.


- وللمفتي أن يقول (لا دليل عليه من الكتاب والسنة) لو كان فعل ديني منسوب للدين وليس من الدين .. أو فعل دنيوي غلط البعض وربطه بفعل نبوي .. أو لو وجدت قرينة تستخدم لفعل مشابه قد فعله النبي في نفس الموقف محل الفتوى.


- وهنا توجد قرينة من فعل النبي في نفس الموقف وذلك وقت أن تم السحر له فهو لم يستخدم الأذكار لفك السحر الخاص به كما تدعي يا صاحب الفتوى أن السحر يحل بالأذكار بل ولم يستخدم حتى أدوات طبيعية حتى تزعم أن هذه فقط طرق فك السحر .. ولم تتخذ السيدة عائشة من الأذكار وسيلة لفك السحر واستخدمت الاغتسال بماء آبار .. فظهر أن فتواك باطلة لكل ذي عقل رشيد وقلب سليم .. إذ ليس دائما تكون الأذكار حلا لجميع الناس لضعف همتهم .. وليس لأنه ليس للأذكار قوة في إبطال السحر ..


@- وأزيدك سيدي المفتي علما وبصيرة .. في أن عطاء الله للمؤمن وغير المؤمن .. فإذا كان المؤمن له أذكار .. فقد جعل لغير المؤمن من أسباب الحياة ما يدفع به أيضا شر السحر .. فحاول أن تنتبه لقوله تعالى: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) الإسراء:20 .. فالعطاء الدنيوي لجميع الخلق .. والدواء والعلاج من العطاء الدنيوي مثل الشمس والقمر والهواء والبحر والأنهار ومياه الآبار ورمال الصحراء وكل موجودات الحياة التي وهبها الله في الوجود لجميع الخلق.


- والمفيد من كل ما سبق .. عن الطريقة التي ذكرها الإمام بن حجر .. أنها ليست مخالفة لما عليه أصول الدين من القرآن وأحاديث النبي وفعل بعض الصحابة وفتاوى التابعين.


- تبقى أن أذكر نفسي وصاحب الفتوى بقوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) النحل 116.

- هذا والله أعلم. 

========

#- سادسا: ما حقيقة ومعنى الحديث النبوي الذي جاء فيه أن النشرة من عمل الشيطان ؟


1- جاء في (حديث محتمل صحته) .. عن عَقِيلُ بْنُ مَعْقِلٍ قَالَ سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّشْرَةِ، فَقَالَ: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) رواه أحمد وغيره .. وقال محققو المسد: إسناده صحيح.


#- (قلت خالد صاحب الرسالة): هذا التصحيح من محققي المسند فيه نظر .. وأجد في الرواية علتان:

- العلة الأولى: قال الإمام العلائي رحمه الله (المتوفى: 761هـ) قال في ترجمة "وهب بن منبه" نقلا عن الإمام يحيى بن معين أنه قال عن وهب بن منبه ما هو لفظه: لم يلق "جابر بن عبد الله" .. إنما هو كتاب .. وقال في موضع آخر هو صحيفة ليست بشيء. (جامع التحصيل ج ص ترجمة رقم 862).


- وقد أشار لإعلال هذا الحديث .. الإمام مقبل الوادعي رحمه الله في كتابه "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" .. عند الحديث رقم (88) ج1 ص94 .. واستدل بكلام الإمام العلائي السابق ذكره.


#- العلة الثانية: هو أن رفع الحديث للنبي هو غير صحيح .. بل هو أثر موقوف على رأي الصحابي جابر بن عبد الله ودليل ذلك هو ما جاء في (أثر موقوف صحيح) .. عن عَقِيلُ بن مَعْقِلٍ، عَن هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: (سُئِلَ جَابِرُ بن عَبدِ اللهِ عَنِ النَّشْرِ، فَقَالَ: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) رواه عبد الرزاق في مصنفه.. موقوفا على كلام الصحابي جابر بن عبد الله .. وليس مرفوعا للنبي.


