بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة بحثية عن
السحر في القرآن والقصص النبوية
(الفصل الثامن والعشرون)
#- فهرس:
:: الفصل الثامن والعشرون ::
عن خرافة استخدام النبي للحجامة في السحر – قصة الشاة المسمومة التي احتجم النبي
بسببها – أماكن الجسم التي احتجم فيها النبي – الحجامة ليست أختراع نبوي وإنما
توجيه نبوي ::
1- س108: هل استخدم النبي الحجامة في فك السحر وإبطاله ؟
@- (خرافة أن الحجامة على رأس النبي كانت بسبب سحر حدث له)
#- أولا: الأحاديث
الباطلة التي قيل عنها أن النبي استخدم الحجامة لإبطال السحر.
@- حديث
ضعيف (طُبَّ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليهِ وسَلمَ فَبَعَثَ
إِلَى رَجُلٍ فَحَجَمَهُ).
#- ثانيا: ماذا
نفهم من الأحاديث التي تكلمت عن استخدام الحجامة لطب أصاب النبي ؟
#- ثالثا: حقيقة الحجامة التي كانت على رأس النبي والتي
أشارت لها الأحاديث الضعيفة التي رواها التابعي (عبد الرحمن بن أبي ليلى).
2- س109: ما هي قصة الشاة
المسمومة التي تم تقديمهما للنبي من اليهود والتي بسببها استخدم النبي الحجامة ؟
#-
أولا: قصة تقديم شاة مسمومة للنبي من امرأة يهودية من الأحاديث الصحيحة.
#-
ثانيا: سرد قصة الشاة المسمومة التي قدمها اليهود للنبي بأسلوب الحكاية.
#- ثالثا: خصوصيات
ظهرت للنبي في قصة الشاة المسمومة.
@- وقد تسأل فتقول: كيف يكون النبي شهيدا وهو تم تغسيله وتكفينه والصلاة عليه
وهذا لا يحدث مع الشهيد ؟
@- وقد تسألني فتقول: وهل النبي في حاجة لمقام الشهيد لأن مقامه أعلى من جميع
المقامات والدرجات على جميع المخلوقات ؟
#-
رابعا: كيف نطقت ذراع الشاة المسمومة وأخبرت النبي بأنها مسمومة ؟.
#- خامسا: ما
دلالة قبول النبي لوجبة الطعام من اليهود ؟
#-
سادسا: لماذا النبي قبل هدية الشاه
المسمومة من المرأة اليهودية وهو يعلم أنهم أهل غدر وخيانة ولذلك قاتلهم لخيانتهم
العهد .. والله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) النساء:71.
3- س110: متى احتجم النبي
بسبب الشاة المسمومة ؟ وهل أوصى جبريل النبي أن يحتجم في رأسه بحجامة المغيثة بسبب
الأكل من الشاة المسمومة ؟ وهل احتجم صحابة النبي في ذلك اليوم ؟
#- أولا: متى احتجم النبي بسبب الشاة المسمومة ؟
#- ثانيا: هل النبي احتجم في الرأس بعد الأكل من الشاة المسمومة ؟
#- ثالثا: هل احتجم النبي وصحابته بعد الأكل من الشاة المسمومة ؟
4- س111: هل الحجامة توجيه
نبوي أم صناعة نبوية ؟ وما الأماكن التي احتجم فيها النبي على جسمه الشريف ؟
#- (لم يستخدم النبي الحجامة إلا في وجع الجسم).
============
:: الفصل
الثامن والعشرون ::
============
..:: س108: هل استخدم النبي الحجامة في فك
السحر وإبطاله ؟ ::..
(خرافة أن الحجامة على رأس النبي كانت بسبب سحر حدث له)
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- من الخرافات التي ينشرها البعض على النبي صلى الله عليه
وسلم .. هو ما يذكره بعض الرقاة المعالجين بالحجامة .. إذ يزعم بعضهم أن النبي صلى
الله عليه وسلم قد استخدم الحجامة لفك وإبطال السحر .. ويشير في ذلك إلى حديث مروي
عن التابعي (عبد الرحمن بن أبي ليلة) ولم يرويه غير هذا التابعي.
- وإليك طرق رواية وألفاظ هذا الحديث بالتفصيل .. وانتبه
لكل ما أكتب لك في كل جزئية .. حتى تكون منتبها لمعرفة الحقيقة كاملة ..
#- أولا: الأحاديث الباطلة التي قيل عنها أن النبي استخدم الحجامة لإبطال السحر.
1- ذكر الإمام الطبري رحمه الله
(المتوفى:310 هـ) في كتابه تهذيب الآثار .. تحت عنوان: (روي عنه صلى الله عليه وسلم أن حجمه هامته كان
لوجع أصابه في رأسه من أكله ما أكل بخيبر من الطعام المسموم) .. ثم ذكر تحت هذا
العنوان عدة أحاديث تؤيد أن سبب حجامة النبي في رأسه كان بسبب سم أصابه .. وكان من
جملة هذه الأحاديث هو الحديث التالي:
#- (حديث ضعيف) .. عن ابْنُ إِدْرِيسَ (عبد الله بن إدريس بن يزيد)، قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنًا
(حصين بن عبد الرحمن)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: (لَمَّا طُبَّ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَمَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ..،
قَالَ: "وَالطَّبُّ": الْوَجَعُ) رواه الطبراني في تهذيب الآثار جزء مسند بن
عباس .. (قلت خالد صاحب الرسالة):
الحديث وإن كان صحيح السند حتى التابعي (عبد الرحمن بن أبي ليلى) ولكن السند انقطع بعد ذلك بين التابعي
وبين النبي .. فسقط الراوي المنقول عنه هذه القصة التي حكاها عن النبي ..،
ولذلك يقول العلماء مرسل صحيح .. أي الإسناد صحيح حتى التابعي (عبد الرحمن بن أبي
ليلى) .. ولكن الحكم على الرواية هو حديث ضعيف لكونه حديث مرسل أي منقطع في آخره
بين التابعي وبين النبي .. فلا نعرف من الذي أخبر التابعي بهذه الحكاية التي رواها
عن النبي ؟!!
#- مهم جدا: انتبه إلى أن التابعي (عبد
الرحمن بن أبي ليلي) الذي قال
بهذه الرواية هو من فسر لفظ (طب) بالوجع ..، أي أن هذا التفسير لكلمة (طب) بمعنى
الوجع .. نجد أن الذي فسره هو صاحب الرواية نفسه (عبد الرحمن) الذي حكاها عن
النبي.
#- إذن: معنى لفظ (طب) أي أصابه وجع نتيجة شيء مؤذي أصابه ..، وأن
هذا الحديث قد ذكره الإمام الطبري مع الأحاديث التي تكلمت عن إصابة النبي بشيء من
السم .. فذكر جملة من الأحاديث تكلمت عن أن النبي احتجم بسبب أكلة من الشاه
المسمومة هو وأصحابه والتي صنعها لهم بعض اليهود ..، ثم ذكر في جملة هذه الأحاديث
حديث (عبد الرحمن بن أبي ليلى) للدلالة على أن الحجامة كانت نتيجة سم سرى بعضه في
جسمه صلى الله عليه وسلم. (وإن شاء الله أذكر شيئا من هذه القصة).
#- معنى (حجمه): أي قام بوضع اداة الحجامة على موضع الوجع .. وكانت أداة الحجامة في الماضي هي قرن الجاموس .. ثم شفط الجلد لأعلى بقرن الجاموس.. وبعد فترة قصيرة يتم رفع قرن الجاموس .. ثم يتم تشريط مكان الحجامة ويتم مسح ما ينزل من الدماء .. (ولا يتم استخدام هذه الطريقة للمصاب بمرض السكر أو من عنده انيميا أو ضغط منخفض أو ما شابه) .. ولكن يمكن ذلك بالحجامة الجافة التي لا تشريط فيها على الجلد.
- وفي الزمن الماضي كان يتم استخدام قرون الجاموس .. أما في زماننا يتم استخدام كاسات أو أكواب بلاستيكية لسحب الدماء التي تخرج نتيجة التشريط بطرف الموس على المكان المراد الحجامة فيه.
#- ملحوظة: كلمة حجامة .. معناه المص .. فيقال حجم الصبي ثدي أمه أي مصه .. ومنه سُمّي المِحْجم والمحجمة للآلة التي يُمص بها الدم ..، ولعلها من كلمة الحَجْم بمعنى السيطرة على الشيء ومنعه .. فيقال تم تحجيم فلان عن وظيفته .. أي منعه من الإستمرار فيها .. والمقصد هنا أن الحجامة هي تسيطر على الألم وتمنعه من الإستمرار ..، والله أعلم.
