بسم الله الرحمن الرحيم
..:: رسالة طرق العلاجات الربانية ::..
- من القرآن والأحاديث النبوية -
(الفصل السابع والأربعون)
******************************
:: الفصل الحادي والأربعون ::
:: تابع/ الطريقة العلاجية التاسعة والثلاثون ::
الجزء الثالث: الدليل على إمكانية استخدام طرق علاجية غير
تعبدية في علاج سحر الربط وغيره من الأسحار والإصابات الروحانية.
****************
#- فهرس:
1- س7: ما هي الأدلة على إمكانية استخدام المجربات في فك
السحر وطرد المس وإبطال العين والعلاجات بصفة عامة ؟
#-
أولا: أباح النبي صلى الله عليه وسلم استخدام الوسائل التي
فيها معونة لدفع الضرر عن الناس ما لم يكن فيها شرك.
#-
ثانيا: ما جاء عن بعض الصحابة في استخدام المجربات في العلاجات.
#-
ثالثا: ما جاء عن بعض كبار التابعين في استخدام المجربات في
العلاجات من خلال فتاويهم.
#- رابعا: معنى حديث جاء فيه أن النُّشرة من عمل الشيطان.
**********************
:: الفصل الحادي والأربعون ::
تابع- ج3/ الطريقة العلاجية التاسعة والثلاثون
****************
..:: س7: ما هي الأدلة على إمكانية استخدام المجربات في فك السحر
وطرد المس وإبطال العين والعلاجات بصفة عامة ؟ ::..
#- أخي الحبيب ..
-
توجد طرق ذات تجربة يمكن استخدامها في فك سحر الربط للمعقود عن
زوجته والمعقودة عن زوجها .. وسأذكر لك منها إن شاء الله ما هو محقق النتيجة بإذن
الله.
-
ولكن أولا .. سأذكر الأصل النبوي في هذه المسألة .. ثم أذكر لك أثر
عن بعض الصحابة .. ثم أثر عن بعض التابعين .. ثم أثر عن كلام بعض العلماء .. عن
المجربات .. وذلك ليطمئن قلبك أخي الحبيب .. بعض مما قاله السلف في مسألة العلاجات
بالمجربات .. وسأكتفي بأثر واحد لكل ما سبق.
- وإليك بيان ما أخبرتك به .. لتطمئن ..
=============
#- أولا: أباح النبي صلى الله عليه وسلم استخدام الوسائل التي فيها معونة لدفع الضرر
عن الناس ما لم يكن فيها شرك.
1-
الدليل الأول: عن الصحابي جابر بن عبد الله
قال: (لَدَغَت رَجُلًا مِنَّا عَقرَبٌ ونَحنُ جُلوسٌ مع رَسولِ
اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ..
-
فقال رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ .. أرقي ؟
-
قال: مَنِ استَطاعَ مِنكُم أن يَنفَعَ أخاه فليَفعَلْ) صحيح مسلم.
2-
الدليل الثاني: وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(لا بَأسَ بالرُّقى ما لَم يَكُنْ فيه شِركٌ) صحيح مسلم.
@-
إذن: ما سبق فيه إذن عام من النبي صلى الله عليه
وسلم باستخدام ما فيه فائدة ونفع ومساعدة للغير .. شرط أن لا يكون فيه أي
رابطة بالشرك والكفر بالله.
3-
الدليل الثالث: وفي حديث قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم
بعد أن أمر النبي بإخراج السحر من مكانه .. قالت عائشة: (فقلت: يا رسول الله، فهلا نشرت ؟ فقال: أما الله
فقد شفاني ، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس منه شر) مستخرج بن أبي عوانة .. بسند صحيح أصله في البخاري..، (وقال محقق هذا
الحديث في مستخرج أبي عوانة) أنه وجد: في الطبعة
التي عليها عمدة القاري -كتاب الطب، باب هل يستخرج السحر (17/ 424): (أما والله فقد شفاني الله). فإن ثبتت فيستقيم
الكلام. (راجع تحقيق
هذا الحديث في مستخرج أبي عوانة عند الحديث برقم 9603 ورقم 9604 الجزء
"17" لمحققه الدكتور أحمد بن حسن الحارثي).