- فالراوي (عقيل بن معقل) .. مرة رواه موقوفا على طريق همام بن منبه .. ومرة رواه مرفوعا من طريق وهب بن منبه .. وستلاحظ تعارض بين سند الروايتين .. أحدهما مرفوعة منسوبة لقول النبي والرواية الأخرى موقوفة منسوبة لقول الصحابي وبنفس الألفاظ .. والموقوف أظهر وأصح خاصة بما ذكره العلائي عن يحيى بن معين في أن وهب بن منبه لم يلقى الصحابي جابر بن عبد الله .. وما جاء في سند الرواية المرفوعة من أن وهب بن منبه يحدث عن جابر .. فهذا التحديث هو وهم من عقيل بن معقل أو عمن قبله في السند .. والله أعلم.


2- ولكن ممكن أن يؤكد صحة الحديث السابق بالحديث التالي ..

#- جاء في (حديث صحيح) .. عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ النُّشْرَةِ، فَقَالَ: (ذَكَرُوا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) رواه الحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح .. ووافقه الذهبي فقال: صحيح .. (قلت خالد صاحب الرسالة): وهو خبر صحيح.


3- وجاء في (أثر حسن) .. عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: (سَمِعْتُ الْحَسَنَ .. وَسُئِلَ عَنِ النُّشَرِ .. فَقَالَ: سِحْرٌ) رواه بن أبي شيبه .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر حسن لأن الحكم بن عطية وإن كان مختلف عليه في ضعفه وتوثيقه إلا أن الرواية هنا عمن قابله وسمعه وأخذ منه العلم وهو الحسن البصري .. وليس حديث نبوي..

- وكلام التابعي الحسن البصري ليس حجة شرعية .. وإنما رأي اجتهادي منه رحمه الله.


#- وعموما على افتراض صحة حديث جابر بن عبد الله .. بحديث أنس بن مالك .. إلا أن غالب علماء الدين على أن هذا الحديث يتعلق بنُشرة الجاهلية.


@- في شرح هذا الحديث قال العلماء الآتي:

أ- قال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله (المتوفى 656 هـ):

- قال بعض علمائنا: هذا محمول على أنها خارجة عمَّا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. وعن المداواة المعروفة .. والنُّشرة من جنس الطب.

- قلت: ويتأيَّد هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا بَأْسَ بالرُّقَى ما لَمْ يَكُنْ فيه شِرْكٌ) رواه مسلم .. ، و (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُم أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ) رواه مسلم. (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ج 1 ص 590 - مع توضيح أن آخر حديثين رواهما مسلم وهما حديثين صحيحين).


ب- قال بن القيم رحمه الله (المتوفى: 751 هـ) في حديث (النشرة من عمل الشيطان):

- وَالنَّشْرَةُ: حل السحر عن المسحور .. وهي نوعان:

- الأول: حل سحر بسحر مثله .. وهو الذي من عمل الشيطان .. فإن السحر من عمل فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب .. فيبطل عمله عن المسحور.


- والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة .. فهذا جائز .. بل مستحب. (إعلام الموقعين ج 4 ص 301).


ج- قال الإمام بن رسلان الرملي رحمه الله (المتوفى: 844 هـ):

- النشرة التي قال فيها: (إنها من عمل الشيطان) .. إنما أراد بها النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به ويعتقدون أنه يشفيهم من مرضهم. (شرح سنن أبي داوود ج 15 ص 569).


د- قال الإمام بن حجر العسقلاني رحمه الله (المتوفى: 852 هـ):

- يجاب عن الحديث والأثر بأن قوله (النشرة من عمل الشيطان) إشارة إلى أصلها .. ويختلف الحكم بالقصد فمن قصد بها خيرا كان خيرا .. وإلا فهو شر. (فتح الباري ج10 ص233).


@- قلت (خالد صاحب الرسالة): لي رأي في فهم هذا الحديث وملاحظات أذكرها لك أخي الحبيب.

1- معنى أن النشرة (من عمل الشيطان): أي تزيينا وتحريضا على فعلها .. أو أن هذه النشرة من يفعلها فهو يفعل عملا من أعمال الشيطان فيه شر وضلال وانحراف أي فعلها مخالف للدين .. ومقصد الحديث هو الكلام عن النشرة المحرمة التي فيها عصيان لله.