2- وبنفس السند السابق .. جاء الحديث بلفظ آخر عن ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ
حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالُوا: (طُبَّ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليهِ وسَلمَ فَبَعَثَ إِلَى
رَجُلٍ فَحَجَمَهُ) مصنف ابن أبي شيبه..، (قلت
خالد صاحب الرسالة): الحديث ضعيف مثل سند الحديث السابق .. مع اختلاف في بعض
ألفاظه.
3- الإمام بن سعد رحمه الله (المتوفى:230 هـ) ذكر عدة
أحاديث في طبقاته تحت عنوان: (ذكر ما سم به رسول الله- صلى الله عليه وسلم) .. ومن جملة ما ذكره هو الحديث التالي:
#- جاء في (حديث ضعيف) .. بلفظ آخر عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك
الطيالسي أنا أبو عَوَانة عن حصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (طُبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجل فحجمه
بِقَرْن على ذُؤَابَتَيْه) رواه بن سعد في الطبقات الكبرى.
- معنى (القرن):
هو قرن البقر الذي كان يستخدم في الحجامة .. ويسموه المحجمة .. ويسمى في
زماننا بكاسات أو أكواب الحجامة .. والتي تستخدم على الظهر في الغالب.
- ومعنى (الذؤابة):
هي أعلى الهامة أو الرأس .. ولعل المقصود هو جانبي أعلى الرأس أو جانبي مقدمة
الرأس من الجبهة .. والذوائب تقال على ضفائر شعر المرأة لكونها منسدلة من أعلى
الرأس.
@- وفي العموم .. المقصد بالمكان الخاص بالذؤابتين .. غير
محدد .. ولا يفيدنا معرفته لأن الحديث باطل .. ولكن من باب الفضول في المعرفة بحثت
عن هذين الموضعين فلم أجد في كتب أهل العلم التي عندي من ذكر لها مكان محدد أو
توضيح إلا فقط شرح لغوي للكلمة كما سبق وذكرته.. والله أعلم.
4- جاء في (حديث ضعيف) .. عن هُشيمٌ، عن
حصين بن عبد الرحمن عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ
عَلَى رَأْسِهِ بِقَرْنٍ حِينَ طُبَّ) ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
بسنده في الكتاب المروي عنه والمسمى غريب الحديث..، (قلت
خالد صاحب الرسالة): الحديث ضعيف مثل سند الحديث السابق .. مع اختلاف في بعض
ألفاظه ..، إضافة إلى أن سند أبو عبيد فيه (هشيم
بن بشير بن القاسم) وإن كان ثقة إلا أنه دلس في الإسناد إذ قد عنعن في الرواية ولم
يحدث عن حصين بن عبد الرحمن..، وقال الإمام بن حجر عند رواية أبو عبيد: أخرجه أبو عبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى. (راجع فتح الباري
ج10 ص228).
#- ملحوظة: سند الحديث مأخوذ من طبعة الهيئة العامة
لشئون المطابع الأميرية بالقاهرة طبعة 1984م ..، ولكن في نسخة الكتاب طبعة دائرة
المعارف العثمانية طبعة 1964م– هذه الرواية محذوفة الإسناد (حسب ما هو متاح عندي
من هذه المصادر).
- والإمام أبو عبيد قد شرح هذا الحديث الذي رواه ..
وإليك ما ذكره ..
@- قال الإمام أبو عبيد القاسم
بن سلام الهروي (المتوفى: 224 هـ) في شرح هذا الحديث السابق الذي نقله عن شيوخه
.. (علما بأن كلام أبو عبيد هو
منقول عمن أخذ عنه العلم وليس هو من كتبه) .. ولذلك ستجد يتكرر (قال أبو
عبيده) لأن تلميذه يحكي عنه .. وفي رواية الحديث السابق يقول تلميذ أبو عبيده نقلا
عنه:
–
قال أبو عبيد: في حديث النبي عليه السلام (أنه احتجم على رأسه بقرن حين طب).
-
(القرن): ليس هو بالمنزل الذي يذكر .. إنما هو شبيه
المحجمة.
-
قوله: (طب) يعني سحر.
-
يقال منه: رجل مطبوب.
-
قال أبو عبيد: ونرى أنه إنما قيل له: مطبوب لأنه كنى بالطب عن السحر ..
كما كنوا عن اللديغ فقالوا : سليم تطيرا إلى السلامة من اللدغ .. وكما كنوا عن
الفلاة وهي المهلكة التي لا ماء فيها فقالوا: مفازة تطيرا من
الهلاك إلى الفوز.
-
وأصل الطب: الحذق بالأشياء والمهارة بها يقال: رجل طب وطبيب إذا كان
كذلك وإن كان في غير علاج المرض .
-
قال عنترة: إن تغد دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم.
-
وقال علقمة بن عبدة: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب ...،
قوله: "تسألوني بالنساء" يريد عن النساء. (غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي
ج2 ص44 – طبعة دار المعارف العثمانية 1964م).
=======
#- ثانيا: ماذا نفهم من الأحاديث التي تكلمت عن استخدام الحجامة لطب أصابه ؟
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- بالرغم من بطلان هذه الأحاديث لأنه لا حجة فيها لشيء أو لا
دليل فيها على شيء .. لكني أريدك أن تنتبه للآتي حتى تعرف كيف يخادعك من يجعل لك
من الحجامة وسيلة لفك وإبطال السحر .. ليتكسب من ورا ذلك مالا خبيثا .. أو بمعنى
أدق كيف يتاجر بالدين عليك (طبعا هذا على افتراض معرفته بحال هذه الروايات وغالبا
هو لا يعرف – ويؤاخذ عليه عدم احترامه لعقله واتباعه لتجار الدين ..!!).
@- المهم أريدك أن تنتبه للآتي:
1- هل النبي في الأحاديث السابقة قال استخدموا الحجامة في
فك السحر وإبطاله ؟
- أكيد ..لا .
2- راوي الحديث نفسه وهو (عبد الرحمن بن أبي ليلى) شرح أن
معنى لفظ (طب) بمعنى الوجع .. ولم يقل سحرا.
3- العلماء الذين رووا هذا الحديث كالطبري وابن سعد .. ذكروا
هذا الحديث في جملة أحاديث التي أصيب فيها النبي بشيء من السم .. وبالتالي المقصود
من الحجامة هو طرد أثر السم من خلال الحجامة.
4- الإمام أبو عبيد .. فسر كلمة (طُب) بمعنى سُحِر .. وهو تفسير
صحيح للكلمة في أحد معانيها .. ولكن سبب تفسيره هذا للكلمة بسبب ظنه أن هذا الحديث
مرتبط بحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم والذي جاء فيه لفظ (مطبوب) والذي فسره
العلماء بأنه مسحور.
- ولكن ما ذهب إليه أبو عبيد هو خطأ وباطل وغير صحيح .. لأن
أحاديث سحر النبي لم يتم فيها ذكر استخدام النبي للحجامة لا من قريب ولا من بعيد.
#- وقلت تفسير "أبو عبيد" هو خطأ وباطل وغير
صحيح .. لثلاثة أسباب:
أ- لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استخدم الحجامة في
إبطال السحر لأن إبطال السحر كان بإخراجه.
ب- لأن العلماء رواة الاحاديث جعلوا هذا الحديث من الأحاديث
التي تم فيها تسميم النبي.
ج- هذا بخلاف لو رجعنا لتفسير
الكلمة لمن روى الحديث (عبد الرحمن بن ابي ليلى) .. فهو قال أن
معنى (طب) أي وجع أصابه .. ويقصد به ما كان أصاب النبي من وجه نتيجة سريان شيئا من
السم في جسده صلى الله عليه وسلم نتيجة أكل الشاة المسمومة التي تم تقديمها له
ولبعض أصحابه.
========
#- ثالثا: حقيقة الحجامة التي كانت على رأس النبي والتي أشارت لها
الأحاديث الضعيفة التي رواها التابعي (عبد الرحمن بن أبي ليلى).
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
- تعالى أخي الحبيب أكشف لك الحقيقة أمام عينك .. لتكون واضحة
وضوح الشمس .. حتى تفهم أن لفظ (طب) في الروايات السابقة بالرغم من ضعفها .. إلا
أنه كان يقصد بها وجع في الرأس حدث للنبي صلى الله عليه وسلم .. وهذا ما فسره
التابعي (عبد الرحمن بن أبي ليلة) راوي الحديث .. ولكن ما لم يذكره أن ذلك بسبب صداع
يصيبه نتيجة حادثة أكله من الشاة المسمومة .. ولا علاقة للمسألة بقصة سحر النبي التي
ظنها البعض .. وإذا كان السابقين لهم عذرهم لأنهم لم يبلغهم حقيقة الروايات .. فما
عذر الذين لازالوا ينشروها هذه الروايات بالرغم من علمهم بضعفها .. إلا لو كان لهوى
في أنفسهم يتكسبون من ورائه بالباطل طالما يعلمون ببطلان وخرافة "أن الحجامة
على رأس النبي كانت بسبب سحر حدث له".