- معنى قولها (فهلا نشرت) أصلها (تنشرت): أي اتخذ من النُّشرة وسيلة علاج لك بعدما تبين
لك أنه تم السحر لك .. وكلمة (هلا) للدلالة على الحث والسرعة في فعل النشرة ..
مثلما تقول لشخص عرف أنه مريض بالسعال: هلا اتخذت دواء السعال ليشفيك الله به ..
أي أسرع باتخاذ العلاج المناسب لمرضك.
#- وقال
الإمام بن بطال رحمه الله (المتوفى:449 هـ):
- وقولها للنبي: (هلا تنشرت) يدل على جواز النشرة كما قال "الشعبي"
..، وأنها كانت معروفة عندهم لمداوة السحر وشبهه .. ويدل قوله عليه السلام: (أما الله فقد شفاني) وتركه الإنكار على عائشة على جواز استعماله لها لو لم
يشفه .. فلا معنى لقول من أنكر النشرة. (شرح بن بطال على صحيح البخاري ج9 ص446).
- يقصد الإمام بن بطال
رحمه الله من
كلامه: أن
النُّشرة لو كانت لا يصح استخدامها .. لكان النبي نهاها عن ذلك وأنكر عليها .. بل
ودل على أنه لو لم يتم شفاءه لكان استخدمها ولا حرج في ذلك .. والله أعلم.
- وإذا كنا لا نعرف طريقة النشرة التي قصدتها السيدة عائشة إلا أنها طريقة من
تجارب الناس وليست طريقة تعبدية وإلا كان فعلها النبي صلى الله عليه وسلم.
#-
معلومة هامة:
-
المقصود بالنُشرة .. هي ضرب من الرقية والعلاج لمن كان يظن أن به
إصابة من السحر أو مس من الجن أو الحسد .. وهذه النُّشرة قد تكون برقى لفظية .. أو
مواد طبيعية من الطبيعة كالماء والتراب والملح وما شابه ذلك من أسباب الماديات
الطبيعية المباحة وليس المحرمة كالخمرة وما فيه ضرر للبدن.
-
وسميت النُّشرة بهذا الإسم: لأنه يتم بها تنشير الأذى عن جسم المصاب
بضرر من الجن أو السحر .. والمقصود بالتنشير هو صرف أو طرد أو تفرقة الداء عن جسم
المصاب .. كما تتفرق وتتساقط نشارة الخشب عند قطعه بالمنشار ..، ومنه منشر الغسيل
أي حبل الغسيل الذي يتم نشر الغسيل عليه ليتساقط الماء وينفصل عن الغسيل حتى يجف.
4-
الدليل الرابع: استخدم النبي صلى الله عليه
وسلم طريق النُّشرة أيضا أي طريقة من طرق العلاجات الغير تعبدية
في علاج أحد الصحابة من الحسد.
-
فجاء في قصة الصحابي الذي أصاب صحابي آخر بالحسد .. فعَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ: سَمِعَ
أَبَاهُ يَقُولُ: (اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ
بِالْخَرَّارِ، فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ
يَنْظُرُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ.
-
فَقَالَ لَهُ عَامِرٌ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلَا جَلْدَ عَذْرَاءَ.
-
فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ، وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ .. فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أي جاء للنبي مرسال من سهل) .. فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا
قَدْ وُعِكَ .. وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ (أي كان على موعد مع النبي
ولكنه أصابه مرض منعه من الذهاب مع النبي).
-
فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ
الَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرٍ.
-
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَامَ يَقْتُلُ
أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟ أَلَا بَرَّكْتَ .. إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ .. تَوَضَّأْ لَهُ
.. فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ .. فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) رواه الطبراني وبن حبان ..
وقال الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين، وقال الألباني: صحيح.
#- من معاني ألفاظ الحديث السابق:
-
وقوله (الْخَرَّارِ): عين ماء جارية مكانها بالجحفة
وتسمى وادي الخرار .. ولعل الصحابي كان يغتسل بوضع الماء تبريدا على جسمه من الحر
.. وسميت عين الماء الجارية بالخرار بسبب خرير الماء الذي هو صوت الماء.