- وإذا كان التابعي الحسن البصري .. أشار إلى أن النُّشَرة هي سحر .. فهذا كلام غير صحيح على إطلاقه .. إلا كان يقصد نوعا من النشرة كان في زمنه يتعلق بالذهاب إلى السحرة .. فيكون كلامه صحيح .. ولكن يكون كلامه غير صحيح لو أراد أن النشرة معناها السحر .. فهذا غير معقول أصلا ولا يمكن قبوله .. لأن النشرة طريقة علاج قد تكون هذه الطريقة مباحة أو محرمة .. وهذا يتوقف على وصف هذه الطريقة.


- ففرق بين أن يقال أن الدواء معناه الأذى .. وبين أن يقال أن الدواء منه ما قد يؤذي .. فافهم.


- ومن يظن من كلام الحسن البصري أن النُّشر هي سحر بمعنى كل ما يأخذ وصف النُّشرة .. فهذا كلام باطل وساقط .. وفيه اتهام لكلام السيدة عائشة لما قالت للنبي (هلا تنشرت) .. وفيه اتهام لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الصحابي سهل بن حنيف الذي أصيب بالعين وعالجه بوضوء من أصابه بالعين .. بل وفيه اتهام بالباطل على علماء اللغة بكونهم جهلة إذ لم يقل أحد أن النشرة هي السحر بل طريقة علاج .. وفيه اتهام لعلماء الدين المسلمين ووصفهم بالجهالة اتفاقا بينهم لأن علماء المسلمين على أن النشرة منها ما هو حلال ومنها ما هو حرام ..!!


- ولذلك قول الحسن البصري .. بلا ريب كان يقصد به النشرة التي يقوم بها السحرة لمن يذهبون إليهم .. إذ لا يعقل خلاف ذلك المقصد كما سبق وأوضحت.


@- ومجمل القول: إذا كان حديث نهي النبي عن النُّشرة التي سُئل عنها .. لم يظهر في الحديث وصف ماهية هذه النشرة المنهي عنها والتي قيل عنها أنها من عمل الشيطان .. إلا أن الظاهر من الحديث أنها كانت نُشرة معلومة للنبي وللحاضرين معه فأنكرها الجميع مثل نُشرة الساحر وما يشابهها مما فيه عصيان لله.

- إذن: طالما النبي وصف النُّشرة .. بكونها نشرة شيطانية .. فإن فيها مخالفة وعصيان لله .. فكان كل نُشرة فيها عصيان لله بالقول أو الفعل فهي من عمل الشيطان .. وهذا هو قانون التحريم النبوي في هذه المسألة أن تكون من عمل الشيطان أي فيها عصيان لله بالقول أو الفعل أو كلاهما .. سواء كانت هذه النُّشرة من خلال ساحر أو غير ساحر. - هذا والله أعلم. 


@- ومن ناحية أخرى .. نجد أن النبي والصحابة والتابعين قد استخدموا النُّشرة وأجازوها طالما فيها نفع للناس .. بشرط خلوها مما فيه أي شبهة حرام أو ضرر أو تضليل أو نصب واحتيال على أموال الناس بالباطل من خلال خداعهم بوجود أسحار وما شابه.

 

- فعلمنا مما سبق .. أن النشرة منها ما هو حرام مثل من يذهب للسحرة ليفكوا له السحر بالسحر .. ومنها ما هو مباح وهو ما خلا من أي قول أو فعل محرم.


2- من ناحية أخرى .. الذي لاحظته من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل السيدة عائشة وفعل التابعين ومن بعدهم .. أن النشرة دائما تكون غالبا (وليس دائما) مرتبطة بالماء .. سواء ماء أنهار أو ماء آبار .. أي ماء طبيعي جدا .. وأحيانا من مياه آبار مخصوصة يتم التوصية بها من خلال رؤيا منامية مثلا كما حدث مع السيدة عائشة.


- ومع هذه المياه المستخدمة يتم إضافة مكونات أخرى مثل زيت الورد أو الملح أو غير ذلك .. وأحيانا يكون الماء مخلوط بوضوء شخص في حال كان حاسدا كما سبق وشرحنا ذلك.


- وأحيانا تكون النُّشرة بوسائل طبيعية أخرى مثل التسخين الحديد وإطفاءه في النار والشرب من هذا الماء .. أو إطفاءه وجعل البخار الصاعد يدخل بين الرجلين .. أو التبول على الحديد الساخن جدا لو كان الشخص مربوط بسحر ويحدث ارتخاء لعضوه كلما اقترب من زوجته دون أي سبب عضوي أو نفسي.