- وإليك الحقيقة بعد قرائتك للروايات السابقة الضعيفة التي
قالت بحجامة النبي على رأسه .. وهنا إليك الروايات الصحيحة التي قالت بحجامة النبي
على رأسه وسببها.
1- جاء في (حديث صحيح) .. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: (احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ) صحيح البخاري.
- خد بالك وانتبه: من نص الرواية التي قاها بن عباس
فهي شبيهة للتي قالتها التابعي (عبد الرحمن بن أبي ليلى) وهي الرواية التي شرحها
التابعي وقال أن معنى (الطب) هو الوجع.
-
ثم شرح الصحابي بن عباس سبب هذه الحجامة في الرأس .. في
الحديث التالي.
2- جاء في (حديث صحيح) .. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ، مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ) صحيح البخاري.
- معنى (شقيقة): أي ألم في أحد جانبي الرأس .. وهو ما يسمى حاليا
بالصداع النصفي.
- ثم يوضح الصحابي
بن عباس سبب هذه الشقيقة أو الصداع .. في الحديث التالي ..
3-
جاء في (حديث
صحيح) .. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ .. مِنْ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا مِنْ شَاةٍ مَسْمُومَةٍ،
سَمَّتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ) رواه أحمد .. وقال محققو
المسند: إسناده صحيح.
-
قوله (احتجم وهو محرم): وذلك كان في حجة الوداع أي بعد
حادثة الشاة المسمومة بثلاث سنوات تقريبا.
-
ثم يوضح الصحابي بن عباس أن النبي كان يحتجم كلما شعر
بوجع من أثر هذا السم.. كما في الحديث التالي.
4-
جاء في (حديث
صحيح) .. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ
أَهْدَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً مَسْمُومَةً،
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ؟
-
قَالَتْ: أَحْبَبْتُ - أَوْ أرَدْتُ - إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَإِنَّ اللهَ
سَيُطْلِعُكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا أُرِيحُ النَّاسَ مِنْكَ.
-
قَالَ "أي بن عباس": وَكَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا احْتَجَمَ ..، قَالَ: فَسَافَرَ
مَرَّةً، فَلَمَّا أَحْرَمَ، وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَاحْتَجَمَ) رواه أحمد .. وقال محققو المسند: إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الصحيح غير هلال- وهو ابن خباب- فقد روى
له أصحاب السنن
-
قوله (إِذَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا
احْتَجَمَ) أي وجد من أثر السم بدأ ينشط عليه بوجع مثل الصداع
"كما جاء في روايات" .. فهو كان يطلب عمل الحجامة.
@- مما سبق من روايات الصحابي بن عباس .. تكون الحقيقة اتضحت ليك بالكامل
.. عيانا بيانا .. وقد جمعت لك الروايات ورتبتها ترتيب بديع يسهل لك الفهم السريع
والمطمئن لقلبك.
#- وخلاصة القول:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتجم من السحر .. وهذه خرافة .. ولا يوجد حديث واحد صحيح
يقول بهذا الكلام ..
- وخرافة أن النبي احتجم من السحر .. يقوم بنشرها من
له هوى في فعل ذلك .. وينقل بعض كلام العلماء ليخادع به الناس مثل كلام أبي عبيد
أو كلام بن القيم الذي نقل كلام أبو عبيد أو كلام بن حجر الذي نقل كلام أبي عبيد
.. ولو تفكر المؤمن قليلا لأدرك أن الحجامة لم تكن من السحر .. لأنه لا يمكن أن
يكون احتجم من السحر .. وإلا فلماذا طلب إخراج السحر ؟ ولماذا لما أخرجه عاد له
نشاطه ؟!!
- يا ناس كفاية خرافات تحكوها على النبي .. والنبي بريء منها ..!!
2- حتى الرواية التي يحلو للبعض أن يتداولها للدلالة على
الحجامة عند حدوث السحر .. هي رواية لم يتم ذكر السحر فيها .. وإنما أتت بلفظ (طب)
وفسرها (عبد الرحمن بن أبي ليلى) راوي الحديث على أن المقصود بالحجامة كانت من وجع
أصاب النبي صلى الله عليه وسلم..، وعلماء رواية الحديث على أن هذا الحديث مرتبط
بقصة الشاة المسمومة التي تم تقديمها للنبي .. ولا علاقة لها بسحر النبي.
- والإمام أبو عبيد حينما فسر كلمة (طب) فهو فسرها ظنا منه أن
المقصد هو قصة سحر النبي .. وهذا باطل جملة وتفصيلا وسبق وتوضيح ذلك.
3- ويتبقى السؤال المهم: لماذا بعض الرقاة المعالجين ممن يستخدمون الحجامة
(وعندهم علم شرعي) .. لا يقولون الحقيقة للناس أن النبي لم يصح عنه استخدام
الحجامة في علاج السحر .. بل ويكذبوا على الناس بأن النبي احتجم بسبب السحر .. وهم
يعلمون أن هذا حديث مرسل .. والحديث المرسل لا يحتج به لأنه من الأحاديث الضعيفة
..؟!!
- الإجابة: هل لأنهم بهذا يستميلون الناس أكثر ويكسبون
منهم أكتر ..؟ لا أعلم.
- هذا بخلاف كذب بعضهم على الناس ووهمهم أن بهم سحرا ..
فهذا كذب من نوع: (ازرع الوهم في النفوس واسحب منهم الفلوس)..!!
- والله من ورائهم محيط..
- ويتوب الله ويغفر لمن صدق في توبته
واستغفر.
#- ملحوظة: قد ذكرت لك أخي الحبيب أن العلماء جعلوا حديث
حجامة النبي بسبب التعب الذي أصابه إنما هو بسبب حادثة الشاة المسمومة التي تم
تقديمها للنبي صلى الله عليه وسلم .. وأحببت أن تعرف هذه القصة لأنها ستكشف حقيقة
الوجع الذي كان يحتجم منه النبي صلى الله عليه وسلم وأنه الحجامة في الأحاديث
الضعيفة السابق ذكرها كانت خاصة بقصة الشاة المسمومة ولا علاقة لها بخرافة أن
النبي احتجم بسبب السحر .. فتابع معي .. والله ولي التوفيق.
*******************
..:: س109: ما هي قصة الشاة المسمومة التي
تم تقديمهما للنبي من اليهود والتي بسببها استخدم النبي الحجامة ؟ ::..
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
-
قد لا تكون على معرفة بقصة محاولة تسميم النبي من خلال شاة مشوية تم
تقيمها للنبي وبعض صحابته .. وهي التي فيها استخدم النبي صلى الله عليه وسلم
الحجامة .. وإليك المعرفة بهذه القصة لتكون على علم بذلك.
=======
#-
أولا: قصة
تقديم شاة مسمومة للنبي من امرأة يهودية من الأحاديث الصحيحة.
1- جاء في (حديث صحيح) .. عن أبي هريرة قال: (لَمَّا فُتِحَت خَيبَرُ أُهديَت لرَسولِ
اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شاةٌ فيها سُمٌّ) صحيح البخاري.
2- جاء في (حديث صحيح) .. عَنْ أَنَسٍ بن مالك قال: (أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ .. فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ
.. قَالَ: مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ .. قَالَ: (أَوْ قَالَ: عَلَيَّ) قَالَ قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: «لَا») صحيح مسلم .. ورواه البخاري مختصرا عن ذلك.
#- قوله (ما كان الله
ليسلطك على ذلك): يقصد النبي ما كان الله ليسمح لك بقتلي .. وذلك ليقين
النبي في وعد ربه له إذ قال جل شأنه: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) المائدة:67 .. أي الله يمنعك ويحميك من محاولة قتل الناس لك حتى تبليغ
رسالتك كاملة.
- فكان المقصد من العصمة هو
المنع من القتل لا من بعض الإصابات والأذى الذي لا يترتب عليه القتل ولا يترتب
عليه المنع من تبليغ الرسالة مثل الأذى بأخذه أسيرا أو حبسه أو محاولة فتنته
بتعذيبه فيصيبوه بعاهة في لسانه وسمعه مثلا .. فكل ذلك معصوم منه النبي صلى الله
عليه وسلم.
- قوله (أو قال: علي): أي قال أحد رواة الحديث أن النبي قال: أحد
هاتين الجملتين (ما كان ليسلطك على ذلك) أو (ما كان الله ليسلطك عليَّ) ..، فأحد الرواة اختلط
عليه اللفظ بالضبط الذي قاله النبي إن كان قال: (ليسلطك
على ذلك) أم (ليسلطك علي) .. وعموما
المعنى واحد.