-
وقوله (فوعك): أي سقط متألما في مكانه لا يتحرك من
الألم .. وكأن طلقة رصاص أصابته.
-
قوله (غير رائح): أي لا يستطيع أن يذهب إلى
النبي ليذهب معه في مشوار قد اتفقا عليه.
-
قوله (يقتل أخاه): تشبيه الحسد بالقتل .. لما في
الحسد من ضرر قد يؤدي إلى الموت فعلا.
-
قوله (ألا بركت): أي حينما رأيت ما يعجبك كنت
تقول: تبارك الله .. او تبارك الله احسن الخالقين.
-
قوله (العين حق): أي الإصابة بالعين لها حقيقة
وجودية ثابته لها تأثير على النفوس والماديات ..
-
قوله (فتوضأ له): أي أن النبي أمر عامر بأن
يتوضأ لمن أصابه بالعين.
-
قوله (ليس به بأس): أي فحين أغتسل سهل بوضوء عامر
.. وصبه على نفسه .. حتى زالت عنه علة المرض وكأن لم يكن به شيء.
#- ومن الحديث السابق يظهر أن النبي صلى الله عليه
وسلم استخدم طريقة ليست قرآنية
ولا دعائية ولا تعبدية .. بل وصفة كان فيها علاج للمصاب بنظرة الحسد ..
طالما أن هذه الطريقة ليس فيها ما هو محرم فعله.
#-
وانتبه أخي الحبيب لشيء مهم في
الحديث السابق:
-
أن هذا الحديث يوضح أن الشيطان لا شأن له بعملية الحسد كما
يزعم البعض أن الشيطان هو الذي يسبب ضرر الحسد .. لا .. بدليل:
أ-
قول النبي (فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ) .. ولم يقل ارقوه من إصابة
الشيطان .. ولو كان الشيطان وسيط لكان قال استعيذوا من الشيطان.
ب-
وقوله (علام يقتل أحدكم أخاه) .. فنسب الفعل للإنسان ..
ج-
وقوله (العين حق) .. فنسب الفعل لعين الإنسان ..،
ولو لم تكن عين الإنسان مرسال لطاقة الشر
المودعة فيه .. فلماذا قال النبي (العين حق) ؟!!
د-
ولو كان للشيطان شأن في هذا الموضوع لكان النبي قال ..
فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم بدلا من قوله (ألا برَّكت) .. !!
هـ-
وإذا لم تستوعب كل ما سبق .. فيكفيك قوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا
حَسَدَ) الفلق:5 .. فنسب الحسد لنفس الفاعل وليس لغيره.
@-
أما عمن يظن أن الشيطان ينفذ حسد الحاسد .. فهو استدل بما جاء في (الحديث الضعيف) الذي رُوي عن النبي وجاء فيه: (الْعَيْنُ حَقٌّ .. وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ) رواه أحمد .. ، وقال محققو المسند: إسناده منقطع، مكحول لم
يسمع من أبي هريرة. وقوله: "العين حق" فقط صحيح..، وهذا الحديث ضعفه
الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة.
-
(قلت خالد صاحب الرسالة): حتى لو صح الحديث .. فلفظ
الحديث يقول أن العين حق .. أي العين بذاتها لها تأثير .. ويحضر بها الشيطان أي
تكون سبب حضور للشيطان مثل أي فساد محتمل حدوثه فالشيطان يحضر ليزين للمفسد إفساده
.. فحينما يجد الشيطان نفس ابن آدم ترغب في شيء فهو يحضر ليوسوس في نفس ابن آدم
ليحسد .. وليس لأنه ينفذ حسد ابن آدم نيابة عنه ...!! على افتراض لو صحت الرواية
التي هي ضعيفة أصلا ..!!