- وتوجد نشرات بالرقية فقط .. والرقية توصف بالرقية لو كانت كلاما منطوقا فقط .. وإن اختلطت بوسائل طبيعية فتسمى طريقة علاج.

 

3- والذي لاحظته من خلال بحثي العلمي .. أن لفظ النُّشرة تم استبداله بلفظ المجربات .. منعا للمجادلة بالجهل لفهم المقصود بحديث أن النُّشرة من الشيطان .. فتم تغيير اللفظ إلى لفظ المجربات .. وأيضا لسهولة نطقه وفهمه لأن لفظ (النُّشرة) غريب على المسامع وغريب فهمه.


4- ولا يخفى على مؤمن .. أن الشيطان يحرض البعض على فعل النشرة (وفي زماننا تحت مسمى المجربات) .. ويبرر ويزين لهم أنها طرق علاجية ولابد من فعلها .. حتى ولو كانت فيها من منكرات لا يحبها الله .. تحت مبرر "الضرورات تبيح المحظورات .. والله غفور رحيم" .. فالشيطان يعظ ويبرر لك ليحرضك على فعل الحرام ولكن بأسلوب ديني يقنعك به .. وغالبا ما يقوم بذلك هو شيطان الإنس ممن يصف نفسه راقي أو روحاني أو شيخ معالج أو فقيه معالج .. ممن استحوذ الشيطان على نفوسهم وأضلوا الناس وكذبوا عليهم وأوهموهم أنهم مصابين بمس شيطاني أو سحر أوقف حالهم أو حسد منعهم التوفيق ..!! بخلاف خرافات نشروها لتخويف المؤمنين بالشيطان فنشروا فيهم أن الشيطان يمكن أن يفعل فيهم كذا وكذا .. ووصفوا الشيطان بأوصاف ليهابها المؤمن ومن ذلك (شيطان عاشق – وشيطان خادم سحر – وشيطان خادم حسد – وشيطان التابعة – وشيطان وقف الحال وما شابه ذلك) .. والله من ورائهم محيط بما ينشروه بين المؤمنين لتعظيم الشيطان في نفوسهم ليستولوا على أموالهم وإلا فماذا يخيفون الناس بالشيطان ويعظمون من قدراته ؟!.


5- وفي زماننا هذا للنشرة أمثلة أخرى غير نشرة الساحر .. منها على سبيل المثال: مثل من يتخذ النشرة الفعلية المحرمة بالزنا واللواط وسيلة علاج من السحر والأمور الروحانية فيأخذ المني النازل ويمسح به نفسه أو يخلطه بكتابات محرمة وطلاسم سحرية ويكتب به على جسمه .. أو يستخدم الذبح لغير الله ويأخذ الدم ويمسح به المصاب بالسحر .. أو من يقوم بكتابة طلاسم وأوفاق وعزائم سحرية على أجساد النساء وهن عرايا .. وكلها أفعال محرمة وفيها عصيان لله.


6- وأقول لك أخي الحبيب: ليست المشكلة في وجود نُشرة .. وإنما المشكلة في تحديد هل هي مباحة أم محرمة أم مضللة ؟ ولو محرمة فما دليل التحريم فيها ؟ ولو مضللة فما دليل التضليل.

- ولا يقال أين دليل الإباحة .. لأن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما يحرمه النص القرآني أو ما صح عما بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم.


7- وأخيرا أخي الحبيب .. أجد في نهي النبي عن النُّشرة .. فيه تحذير لتكون حويطا وحذرا من طرق النُّشرة أو ما يسمى في زماننا بالمجربات .. إذ أن الشيطان يتصيد بها أصحاب الأهواء والإنحراف  ويزين ذلك في نفوسهم .. فانتبه ولا تتبع ما فيه معصية أو مخالفة لله حتى لا تكون من النادمين .. والله أعلم.


#- فإذا علمت أخي الحبيب بما جاءك في هذا الفصل من معرفة:

- فهذا أوان أن أذكر لك في الفصل القادم إن شاء الله .. المجربات في فك سحر المربوط عن زوجته والمربوطة عن زوجها .. والله ولي التوفيق.