- قوله (قالوا): أي قال راوي الحديث الصحابي أنس بن مالك ..
أن الصحابة قالوا للنبي: أنقتلها عقوبة لها جزاء ما فعلته بك.
3- وجاء في (حديث صحيح) .. أن النبي صلى الله عليه
وسلم استدعى اليهود فسألهم: (هَلْ
أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ .. فَقَالُوا: نَعَمْ يَا
أَبَا القَاسِمِ، قَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا ؟ .. قَالُوا:
نَعَمْ .. قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ .. قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ
كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ .. وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) صحيح البخاري.
4-
ولكن في رواية أخرى جاء في (حديث حسن) .. عند البيهقي في
سننه الكبرى حديث برقم (16010) عن التابعي (أبو سلمة أبو سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف) عن (أبي هريرة) قال: (أَنَّ امْرَأَةً
يَهُودِيَّةً دَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَصْحَابًا
لَهُ عَلَى شَاةٍ مَصْلِيَّةٍ .. فَلَمَّا قَعَدُوا يَأْكُلُونَ أَخَذَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُقْمَةً فَوَضَعَهَا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
" أَمْسِكُوا، إِنَّ هَذِهِ الشَّاةَ مَسْمُومَةٌ "، فَقَالَ
لِلْيَهُودِيَّةِ: " وَيْلَكِ لِأِيِّ شَيْءٍ سَمَمْتِنِي؟ " قَالَتْ:
أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ، وَإِنْ
كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ أَنْ أُرِيحَ النَّاسَ مِنْكَ فَأَكَلَ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ
الْبَرَاءِ فَمَاتَ، فَقَتَلَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رواه البيهقي في السنن الكبرى والحاكم في مستدركه وقال
الحكام: صحيح على شرط مسلم..، (قلت خالد صاحب
الرسالة): الحديث
حسن لأن فيه (محمد بن
عمرو الليثي) وهو حسن الحديث .. والله أعلم.
#-
وهذه الرواية السابقة تحكي وجه آخر للقصة .. وظهر
فيها أن أحد الصحابة قد مات بسبب هذه الأكلة .. وفيها أن النبي قتلها ..
@-
ولا يوجد خلاف بين قول النبي مرة بعدم قتلها
ومرة بقتلها .. إذ أن النبي حينما لم يجد أن السم كان له عظيم الأثر عليه فلذلك لم
يقتلها قصاصا لنفسه وعفا عنها (خاصة وأنه قيل أنها أسلمت أمامه) .. ولكن حينما
تمكن السم من الصحابي بشر بن البراء ولم يصح معه إسعافا له ومات .. فهنا أمر النبي
بقتلها قصاصا.
@- ووجدت من
كلام العلماء ما يؤيد ما ذهب إليه ..
#-
قال الإمام القاضي عياض رحمه الله (المتوفى:544
هـ) جمعا بين الروايات:
-
وجه الجمع عندي - والله أعلم: أنه لم يقتلها أولاً لما فعلته
من السم إذ اطلع عليه، وأشار عليه من حضر بقتلها فقال: " لا ".
-
فلما مات بشر بن البراء من ذلك السم .. وكان أكل منها .. أسلمها - كما
قال في الحديث - لأوليائه فقتلوها ..، فهو قول من قال: (قتلها).
-
فلم يقتلها في حين .. وقتلها في حين آخر .. والله أعلم. (إكمال المعلم بفوائد مسلم
ج7 ص94).
5-
وجاء في (حديث
صحيح) .. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:
(كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ:
«يَا عَائِشَةُ، إِنِّي أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُهُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا
أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ) رواه الحاكم وقال: هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وقال: على شرط البخاري ومسلم ..، وأيضا قد
رواه البخاري معلقا بنفس اللفظ .. ورواه أبو نعيم في الطب بلفظ: (مَا زَالتْ أكلَةُ خَيبَرَ تُعاوِدُني كُلَّ عَامٍ حَتى كَانَ
هَذا أوَانَ قَطعِ أبْهري).
- قوله (انقطاع أبهري): أي انقطاع العرق الذي يضخ الدم للقلب ..
والمقصد اقتراب الموت.
#-
والمقصد مما سبق
أخي الحبيب:
-
هو أن تعرف أن هذه القصة صحيحة ومشهورة .. تجدها بتفاصيلها بتفاصيلها في كتب الأحاديث
والسيرة (وقد ذكرت لك الأحاديث الصحيحة منها) ورتبتها لك .. ومن كتب أهل العلم
التي ذكرت القصة بتفاصيلها هو ما حكاه الإمام ابن سعد من عدة أسانيد جمع في القصة
وذلك في الطبقات الكبرى ج2 ص155-156.
=======
#- ثانيا: سرد قصة الشاة المسمومة التي قدمها اليهود للنبي بأسلوب الحكاية.
-
أذكر لك القصة هنا اخي الحبيب .. في صورة حكاية كاملة المعالم والتفاصيل بأسلوب رائع ..
وذلك من خلال المعنى العام الذي ذكره الدكتور موسى شاهين لاشين رحمه الله
(المتوفى:1430 هـ).
@- فقال رحمه الله حاكيا القصة:
-
في المحرم سنة سبع من الهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر،
لغزوها، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة، إلى أن فتحها في صفر، بعد قتال شديد في
شوارعها وبيوتها، قتل فيه كثير من اليهود، ولما استسلموا أعطاهم النبي صلى الله
عليه وسلم أرض خيبر، أن يعملوا فيها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها.
-
وبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يجمعون أمورهم للعودة
إلى المدينة، وهم مازالوا في منازل جيوشهم إذ أرسلت امرأة يهودية إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم بشاة مشوية .. دست فيها سماً قاتلاً .. وزادت من كمية السم في
الكتف والذراع .. بعد أن علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم يحب الكتف والذراع ..
ووضعت المائدة بالشاة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قرب منه من صحابته
.. وما كانوا يمدون أيديهم إلى طعام قبل أن يمد يده إليه صلى الله عليه وسلم.
-
فأمسك صلى الله عليه وسلم بالذراع .. ونهش منها نهشة بأسنانه ..
ونهش بشر بن البراء نهشة من قطعة لحم .. وأسرع في مضغها وبلعها .. لكن الرسول صلى
الله عليه وسلم بعد أن مضغها مضغة وقبل ابتلاعها نطقت الذراع في يده .. تقول: أنا
مسمومة فألقى ما في فمه .. فقال لأصحابه: أمسكوا. لا تأكلوا. الشاة مسمومة ..، لكن
بشر بن البراء كان قد ابتلع القطعة فاصفر لونه في الحال، فحاولوا إنقاذه وإسعافه.
-
وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم .. اليهود .. فقال لهم: إني سائلكم
عن شيء، فهل أنتم صادقون عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: هل جعلتم في هذه
الشاة سماً؟ فقالوا: نعم. فقال: ما حملكم على ذلك؟ فقالوا أردنا إن كنت كاذباً
نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك.
-
قال: من التي باشرت وضع السم؟ قالوا: زينب بنت الحارث.
-
فجيء بها فقيل لها: لم فعلت ما فعلت؟ قالت: أردت أن
أقتلك، قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي، ونلت من قومي ما نلت، قال: إن الله تعالى لم يكن
ليمكنك من قتلي. قالت: قلت: إن كان نبياً فسيخبره الذراع، وإن كان ملكاً استرحنا
منه، وقد استبان لي الآن أنك صادق .. وأنا أشهد: وأشهد الحاضرين أني على دينك.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ..
-
قال الصحابة: اقتلها يا رسول الله. قال: لا. ما قَتَلَت .. وأسلمت ..
وأنا لا أنتقم لنفسي .. وكوى
رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على عرق يعرف العرب أنه يقي من السم
يعرف بالأبهر .. ليبطل مفعول ما عساه دخل إلى الجسم بواسطة اللعاب ..
-
وجاءه الخبر أن بشر بن البراء مات من السم .. فسلم رسول الله صلى
الله عليه وسلم المرأة إلى أولياء بشر، ليقتلوها قصاصاً فقتلوها ..
-
وظل صلى الله عليه وسلم بعد هذه الحادثة ثلاث سنين، كلما جاء موعدها
من كل سنة، وجد ألماً حتى كان مرض موته صلى الله عليه وسلم، فأحس الألم، واستمر
معه حتى مات صلى الله عليه وسلم. (فتح المنعم شرح صحيح مسلم ج8 ص563).
#- ملحوظة هامة: جاء في كلام الدكتور موسى لاشين (وكوى رسول الله) .. وهذا خطأ .. ولعله خطأ من الناشر
أو سهو من الكاتب .. ولكله كان يقصد (واحتجم رسول الله) إلا انه كتب (وكوى رسول
الله) .. ولم اجد في كتب العلماء ولا الأحاديث الضعيفة التي تكلمت عن القصة أن
النبي قد استخدم أسلوب الكي وهو حرق على مكان معين لمنع سريان السم.. (والله أعلم).