-
إذن: هذا جهل غريب في الفهم أن يظن أحد أن الشيطان ينفذ حسد
الحاسد .. إذ كيف يعرف الشيطان ذلك وفي أي شيء هو يحسد الحاسد .. إلا لو قيل أن
الشيطان عليم بما في الصدور .. وهنا نكون دخلنا في عالم الخرافات بتعظيم قدرات
الشيطان ؟!!
==============
#- ثانيا: ما جاء عن بعض الصحابة في استخدام المجربات في العلاجات.
-
من الآثار المروية عن السيدة عائشة .. أنها أشارت على بعض أهل
العراق باستخدام نهر الفرات كنُشرة .. في التعافي من
إصابات السحر أو الحسد أو أصابته حرارة الشمس بقوة أو ظهرت بثور أو قروح في جسمه
..
#-
جاء في (أثر
صحيح) .. عن "عبد الله" ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ "النخعي"، عَنِ الأَسْوَدِ "بن يزيد بن قيس": (أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ
عَائِشَةَ سُئِلَتْ عَنِ النُّشَرِ ؟ فَقَالَتْ: مَا تَصْنَعُونَ بِهَذَا ؟ هَذَا
الْفُرَاتُ إِلَى جَانِبِكُمْ .. يَسْتَنْقِعُ فِيهِ أَحَدُكُمْ سَبْعًا
يَسْتَقْبِلُ الْجِرْيَةَ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم 23513.
#-
وجاءت الرواية بلفظ آخر في (أثر حسن) .. عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ
"النخعي"، عَنِ الأَسْوَدِ "بن يزيد النخعي"، عَنْ عائِشَةَ
قَالَتْ: (مَنْ أَصَابَهُ بُسْرَةٌ أَوْ سُمٌّ أَوْ سِحْرٌ
فَلْيَأْتِ الْفُرَاتَ .. فَلْيَسْتَقْبِلِ الْجِرْيَةَ، فَيَغْتَمِسْ فِيهِ
سَبْعَ مَرَّاتٍ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم 23517 ..
، (قلت خالد صاحب الرسالة): الأثر حسن السند .. ، بالرغم
من عنعنة سليمان الأعمش .. إلا أن عنعنته مقبولة في مشايخه الذين يروي عنهم بكثر
مثل إبراهيم النخعي.
-
والأثر السابق .. مرة تم كتابته بلفظ (بسرة) ومرة (نشرة) على اختلاف طبعات.
#- من معاني ألفاظ الروايات:
أ-
معنى (النُّشَر): هو جمع كلمة نُشرة .. وسبق
الكلام عليها منذ قليل عند شرح حديث قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- ولو لفظ الأثر (أَصَابَهُ بُسْرَةٌ أَوْ سُمٌّ أَوْ
سِحْرٌ): فمعنى (بُسْرَة) هنا قد يكون المقصود أصابه (بسرة) أي قرحة أو خراج وهو مشتق من
الباسور .. وكأن مياه النهر يجد منها شفاء لذلك .. ولعل لفظ (بُسرة) كان في أصله
(بثرة) بمعنى دمل أو خراج .. ولكن تم تصحيفها أثناء كتابة الناسخ إلى كلمة (بُسرة)
.. والله أعلم.
-
ولو لفظ الأثر (أَصَابَهُ نُشْرَةٌ أَوْ سُمٌّ أَوْ
سِحْرٌ): فيكون المقصد الإصابة بنشرة هو: المصاب بضعف عام
وأصبح هزيل البنيان .. نتيجة حسد مثلا وليس له علاج معروف..
#- ملحوظة: لفظ النُّشرة من الأضداد أي
يجمع بين العلاج والمرض حسب سياق الكلام .. والله أعلم.
ج-
أما عن معنى (سُم): فلا أظن السيدة عائشة تقصد به
سم الأفاعي والعقارب .. وإنما هي تقصد ما يسمى بسم اليوم .. وهو اليوم شديد
الحرارة والذي قد يسبب له فيه ضربة شمس قوية فليذهب وينزل في ماء النهر لتبريد
درجة حرارة الجسم ..، ولعل هذا استنبطته السيدة عائشة من فعل النبي صلى الله عليه
وسلم يوم أن طلب سبع أوعية ماء ليصبوا فوقه يوم مرضه .. والله أعلم.