*****************
يتبع إن شاء الله تعالى
*****************
والله أعلم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
هذه الرسالة وكل مواضيع المدونة مصدرها - مدونة الروحانيات فى الاسلام -  ولا يحق لأحد نقل أي موضوع من مواضيع أو كتب أو رسائل المدونة .. إلا بإذن كتابي من صاحب المدونة - أ/ خالد أبوعوف .. ومن ينقل موضوع من المدونة أو جزء منه (من باب مشاركة الخير مع الآخرين) فعليه بالإشارة إلى مصدر الموضوع وكاتبه الحقيقي .. ولا يحق لأحد بالنسخ أو الطباعة إلا بإذن كتابي من الأستاذ / خالد أبوعوف .. صاحب الموضوعات والرسائل العلمية .

هناك 6 تعليقات:

  1. ماشاء الله ..
    ربي زدنا علما
    وزادك الله نورا استاذنا الفاضل
    آمين يارب العالمين

    ردحذف
  2. جزاك الله خيرا استاذنا اول مره اقرء او اعرف حاجه زي كده ربنا يبارك فيك

    ردحذف
  3. جزاك الله كل خير أستاذنا الفاضل وأمدك بمدده وفتح عليك بكل الخير
    ليس كل تأخيرٍ منع، ولا كل صمتٍ إهمال… فبعض الفتح يُؤخَّر لأنك لم تتهيأ له بعد.
    تطلب وتنتظر، وتدعو ولا ترى أثرًا، فتظن أن الباب أُغلق… بينما الحقيقة أن يدًا خفية تُعدّك لما طلبت.
    لأنك لو أُعطيت الآن… لأخذت بنصيب نفسك، لا بنصيب القرب.
    فيُؤخَّر عنك، لا ليحرمك، بل ليُنقّيك من كل ما يشوب قصدك.
    فاصبر… فبعض العطاءات لا تأتي إلا بعد أن تصبح أنت أهلًا لها.منقول

    ردحذف
  4. لا تجادل 'نبض قلبك' حين ينقبض من أمرٍ ما، حتى لو كانت كُلُّ الحجج المنطقية في صالحه؛ فقلبك هو 'بوصلتك الحقيقية' التي لا تضلل في فيافي الحيرة. تعلّم أنَّ السلامة في 'الانقباض' خيرٌ من الندم بعد 'الانبساط'. إذا لم يطمئن قلبك لِشخصٍ أو لِعرضٍ أو لِطريق، فاعتزل بوقارك؛ فالعينُ قد يغشيها الطمع أو يبهرها الزيف، أما الروحُ فلا تخون صاحبها أبداً. اجعل من 'الراحة النفسية' شرطاً أساسياً لِكُلِّ عقدٍ تبرمه أو علاقةٍ تبدأها؛ فمن استفتى قلبه وأطاعه، نجا من مرافئ الغدر ووصل لِبر الأمان."

    ردحذف
  5. لا تكن كتابا مفتوحا لكل عابر ومار،
    امنح حروفك لمن يقرأك بصدق وامعان، لا بعجلة واستخفاف،
    وكن كالسر الغامض لمن يتصفحك بدافع الفضول، فذاك ملول سيتركك على الرف مع أول السطور،
    فهناك من يعلم أن الحرف روح، ما خطت وباحت إلا بعد أن نضجت بالألم وصدقت في الشعور،
    وذلك وحده من يصون الروح، حتى دون أن تبوح،
    وهناك من يستهين بالسطور،
    وهناك من يتلذذ بالتمزيق والاحراق،
    وهناك من يمر مرور الكرام، يقرأ ولا يدرك المعنى،
    وهناك من يتأنى فيقرأ ما بين السطور،
    فكن كما أنت، لا تغيرك عيون لا تبصر،
    ولا تمنح بريقك لمن لا يقدر،
    ولا تقلقك أيد لا تعرف قيمة ما تلمس،
    فالحرف روح، فاعطه لمن يصون بوح الروح

    ردحذف
  6. جزاك الله خيرا كثيرا استاذ خالد
    اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم

    ردحذف

ادارة الموقع - ا/ خالد ابوعوف