=======
#- ثالثا: خصوصيات ظهرت للنبي في قصة الشاة المسمومة.
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
#- وفي القصة يظهر الآتي كخصوصية للنبي:
أ- أن النبي كان من شيمته العفو وعدم الإنتقام لنفسه صلى الله عليه وسلم.
ب- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلعه الله
على الغيب.
ج- أن النبي كلمه الجماد بفصيح الكلام (وهو ذراع الشاة
المسمومة) . (والبعض يصف ذلك بإحياء الموتى له إذ قال البعض أن الله أحيا الشاة
وكلمته .. وهذا خطأ لم يحدث !!).
د- أن النبي نال النبوة والشهادة .. فأراد الله أن يجمع له كل
فضيلة يمكن أن يحوزها مخلوق.
@- وقد تسأل فتقول: كيف يكون النبي شهيدا وهو تم تغسيله وتكفينه والصلاة عليه وهذا لا يحدث مع
الشهيد .. ؟
-
قلت لك: أنت تتكلم عن شهيد المعركة في سبيل الله ..
وشهادة النبي مثبتة له لأنه كان في جهاد في سبيل الله دائما .. وقد زرع بعض اليهود
السم له غدرا به أثناء جهاده لهم في خيبر وبعد أن أعطى الأمان لبقيتهم .. أرادوا
الغدر به قتلا بالسم .. إلا أن الله لم يقدر له الموت على يد أعداءه حتى يتم
رسالته .. فلما أتمها سمح الله بسريان السم في جسم النبي ليكون سببا في نوال
الشهادة وبعد أن أتم رسالته كاملة وأبلغها للناس.
@- ثم قد تسألني فتقول: وهل النبي في حاجة لمقام الشهيد لأن مقامه أعلى من جميع المقامات والدرجات
على جميع المخلوقات ؟
-
قلت لك: قولنا
عن النبي أنه نال رتبة الشهادة .. أجد فيها إشارتين:
-
الإشارة الأولى: ليس المقصود برتبة الشهيد هو النبي نفسه
وإنما لأمته .. إذ أجد في ذلك كرامة لكل مؤمن يرجو الشهادة وهو أن يكون شرف من
مقامات النبوة المحمدية .. كما أن المؤمن الصادق الأمين له شرف من مقامات النبوة
المحمدية فكذلك الشهيد يكون له هذا الشرف أيضا .. فكان نوال النبي لمرتبة الشهادة
ليس ليعلو بها درجة في ظاهر الأمر .. وإنما هو تحفيزا لأمته لينالوا من شرف هذا
المقام النبوي المحمدي .. فمن يدعو في سبيل الله ويُؤذى أو يقتل فهو قد اقتبس وصف
من أوصاف النبوة المحمدية.
-
الإشارة الثانية: وهي أن المؤمن مهما كان غالي جدا عند رب
العالمين فلابد أن يسري عليه ابتلاءات الله .. والصادق هو من يثبت كما ثبت النبي
صلى الله عليه وسلم. (هذا
رأيي الخاص – والله أعلم.).
=======
#- رابعا: كيف نطقت ذراع الشاة المسمومة وأخبرت النبي بأنها مسمومة ؟.
أ-
قول بعض العلماء
عن كيفية نطق ذراع الشاة للنبي:
-
قال الإمام القاضي عياض رحمه الله (المتوفى:544 هـ): واختلف أئمة أهل النظر في هذا
الباب..، - فمن قائل يقول: هو كلام يخلقه الله تعالى في الشاة الميتة، أو الحجر،
أو الشجر. وحروف وأصوات يحدثها الله فيها ويسمعها منها دون تغيير اشكالها ونقلها
عن هيئتها (راجع
الشفا في التعريف بأحوال المصطفى ج1 ص607 – تحت عنوان الفصل العشرون
عن إحياء الموتى وكلامهم وكلام الصبيان والمراضع وشهادتهم له بالنبوة).
ب-
قلت (خالد صاحب الرسالة) تعقيبا على ما سبق:
-
البحث عن الكيفية لا حاجة لنا فيه .. لأنه معجزة نبوية .. والمعجزة مخالفة
لقانون الأسباب .. وطالما مخالفة لقانون الأسباب فلا مجال للعقل فيها لأن الله لم
يعطي العقل القدرة إلا بما فيه قانون أسباب فقط ليفهمه .. ويكفي فقط أن يقال أن
القدرة الإلهية أنطقت الميت للنبي كمعجزة للنبي وبيان على قدرة الله الذي لا يعجزه
شيئا وهو على كل شيء قدير.. وانتهت المسألة عند هذا الحد .. (هذا رأيي - والله
أعلم).
=======
#- خامسا: ما دلالة قبول النبي لوجبة الطعام من اليهود ؟
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
-
في القصة دليل مهم في علاقتنا مع هدايا أهل الكتاب وطعامهم (ما لم
يكن حراما) ..، إذ
يجوز قبول
هدية أهل الكتاب والأكل من طعامهم (ما لم يكن حراما – وذلك مثل من يقدم لك لحم
خنزير لتأكله فهذا حرام).
=======
#- سادسا: لماذا النبي قبل هدية الشاه المسمومة من المرأة اليهودية وهو يعلم أنهم أهل
غدر وخيانة ولذلك قاتلهم لخيانتهم العهد .. والله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) النساء:71.
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
-
قوله تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) النساء:71
..، هذه آية تتعلق بالجهاد أي بجيش المجتمع أي بالدولة .. وأخذ الحذر إنما هو
باليقظة التامة لملاقاة العدو في أي وقت بالإستعداد التام بكل أنواع السلاح
الموجودة في كل زمن لمواجهة العدو.
- فلا يصح الإستدلال بهذه
الآية على فعل النبي بقبول هدية الشاة المشوية (المسمومة) ..
لأنه لم يكن في حال حرب آنذاك وإنما في وقت مسالمة .. والقول بأن النبي لم يأخذ
حذره فهذا معناه عصيان النبي للأمر الإلهي بأخذ الحذر وحاشاه .. بل كان متبعا
للأمر الإلهي بأخذ الحذر بدليل الإنتصار على يهود خيبر.
- إما عن الشاة المسمومة وقبول النبي بها إطعاما له ولبعض صحابته .. فقد يكون فهمها النبي وصحابته من باب التودد للنبي
وصحابته وإبداء حسن النية في المعاملة .. من باب المسالمة .. إذ قد بدأت المسالمة
بين المسلمين واليهود في المدينة بعد فتح خيبر .. وكان ما تبقى من اليهود قد سألوا
النبي أن يصالحهم على أرض خيبر يزرعونها له ويصلحونها على أن يكون لهم الشطر من كل
زرع ونخل .. فوافق النبي صلى الله عليه وسلم.
- وكانت حاثة الشاة المسمومة هي حادثة فردية من امرأة يهودية .. كما كان السحر حادثة
فردية من رجل يهودي .. ولذلك لم يعاقب النبي المجتمع اليهودي بما فعله شخص منهم. –
والله أعلم.
#-
وخلاصة القول
أخي الحبيب:
-
قصة محاولة اليهود تسميم النبي صلى الله عليه وسلم لقتله .. هي قصة مشهورة وصحيحة .. وإن كان
السم لم يكن سببا في ذلك الوقت لقتل النبي .. إلا أن أثر السم كان يظهر أحيانا على
النبي صلى الله عليه وسلم من فترة لأخرى.
-
ولكن متى احتجم النبي بسبب الشاة المسمومة ؟
- تابع معي .. والله الموفق.
*********************
..:: س110: متى احتجم النبي بسبب الشاة
المسمومة ؟ وهل أوصى جبريل النبي أن يحتجم في رأسه بحجامة المغيثة بسبب الأكل من
الشاة المسمومة ؟ وهل احتجم صحابة النبي في ذلك اليوم ؟ ::..
#-
قلت (خالد صاحب الرسالة):
#-
أولا: متى
احتجم النبي بسبب الشاة المسمومة ؟
1-
جاء في (حديث
صحيح) .. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ .. مِنْ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا مِنْ
شَاةٍ مَسْمُومَةٍ، سَمَّتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ) رواه أحمد .. وقال محققو
المسند: إسناده صحيح.
-
قوله (احتجم وهو محرم): وذلك كان في حجة الوداع أي بعد
حادثة الشاة المسمومة بثلاث سنوات تقريبا.
2-
وجاء في (حديث
صحيح) .. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ
أَهْدَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً مَسْمُومَةً،
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ؟
-
قَالَتْ: أَحْبَبْتُ - أَوْ أرَدْتُ - إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَإِنَّ اللهَ
سَيُطْلِعُكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا أُرِيحُ النَّاسَ مِنْكَ.