@-
وسبق مناقشة أثر السيدة عائشة بتوسع كبير جدا في رسالتي
(رسالة التحقيق الجلي لقصة سحر بعض زوجات النبي بعد وفاة النبي – حقيقة سحر السيدة
حفصة وسحر السيدة عائشة).. في الفصل العاشر تحت عنوان (س28:
هل تعلم أن السيدة عائشة كانت أرشدت إلى العلاج من السحر والسم والنشرة بماء نهر
الفرات الطهور؟) فارجع إليها لمزيد من المعرفة.
#-
ملاحظة هامة: كلام السيدة عائشة لا يخضع للتشريع وإنما للتجربة .. أي أن كلام السيدة عائشة هو ليس تشريع ديني وإنما
هو محض اجتهاد منها .. فهذا الإرشاد يندرج تحت باب المجربات .. فإما أن تصح
التجربة أو لا تصح التجربة .. لأنه طب للعلاج من علة .. فالمسألة ليست شرع ولا عن
النبي .. وإنما هي محض اجتهاد من السيدة عائشة ولعل ذلك قالته السيدة عائشة قياسا
على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وقت مرض وفاته .. وكذلك ما حدث لها في
رؤيتها التي راتها للعلاج من السحر الذي أصابها .. وبالتالي فإن إرشاد السيدة
عائشة مبني على علم مسبق من خبرة سابقة وتجارب مرت بها ولا علاقة له بالدين
الإسلامي .. فانتبه وكن يقظ .. والله أعلم.
==============
#- ثالثا: ما جاء عن بعض كبار التابعين في استخدام المجربات في العلاجات من خلال
فتاويهم.
1-
جاء في (أثر
صحيح) .. عن قَتَادَةُ: (قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ
المُسَيِّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ (أي سحر) أَوْ: يُؤَخَّذُ عَنِ
امْرَأَتِهِ (أي مربوط) .. أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ
يُنَشَّرُ ؟ قَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ .. إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلاَحَ ..
فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ) رواه البخاري معلقا "بدون
سند" ..، ولكن الإمام بن حجر ذكر الأسانيد الموصولة
لهذه الرواية بما يؤكد صحة نسب هذه الفتوى للإمام سعيد بن المسيب .. فقال بن حجر رحمه الله: وصله أبو بكر الأثرم في "
كتاب السنن " من طريق أبان العطار عن قتادة .. ، ومثله من طريق هشام
الدستوائي عن قتادة بلفظ " يلتمس من يداويه، فقال: إنما نهى الله عما يضر ولم
ينه عما ينفع " وأخرجه الطبري في " التهذيب " من طريق يزيد بن زريع
عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى
من يطلق عنه. (راجع
فتح الباري ج10 ص233).
-
وقتادة بن دعامة وسعيد بن المسيب كلاهما تابعين .. إلا أن
سعيد بن المسيب من كبار التابعين وقابل كثير من الصحابة .. وأحاديثه فتاويه محل
اعتبار .. وقد روى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأبي الدرداء
وأبي ذر الغفاري وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري والسيدة عائشة والسيدة أم
سلمة زوجتا النبي صلى الله عليه وسلم .. وغير ذلك كثير .. وإنما فقط اكتفيت لتعلم
قدر الرجل الذي نتكلم عنه وهو الإمام سعيد بن المسيب ولد في أول زمن خلافة عمر بن
الخطاب (تقريبا 15 هـ) وسمع لعمر خطيبا وهو صغير عمره ثمانية سنوات .. وتوفى رحمه
الله (في أوائل التسعين هجريا بين 92 و 93 هـ).
-
ولو انتبهنا لفتوى الإمام سعيد بن المُسَيَّب .. سنجد أنه لا يمانع باستخدام
طرق علاجية غير تعبدية طالما فيها النفع للناس .. شرط أن لا يكون فيها مخالفة
شرعية .. أي لا شرك فيها ولا حرام.