-
قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَجَدَ مِنْ
ذَلِكَ شَيْئًا احْتَجَمَ ..، قَالَ: فَسَافَرَ مَرَّةً، فَلَمَّا أَحْرَمَ،
وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَاحْتَجَمَ) رواه أحمد .. وقال محققو المسند: إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الصحيح غير هلال- وهو ابن خباب- فقد روى
له أصحاب السنن
-
قوله (إِذَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا احْتَجَمَ)
أي وجد من أثر السم بدأ ينشط عليه بوجع مثل الصداع
"كما جاء في روايات" .. فهو كان يطلب عمل الحجامة.
#-
ولعل البعض يظن أن النبي احتجم مباشرة بعد حادثة الشاة
المسمومة .. وهذا محتمل ولكن لا دليل على ذلك.
3-
حتى ما جاء في (حديث صحيح) .. عن الصحابي سَمُرَةَ بن
جندب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ
مِنْ بَنِي أُمِّ قِرْفَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَإِذَا حَجَّامٌ يَحْجُمُهُ بِمَحَاجِمَ لَهُ مِنْ قُرُونٍ يَشْرِطُ
بِشَفْرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَدَعُ هَذَا يَقْطَعُ
عَلَيْكَ جِلْدَكَ؟ قَالَ: هَذَا الْحَجْمُ وَهُوَ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ) رواه الطبراني في الكبير
والحاكم .. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ..، ووافقه
الذهبي وقال على شرط البخاري ومسلم..، وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني،
ورجاله رجال الصحيح، خلا حصين بن أبي الحر، وهو ثقة.
#- فهذا الحديث السابق لا يدل على أن النبي احتجم بعد
حادثة الشاة المسمومة .. لأن هذا الحجم كان في وقت تواجد النبي بالمدينة في حالة
سلام كما يظهر من سياق الرواية ..، وإنما قد تكون هذه أحد المرات التي كان يشعر
فيها النبي بالألم أو الوجع ويفهم أنه بسبب تأثير أثر السم .. فكان يطلب الحجامة
لتخفف عنه هذا الوجع الذي يشعر به.
======
#- ثانيا: هل النبي احتجم في الرأس بعد الأكل من الشاة المسمومة ؟
-
لم يحدث ذلك .. وإنما الذي قيل في ذلك من خلال حديث ضعيف جدا.
#-
جاء في (حديث
ضعيف جدا) .. عن عمر بن
حفص "أبو حفص العبدي"، عن أبان "بن أبي عياش"، عن أنس قال:
قال رسول الله: (الحجامة في الرأس هي المغيثة .. أمرني بها
جبريل حين أكلت طعام اليهودية) رواه بن سعد في الطبقات الكبرى.. (قلت خالد صاحب الرسالة): الحديث ضعيف جدا .. فيه (عمر بن
حفص) الحديث ضعيف جدا .. فيه (عمر بن حفص) وهو متروك الحديث .. قال أحمد: تركنا
حديثه وحرقناه (أي حرقوا أحاديثه) ..، وقال علي بن المدين: ليس بثقة..، وقال
النسائي: متروك ..، وقال الدارقطني: ضعيف. (راجع ميزان الإعتدال ترجمة رقم 7075)..، وفيه
(إبان بن أبي عياش) وهو متروك الحديث أيضا .. وقال عنه أحمد بن حنبل ترك الناس
حديثه. (راجع تاريخ
الإسلام ج3 ص807).
======
#-
ثالثا: هل احتجم
النبي وصحابته بعد الأكل من الشاة المسمومة ؟
-
لم يحدث ذلك .. وإنما الذي قيل في ذلك من خلال حديث ضعيف جدا.
#-
فقد جاء في (حديث
ضعيف جدا) .. عن عمر بن حفص " يعني أبا حفص العبدي" عن
مالك بن دينار عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتجم في رأسه .. وأمر أصحابه أن
يحتجموا في رؤوسهم) رواه بن سعد في الطبقات الكبرى..، (قلت خالد صاحب الرسالة): الحديث ضعيف جدا .. فيه (عمر بن
حفص) وهو متروك الحديث .. وقد سبق بيان حاله في الرواية السابقة ..، هذا بخلاف
وجود انقطاع في سند الحديث بين التابعي (الحسن البصري) وبين النبي صلى الله عليه
وسلم.
#- وخلاصة القول:
1-
لا يظهر من الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد احتجم بسبب
أي سحر أصابه .. وإنما كان بسبب الشاة المسمومة إلا على فترات زمنية مختلفة لأن
الصحابي بن عباس قال: (إِذَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا احْتَجَمَ)
أي وجد من أثر السم بدأ ينشط عليه بالصداع "كما جاء
في روايات" ..، منها ما كان بعد مرور ثلاث سنوات من حادثة الشاة المسمومة
وكان النبي بحجة الوداع.
2-
الحجامة التي استخدمها النبي لم تكن للعلاج من السم .. وإنما لتخفيف
وجع أثر السم .. وهذا واضح جدا من الروايات .. بدليل تجديد الحجامة
كلما شعر النبي بألم ووجع في رأسه نتيجة بداية نشاط أثر السم حيث كان ذلك يسبب له
وجع في الرأس وصداع.
- فالحجامة لم تكن علاج .. بل وسلة لتخفيف
الوجع والألم.
3-
لم يوصي جبريل إلى النبي حين أكل الشاة المسمومة .. بعمل الحجامة
المغيثة وهي حجامة على الرأس.
4-
لم يحتجم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين انوا معه وقت وليمة
الشاة المسمومة .. لأنه لا يوجد أحد مد يده للأكل من الشاة إلا واحد فقط من
الصحابة كان أسرع منهم في ذلك وهو (بشر بن البراء).
- والله أعلم.
*********************
..:: س111: هل الحجامة توجيه نبوي أم
صناعة نبوية ؟ وما الأماكن التي احتجم فيها النبي على جسمه الشريف ؟ ::..
(لم
يستخدم النبي الحجامة إلا في وجع الجسم)
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
1- سبب ذكري لهذه السؤال .. هو أن تعلم ان الحجامة ليست اختراع نبوي كما
يريد أن يزين لك البعض في عقلك حينما يقول لك سنفعل لك الحجامة النبوية .. وكأن
النبي هو من اخترعها .. لا .. لو كان مقصد من يقول لك أن كل حجامة هي حجامة نبوية
.. فهذا أكيد جاهل ولا يتعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم .. وهذا يتوقف
على مدى علمه ومعرفته.
2-
والحجامة موجودة من آلاف السنين وقد استخدمها الفراعنة والصينيون وغيرهم من الحضارات
القديمة..، جاء في كتاب "دراسة الحجامة
– محمد الأمين شيخو" ص57: " وقد استخدمت عند الفراعنة الذين كان لهم باع عظيم في
المجال الطبي عندما لمسوا فوائدها ومنفعتها .. فوجدت لها عدة رسوم منقوشة على جدران
مقبرة الملك الفرعوني (توت عنخ أمون) .. وعرفها الإغريق القدماء واليونان وانتشر
استخدامها في عهد (أبقراط) أبي الطب اليوناني .. وامتد تداولها لقرون". (انتهى النقل).
3-
والمقصود بالحجامة النبوية: هو ما طلب النبي فعله من الحجامة على جسمه .. وكان ذلك
على منطقة بين الكتفين وخلف الرقبة وعلى الرأس وعلى ظاهر القدم.
-
أما ما يحدث في زماننا من الحجم على البطن وكامل الظهر وكامل الأرجل وكامل
القدمين وكامل الذراعين .. هذا فهذا حجم لا علاقة له بطرقة ما كان يفعله النبي في
الحجامة .. ولا أقول عنه بدعة ولا حرام ولا غلط (إلا ما يفعله الجهلة ويسببوا
مصائب للناس حين لا يطهرون الجروح أو يغورون التشريط أو يفعلوها لمدن عندهم سكر أو
أنيميا حادة) ..، وإنما لا يقال على ما سبق من حجامة البطن وما شابه هو حجامة
نبوية .. لأنه يكون بذلك قد كذب على النبي .. وإنما يقال فقط هو حجامة كطريقة علاج
أو تخفيف آلام .. أو حجامة لراحة الجسم مثلا.
@- وإليك دليل ما سبق:
#- أولا: دليل أن الحجامة مجرد توجيه نبوي للعلاج وليس اختراع نبوي كما يظن الجهلة.
1-
جاء في (حديث
صحيح) .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ
أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ
بِهِ الحِجَامَةُ) صحيح البخاري.
2- وجاء في (حديث صحيح) .. عَبْدُ
الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُرِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ
جُنْدُبٍ، ، قَالَ: (دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا الْحَجَّامَ، فَأَتَاهُ بِقُرُونٍ،
فَأَلْزَمَهُ إِيَّاهَا، ("قَالَ عَفَّانُ": مَرَّةً بِقَرْنٍ) .. ثُمَّ
شَرَطَهُ بِشَفْرَةٍ، فَدَخَلَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، أَحَدِ بَنِي
خُزَيْمَةَ ، فَلَمَّا رَآهُ يَحْتَجِمُ، وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالْحِجَامَةِ، وَلَا
يَعْرِفُهَا، قَالَ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ عَلَامَ تَدَعُ هَذَا يَقْطَعُ
جِلْدَكَ؟ قَالَ: " هَذَا الْحَجْمُ "، قَالَ: وَمَا الْحَجْمُ؟ قَالَ: هُوَ مِنْ خَيْرِ مَا تَدَاوَى بِهِ
النَّاسُ) رواه أحمد وغيره .. وقال محققو المسند: إسناده صحيح.
- قوله (قال عفان: مرة بقرن): هو أحد رواة الحديث واسمه "عفان بن
مسلم" .. قال مرة أن الحجام أتى بقرون .. ومرة قال أتى بقرن.
- قوله (لا عهد له بالحجامة): أي لم يكن يعرفها وما سمع عنها.
- قوله (يَقْطَعُ جِلْدَكَ): أي ظن هذا الرجل الذي لا يعرف الحجامة أن التشريط على جلد النبي هو قطع لجلد النبي ولذلك استغرب الرجل من فعل ما يفعله الحجَّام من التشريط على مكان محدد على جسم النبي.
#- والحجامة بالقرن: تكون بقرن الجاموس .. وكان يأتي بقرن الجاموس ويضعه على مكان محدد في الجسم ويكبس القرن على الجسم حتي يشفط الجلد لأعلى .. ثم يرفع قرن الجاموس فيصبح مكان الجلد مثل الكرة الصغيرة أو مثل الدمل الكبير .. ثم يبدأ التشريط بالشفرة ويندفع الدم للخارج ويمسح ما ينزل من الدم .. ولذلك في الحديث يظهر أنه وضع القرن أو القرون أولا .. ثم ثانيا قام بالتشريط بعد ذلك ..، وفي زماننا تستخدم قرون الجاموس للحجامة الجافة فقط أي بدون تشريط على الجلد بالموس ولا إخراج دم.
- ولكن حجامة الماضي كان التشريط بعد الحجم حتى لا يتلوث القرن
بدم الإنسان وسيصعب نظافته ..، بخلاف أهل زماننا فكأس الحجامة يتم رميه لأنه
استخدام مرة واحدة فقط ومن المفترض أنه معقم ..!!
#- وجاء في (حديث صحيح) .. بلفظ آخر عن سَمُرَةَ
بْنِ جُنْدُبٍ قال: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَحْتَجِمُ بِقَرْنٍ، وَهُو يُشْرَطُ
بِطَرْفِ سِكِّينٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ شَمْخَ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ تُمَكِّنُ
ظَهْرَكَ أَوْ عُنُقَكَ مِنْ هَذَا يَفْعَلُ بِهَا مَا أَرَى؟ فَقَالَ: هَذَا الْحَجْمُ،
وَهُوَ مِنْ خَيْرِ مَا
تَدَاوَيْتُمْ بِهِ) رواه أحمد وقال
محققو مسند أحمد: إسناده صحيح.
#-
وجاء في (حديث
حسن) .. بلفظ آخر عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
عُمَيْرٍ، عَنِ الْحُصَيْنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: (دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَامَ تَدَعُ حَتَّى
يُبَطَّ ظَهْرُكَ؟ قَالَ: «وَتَدْرِي مَا هَذَا؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «هَذَا
الْحَجْمُ خَيْرُ مَا تَدَاوَتْ
بِهِ الْعَرَبُ) رواه الروياني في
مسنده .. (قلت خالد صاحب الرسالة): الحديث حسن ..، و (عبد الملك بن نمير) هو من
رجال البخاري ومسلم .. وقد وثقة بن نمير وبن معين وضعفه أحمد بن حنبل .. (راجع تهذيب الكمال وتهذيب
التهذيب ج6 ص412) ..، وكذلك وثقه يعقوب الفسوي والذهبي وبن حجر .. وقال بن
حجر: ثقةٌ فصيحُ عالم تغيَّر حِفْظُه وربما دلَّس .. (وقال
مصنفوا تحرير تقريب التهذيب تعقيبا على قول بن حجر) فقالوا: بل: صدوقٌ
حسن الحديث، فإنَّه لا يرتقي حديثه إلى مراتب الصحة، نعم وثقه العجلي، وابن نمير،
ويعقوب بن سفيان (المعرفة: 3/ 87)، لكن قال النسائي: ليس به بأس، وضعَّفه أحمد
جدًّا، وقال ابن معين في أصح الرِّوايات عنه: مخلّط. وقال أبو حاتم: صالح الحديث
... لم يوصف بالحفظ ..، أما قوله: "ربما دَلّس"، فإنه أخذها من ابن
حبان، ونقل في "طبقات المدلسين" عن الدارقطني وصفه بالتدليس، ولعل ذلك
لكونه كان يرسل عن بعض الصحابة، فهو لم يسمع عن أبي عبيدة بن الجراح، ولا من عدي
بن حاتم، ولا أدرك الأشعث بن قيس، ويشك في سماعه من جرير بن عبد الله البجلي. (انتهى النقل – راجع تحرير تهذيب
التهذيب ج2 ص386-387 – ترجمة رقم 4200).
3-
جاء في (حديث
صحيح) .. عن حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِمَّا
تَدَاوَوْنَ بِهِ خَيْرٌ فَفِي الْحِجَامَةِ) رواه ابن أبي شيبه في مصنفه. (قلت خالد صاحب الرسالة):
الحديث صحيح.
@- إذن خلاصة ما سبق:
- أن النبي
صلى الله عليه وسلم يوضح أن الحجامة كانت العرب تفعلها أو الناس يفعلوها أو كانت
وسيلة من وسائل التداوي التي كان العرب يفعلوها من قبل وجود النبي صلى الله عليه
وسلم في الحياة .. بل كانت من زمن المصرين القدماء وعلى جدرانهم رسومات لكاسات
الحجامة .. وفي الصين كانت الحجامة معروفة من أكثر من ألفي عام .. وليس هذا محل
ذكر تاريخ الحجامة إلا أن تاريخها من آلاف السنين.
#- ثانيا: أما عن أماكن حجامة النبي صلى الله عليه وسلم:
-
ثبت لي من الأحاديث في السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قد احتجم في عدة
مواضع من جسمه .. وأذكر الصحيح من الروايات .. والذي أجده هو ثلاث مواضع (باعتبار أن
الظهر يشمل "الكاهل والأخدعين") .. أو أربعة مواضع باعتبار أن الكاهل موضع
والأخدعين موضع آخر .. وإليك بيان ذلك:
1-
الرأس:
#- جاء في (حديث صحيح) .. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ، مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ) صحيح البخاري.
- معنى (شقيقة): أي ألم في أحد جانبي الرأس .. وهو ما يسمى حاليا
بالصداع النصفي.
#-
وجاء في (حديث
صحيح) .. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ،
عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ احْتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِهِ) صحيح مسلم.
@- احذر وانتبه وخد بالك .. وابتعد عن الحجامة على الرأس .. لأن من يفعلها قد يكون سببا في حدوث مشكلة كبيرة لك .. فقد فعلها التابعي معمر بن راشد وقال (احْتَجَمْتُ فَذَهَبَ عَقْلِي حَتَّى كُنْتُ أُلَقَّنُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي صَلَاتِي، وَكَانَ احْتَجَمَ عَلَى هَامَتِهِ "أي رأسه") رواه أبو داود .. وأشار لصحته الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح وضعيف سنن أبي داود حديث رقم 3860.
@- ولا نعرف كيف كانت حجامة النبي على الرأس .. هل كانت حجامة جافة بدون تشريط الجلد بالموس ولم يصاحبها إخراج دم .. أم كانت حجامة مع التشريط على الجلد بالموس فصاحبها خروج دم ..!!
-
ولكن الحجامة النبوية على منطقة الظهر (عند موضع الكاهل والأخدعين)
هي التي كانت بتشريط وإخراج دم.
2- ظهر القدم:
- جاء في (حديث صحيح) .. عن أنس بن مالك قال: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ) رواه أحمد .. وقال محققو مسند أحمد: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
-
وجاء في (حديث
صحيح) .. بلفظ آخر عن أنس بن مالك قال: (احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجَعٍ
كَانَ بِهِ) رواه أحمد .. وقال محققو المسند: إسناده صحيح
رجاله ثقات رجال الصحيح..