#-
وقال الإمام بن
حجر العسقلاني رحمه الله عن النُّشرة حين شرح أثر التابعي سعيد بن المسيب:
-
هي ضرب من العلاج يعالج به
من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن قيل لها ذلك لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من
الداء ..، ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في باب الرقية في حديث جابر
عند مسلم مرفوعا: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم
في حديث (العين حق) في قصة اغتسال العائن.
-
وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: لا بأس بالنشرة العربية
التي إذا وطئت لا تضره .. وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وعن
شماله من كل ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به.
-
وذكر بن بطال: أن في كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من
سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقوافل ثم يحسو
منه ثلاث حسوات ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله.
-
وممن صرح بجواز النُّشرة: المزني صاحب الشافعي .. وأبو جعفر الطبري ..
وغيرهما.
- ثم وقفت على صفة النشرة في كتاب الطب النبوي
لجعفر المستغفري .. قال: وجدت في خط نصوح بن واصل على ظهر جزء من تفسير قتيبة بن
أحمد البخاري قال قال قتادة لسعيد بن المسيب رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له أن
ينشر قال لا بأس إنما يريد به الإصلاح فأما ما ينفع فلم ينه عنه ..،
-
قال نصوح: فسألني حماد بن شاكر ما الحل وما النشرة ؟ فلم أعرفهما
..
-
فقال: هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها
فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسا ذا قطارين ويضعه في وسط تلك الحزمة ثم
يؤجج نارا في تلك الحزمة حتى إذا ما حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره فإنه
يبرأ بإذن الله تعالى ..
-
وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد
البساتين ثم يلقيها في إناء نظيف .. ويجعل فيهما ماء عذبا ثم يغلي ذلك الورد في
الماء غليا يسيرا ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه .. فإنه يبرأ بإذن الله
تعالى.
-
قال حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام.
-
قلت: وحاشد هذا من رواة الصحيح عن البخاري.
-
وقد أغفل المستغفري أن أثر قتادة هذا علقه البخاري في صحيحه وأنه وصله الطبري في
تفسيره .. ولو اطلع على ذلك ما اكتفى بعزوه إلى تفسير قتيبة بن أحمد بغير إسناد. (فتح الباري ج10 ص233-234).
2-
جاء في (أثر ضعيف
السند) .. عن عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصنعاني رحمه
الله قال: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: "(لَا
بَأْسَ بِالنُّشْرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي لَا تَضُرُّ إِذَا وُطِئَتْ (أي تم تجربتها بأن فيها نفع)".
-
وَالنُّشْرَةُ الْعَرَبِيَّةُ: أَنْ يَخْرُجَ الْإِنْسَانُ فِي مَوْضِعِ عِضَاهٍ (أي مكان به شجر فيه شوك مثل
شجر السدر والتفاح)، فَيَأْخُذَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ
مِنْ كُلِّ ثَمَرٍ (أي يقصد الورق أو الثمرة النابتة بين
الورق) يَدُقُّهُ وَيَقْرَأُ فِيهِ .. ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِهِ.
- وَفِي
كُتُبِ وَهْبٍ: (أَنْ تُؤْخَذَ سَبْعُ وَرَقَاتٍ مِنْ
سِدْرٍ أَخْضَرَ فَيَدُقَّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ .. ثُمَّ يَضْرِبَهُ فِي الْمَاءِ
(أي يخلطه في الماء) .. وَيَقْرَأَ فِيهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ .. وَذَوَاتَ قُلْ (أي يقرأ المعوذات الثلاثة التي تبدأ بكلمة "قل"
وهي سور "الإخلاص والفلق والناس") ،
ثُمَّ يَحْسُو مِنْهُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ .. وَيَغْتَسِلَ بِهِ .. فَإِنَّهُ
يُذْهِبُ عَنْهُ كُلَّ مَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .. وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ
إِذَا حُبِسَ مِنْ أَهْلِهِ) رواه عبد الرزاق في
مصنفه .. (قلت خالد صاحب الرسالة): أثر رأي عامر الشعبي فيه ضعف .. لأن عبد الرزاق لم يسمع من
عامر الشعبي .. ولكن الغرض هنا من نقل ما بلغ عبد الرزاق عن رأي الشعبي في المسألة
.. ثم تعريف عبد الرزاق للنشرة العربية .. ثم بيان ما كان نقله عبد الرزاق عن معمر
بن راشد من كتب وهب بن منبه التي كان قرأها..، والجزء الخاص بوهب بن منبه هو صحيح
الأثر.
-
عبد الرزاق الصنعاني: هو من حفاظ الحديث الثقات (126 - 211 هـ)
وقابل كثير من التابعين ونقل عنهم .. وله مصنف كبير في الحديث والآثار وهو مصنف
عبد الرزاق.
-
عامر الشعبي: هو من كبار التابعين (21 - 103 هـ) ولد في منتصف خلافة
عمر بن الخطاب ..، وكان من أكابر الفقهاء في زمنه ..، وروى عن أكابر الصحابة مثل
عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس والسيدة عائشة وأبي هريرة .. وغيرهم من الصحابة.
-
وهب بن منبه: هو من أواسط التابعين (36 – 116 هـ) ولد في خلافة عثمان بن عفان .. وهو كان
موسوعة إخبارية عن أحوال الأمم .. فهو من المهتمين بأخبار السابقين والقراءة في
كتب أهل الكتاب وأي كتب كانت تحكي عن الأمم السابقة ..، وروى عن أنس بن مالك وجابر
بن عبد الله وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري .. وغيرهم
من الصحابة.
-
والله أعلم.
==================
#- رابعا: معنى حديث جاء فيه أن النُّشرة من عمل الشيطان.
#-
بعد كل ما سبق بيانه في البنود السابقة .. قد تتذكر الحديث
التالي فتقول كيف نفهم حينئذ هذا الحديث مع كل ما سبق ؟!!
-
وهذا الحديث هو ما جاء في الرواية التالية:
#-
جاء في (حديث
محتمل صحته وضعفه) .. عن عَقِيلُ بْنُ مَعْقِلٍ قَالَ
سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
(سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ
النَّشْرَةِ، فَقَالَ: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) رواه أحمد وغيره .. وقال محققو
المسد: إسناده صحيح.
#- (قلت خالد صاحب الرسالة): هذا التصحيح فيه نظر .. وأجد في
الرواية علتان:
-
العلة الأولى: قال الإمام العلائي رحمه الله (المتوفى:
761هـ) قال في ترجمة "وهب بن منبه" نقلا عن الإمام يحيى بن معين أنه قال
عن وهب بن منبه ما هو لفظه: لم يلق "جابر بن عبد الله" .. إنما هو
كتاب .. وقال في موضع آخر هو صحيفة ليست بشيء. (جامع التحصيل ج ص ترجمة رقم 862).
- وقد أشار لإعلال هذا الحديث .. الإمام مقبل الوادعي رحمه الله في كتابه "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" .. عند الحديث
رقم (88) ج1 ص94 .. واستدل بكلام الإمام العلائي السابق ذكره.
#- العلة الثانية: هو أن رفع الحديث للنبي هو غير
صحيح .. بل هو أثر موقوف على رأي الصحابي جابر بن عبد الله ودليل ذلك هو ما جاء في
(أثر موقوف صحيح) .. عن عَقِيلُ بن مَعْقِلٍ،
عَن هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: (سُئِلَ جَابِرُ بن عَبدِ اللهِ
عَنِ النَّشْرِ، فَقَالَ: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) رواه عبد الرزاق في مصنفه..
موقوفا على كلام الصحابي جابر بن عبد الله .. وليس مرفوعا للنبي.
-
فالراوي (عقيل بن معقل) .. مرة رواه موقوفا على طريق همام بن منبه .. ومرة رواه
مرفوعا من طريق وهب بن منبه .. وستلاحظ تعارض بين الروايتين .. أحدهما مرفوعة
والأخرى موقوفة وبنفس الألفاظ .. والموقوف أظهر وأصح خاصة بما ذكره العلائي عن
يحيى بن معين في أن وهب بن منبه لم يلقى الصحابي جابر بن عبد الله .. والله أعلم.
#-
ولكن على افتراض صحة هذا الحديث المشكوك في صحته .. ومثله لا يؤخذ منه حكم ..
ولكن سأفترض صحته وأني مخطيء فيما ذهبت إليه .. فأقول وبالله التوفيق:
@- في شرح هذا الحديث قال العلماء الآتي:
أ-
قال الإمام أبو
العباس القرطبي رحمه الله (المتوفى 656 هـ):
-
قال بعض علمائنا: هذا محمول على أنها خارجة عمَّا في كتاب
الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. وعن المداواة المعروفة .. والنُّشرة
من جنس الطب.
-
قلت: و يتأيَّد هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا بَأْسَ بالرُّقَى ما لَمْ
يَكُنْ فيه شِرْكٌ) رواه مسلم .. ، و (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُم أَنْ
يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ) رواه مسلم. (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ج 1 ص 590
- مع توضيح أن آخر حديثين رواهما مسلم وهما حديثين صحيحين).
ب- قال بن القيم رحمه الله (المتوفى: 751 هـ) في حديث (النشرة من عمل الشيطان):
-
وَالنَّشْرَةُ: حل السحر عن المسحور .. وهي نوعان:
-
الأول: حل سحر بسحر مثله .. وهو الذي من عمل الشيطان .. فإن
السحر من عمل فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب .. فيبطل عمله عن المسحور.
-
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة ..
فهذا جائز .. بل مستحب. (إعلام
الموقعين ج 4 ص 301).
ج-
قال الإمام بن
حجر العسقلاني رحمه الله (المتوفى: 852 هـ):
-
يجاب عن الحديث والأثر بأن قوله (النشرة من عمل الشيطان) إشارة إلى أصلها .. ويختلف
الحكم بالقصد فمن قصد بها خيرا كان خيرا .. وإلا فهو شر. (فتح الباري ج10 ص233).
#- إذن خلاصة القول: وبافتراض أن هذا حديث نبوي وليس رأي صحابي ..
فالمقصود بنشرة الشيطان على كلام العلماء هو ما كان فيه مخالفة للشريعة بمنكر حرام
أو شرك وكفر.
@- قلت (خالد صاحب الرسالة): لي رأي خاص في فهم هذا الحديث إن صح .. هو أن
النشرة لم يتم وصفها في الحديث حتى نعرف ماهية سبب وصف الحديث لها بأنها من عمل
الشيطان .. وإنما يظهر لنا أن النشرة التي من عمل الشيطان هي النشرة التي فيها ضرر
وأذى .. لأن الشيطان لا يأتي منه إلا كل ضرر وأذى
.. فيتبين من ذلك أن من سأل النبي عن النشرة إنما سأله عن نشرة فيها مخالفة
للدين ومحرم فعلها.. أي سأله عن النشرة في الجاهلية .. ومفهوم
أهل الجاهلية يقصد به ما فيه معصية لله سواء بالقول أو بالفعل .. ، مثل نُشرة
الجاهلية التي قد يكون فيها رقية كلامية فيها تعظيم بأسماء الأصنام أو الشيطان ..
، أو بأفعال مثل النوم عاريا في الصحراء طلبا الأمان من الشيطان بإباحة نفسك له.
#-
وفي العموم: الحديث فيه تحذير لتكون حذرا من
طرق النُّشرة أو ما يسمى في زماننا بالمجربات .. حتى تنتبه ولا تتبع ما فيه معصية
أو منكر او عصيان لله وتفعل أفعال أهل الجاهلية .. حتى لا تكون من النادمين.
- هذا والله
أعلم.
#-
فإذا علمت أخي
الحبيب بما جاءك في هذا الفصل من معرفة:
- فهذا أوان أن أذكر لك في الفصل القادم إن شاء الله .. المجربات في فك سحر المربوط عن زوجته والمربوطة عن زوجها .. والله ولي التوفيق.

ماشاء الله ..
ردحذفربي زدنا علما
وزادك الله نورا استاذنا الفاضل
آمين يارب العالمين