-
والوجع المقصود به في الحديث هو وجع قدم النبي كما حكى أنس بن مالك في الرواية السابقة.
@- ملحوظة هامة: من حديث الصحابيان
بن عباس وأنس بن مالك .. يتبين لنا أن النبي قد احتجم مرتين وهو محرم .. مرة على
الرأس حينما شعر بصداع نصفي كما في حديث بن عباس ..، ومرة على ظهر القدم بسبب وجع
أصابه في قدمه كما في حديث أنس بن مالك .. وهذا الوجع
غلى القدم لا نعرف سببه. قد يكون بسبب إلتواء أو كدمة أو لدغة حشرة أو ما شابه ..
الله أعلم.
3- الأخدعين والكاهل (منطقة الظهر):
-
جاء في (حديث
صحيح) .. عن أنس بن مالك قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجِمُ ثَلَاثًا: وَاحِدَةً عَلَى كَاهِلِهِ .. وَاثْنَتَيْنِ
عَلَى الْأَخْدَعَيْنِ) رواه أحمد .. وقال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط
الشيخين.
- معنى (الأخدعين): هما عرقان في خلف الرقبة من القفا .. ومكانهما
عند بداية الرقبة من أسفل عند منتهى الظهر .. وليس المقصود على الحجامة على
العرقين لأنهما داخل الجسم .. وإنما المقصود هو المكان الذي يكون فيه مسار أو
اتجاه الأخدعين وهو خلف الرقبة من أسفل.
-
معنى (الكاهل): وهو المنطقة التي تقع بين الكتفين من ناحية
الظهر.
@- جاء في (حديث فيه ضعف) .. عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ
بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِوَرِكِهِ - أَوْ
ظَهْرِهِ) رواه أحمد .. وقال محققو المسند: صحيح لغيره ..،
وصححه بن خزيمة والأعظمي..، وقال شعيب الأرنؤوط رحمه الله في تخريج سنن أبي داود
عند الحديث رقم 3863: صحيح لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكن أبا الزبير -وهو محمد
بن مسلم بن تدرُس المكي- لم يُصرِّح بسماعه من جابر.
-
معنى (وثء): أي وجع يصيب الجسم دون العظم.
#- وبالرغم من تصحيح بعض العلماء لهذه الرواية السابقة التي فيها الحجامة من وجع على الورك .. ولكن هذا الحديث فيه علة تضعفه ولا يمكن قبوله حسب ضوابط اهل العلم .. وهو أن أبا الزبير لم يصرح بالتحديث عن جابر بن عبد الله .. وكان أبو الزبير يدلس في الرواية عن الصحابي جابر بن عبد الله .. إلا ما رواه الليث بن سعد عن أبي الزبير فهو صحيح .. هكذا (عن الليث عن أبي الزبير عن جابر) .. فالحديث صحيح .. لأن الليث بن سعد هو الوحيد الذي عرف الأحاديث التي سمعها أبو الزبير بالتلقي المباشر عن جابر .. فصح الحديث حينئذ وخلى من شبهة التدليس.
-
وتصحيح محققو المسند للحديث بقولهم صحيح لغيره .. فهذا مفهوم منه أن هذا
الحديث ضعيف الإسناد لهذه العلة المذكورة وهي تدليس أبو الزبير .. ولكنه صحيح
المعنى باعتبار شواهده وليس باعتبار الحديث صحيح لذاته .. وشواهده ليست فيها حجامة
على الورك .. وإنما على الظهر مثل حجامة الكاهل والأخدعين.
-
أما عن تصحيح الإمام بن خزيمة للحديث في صحيحه أو تصحيح الضياء الأعظمي
في الجامع الكامل لهذا الحديث .. فلعل كلاهما لم ينتبه للعلة المذكورة في سند
الحديث وهي تدليس أبو الزبير في الرواية عن جابر .. ونظروا فقط لكون الإسناد كله
ثقات دون الإنتباه لعلة التدليس .. وهذا كثيرا ما يحدث عدم الإنتباه لهذه الجزئية
وهذا لا يعيب عالم.
#-
وخلاصة القول في
حديث الحجامة على الورك .. بعد بحث لم أجد أي رواية صحيحة تقول بأن النبي صلى الله عليه
وسلم قد احتجم من وجع في وركه .. وما وجدته هو روايات كلها مروية (عن
أبي الزبير عن جابر) .. ولم يصرح أبو الزبير بالتحديث عن جابر .. فظهرت شبهة
التدليس في الرواية وضعفت الرواية بذلك.. خاصة وليس لها متابعة ولا شاهد على جزئية
الحجامة بسبب وجع الورك. (وراجع
ما ذكره الإمام العلائي في جامع التحصيل ص 110 ترجمة
رقم 50 – لتعرف لماذا الليث بن سعد روايته صحيحة عن أبو الزبير محمد بن مسلم بن
تدرس) ..، أو راجع رسالتي البحثية
(رسالة التعريف النفيس ببعض مصطلحات أهل الحديث ص14-15
تحت عنوان: تاسعا: ما هي بعض العلل أو العيوب المشهورة التي تجدها في تحقيق
الأحاديث؟).
#-
مع ملاحظة هامة:
-
أن وجود الوجع في مكان ليس معناه أن فعل الحجامة في مكان الوجع .. وإنما
فعل الحجامة بسبب هذا الوجه ومكانها قد يكون في منطقة أخرى .. إلا ما تم التصريح
به أنه فعل الحجامة على المكان الفلاني مثل الكاهل والأخدعين وظاهر القدم وعلى
الرأس .. فهذه أماكن صريحة بعمل الحجامة فيها.
-
ولذلك يرى الإمام بن خزيمة في صحيحة .. أن الوجع الذي كان على ظهر أو ورك النبي تم
حجامته على منطقة بظهر القدم .. إذ قال رحمه الله: (احتجم على ظهر القدم وإنما كانت
للوثء الذي كان بظهره أو بوركه) صحيح بن خزيمة عند الحديث رقم 2660.
#- وخلاصة القول أخي الحبيب:
1-
مفهوم الحجامة النبوية .. هي الحجامة التي استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم
على أماكن محددة على جسمه بسبب وجع أصاب جسمه.
2- أن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يخترع الحجامة
للتداوي .. وإنما كان مرشدا للحجامة كوسيلة من وسائل التداوي الجيدة
والتي هي من خير ما تداوى به الناس أو العرب أو غيرهم.
3-
حجامة النبي كانت للعلاجات العضوية الجسدية فقط (الظهر والقدم والرأس)
.. ولما قال النبي (خير ما تداويتم به الحجامة)
أي في الأمراض العضوية فقط .. ودليل ذلك كان كل استخدامات النبي للحجامة للتخفيف
من الوجع أو الألم الجسدي.
- أما من يزعم أن النبي استخدم الحجامة لعلاج السحر والمس الشيطاني
فهذا باطل وكذب على النبي .. ولو كان ما يقوله صحيح فلماذا لم يستخدم النبي صلى
الله عليه وسلم الحجامة في فك السحر عنه وإبطاله ؟!! ولماذا لم تستخدم السيدة
عائشة والسيدة حفصة الحجامة في إبطال السحر عنهن ؟!!
- أفيقوا يا مؤمنين من خرافات الدجالين الذين يأكلون أموالكم
بالباطل.
#- ملحوظة هامة:
-
لا تظن أخي الحبيب أن موضوع الحجامة والسحر .. قد انتهى هكذا في هذا الفصل .. لا .. فهذا
الفصل كان مجرد مقدمة للفصل القادم .. فانتظر الفصل القادم حتى تعلم إجابة على
الآتي:
أ-
هل توجد حجامة نبوية لفك السحر وطرد المس الشيطاني الذي يسمونه عاشق ؟ (خرافة فك السحر وطرد المس الشيطاني بالحجامة النبوية).
ب-
هل توجد حجامة نبوية لاصطياد الجن والشيطان والعفريت في كأس
الحجامة ؟!!
ج-
أما عن خدعة الدم المستخرج من كأس الحجامة والذي يتم تحليله ..
ليخبروك أنها دليل القبض على
الجن .. فهذه حدوته لطيفة تعالى أقولك إزاي استحمر الشيطان جماعة المعالجين
بالحجامة وخلاهم يصدقوا أنهم بيمسكوا العفريت بكأس الحجامة.
@-
تابع معي .. والله ولي التوفيق ..





عناوين واسئلة مشوقة جدااا للمتابعة👌
ردحذفربي ينفعنا بما علمك الله ويؤجرك على تعبك واجتهادك استاذنا الفاضل .. ويجعلك من المقبولين المحبوبين في السماء والارض .. آمين يارب العالمين
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم