بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة
قصة نبي الله لوط عليه السلام
مع قومه الشواذ جنسيا بالمثلية
اللُّواطِيُّون والسُّحَاقيَّات
(الجزء الرابع والثلاثون)
#- فهرس:
:: الفصل الرابع والثلاثون :: عن قول قوم لوط للنبي لوط (أولم ننهك عن العالمين) – الفرق بين قول
القرآن في قوم لوط (أهل المدينة) و (أهل هذه القرية) ::
1- س105: لماذا رد قوم لوط على لوط بقولهم (أولم ننهك عن العالمين) بعد
أن قال لهم لوط (أليس منكم رجل رشيد) ؟ ولماذا قالوا (أولم ننهك) ولم يقولوا (ألم ننهك) ؟
2- س106: لماذا قال القرآن (وجاء
أهل المدينة يستبشرن) في حين ذكر القرآن في
نفس الوقت أن الملائكة قالت (إنا مهلكوا أهل هذه
القرية) ؟
#- في سورة يس قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا
الْمُرْسَلُونَ) يس:13..، ومرة أخرى قال (وَجَاءَ
مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا
الْمُرْسَلِينَ) يس:20..، فهل هي قرية أم مدينة ؟!!
*****************
:: الفصل الرابع والثلاثون ::
******************
..: س105: لماذا رد قوم لوط على لوط
بقولهم (أولم ننهك عن العالمين) بعد أن قال لهم لوط (أليس منكم رجل رشيد) ؟ ولماذا قالوا (أولم ننهك) ولم يقولوا (ألم ننهك) ؟ ::..
1-
قال تعالى حاكيا عما قاله لوط لقومه: (قَالَ يَا قَوْمِ
هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي
ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا
فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) هود:78-79.
#-
جاء في التفسير
الميسر:
-
فقال لوط لقومه: هؤلاء بناتي تَزَوَّجوهن فهنَّ أطهر لكم مما تريدون،
وسماهن بناته; لأن نبي الأمة بمنزلة الأب لهم، فاخشوا الله واحذروا عقابه، ولا
تفضحوني بالاعتداء على ضيفي، أليس منكم رجل ذو رشد، ينهى من أراد ركوب الفاحشة،
فيحول بينهم وبينها، فإهانة الضيف مسبة لا يفعلها إلا أهل السفاهة ؟.
-
قال قوم لوط له: لقد علمتَ من قبلُ أنه ليس لنا في النساء من حاجة أو رغبة، وإنك لتعلم ما
نريد، أي لا نريد إلا الرجال ولا رغبة لنا في نكاح النساء. (انتهى النقل).
2-
وقال تعالى حاكيا عما قاله لوط لقومه بطريقة أخرى: (قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ
هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) الحجر:68-71.
#-
جاء في تفسير الميسر:
-
قال قومه: أو لم نَنْهَكَ أن تضيِّف أحدا من العالمين (وكانوا
يقطعون السبيل على المسافرين) .. لأنَّا نريد فعل الفاحشة بهم ؟
-
قال لوط لهم: هؤلاء نساؤكم بناتي فتزوَّجوهن إن كنتم تريدون قضاء
وطركم، وسماهن بناته؛ لأن نبي الأمة بمنزلة الأب لهم، ولا تفعلوا ما حرَّم الله
عليكم من إتيان الرجال.. (انتهى النقل).
3- قلت (خالد صاحب الرسالة):
أ-
حينما أنكر النبي لوط على قومه بقوله (أليس منكم رجل رشيد) .. فذلك الإنكار كان مصحوبا
بما فيه إمكانية تحريك من فيه بقايا رجولة مؤيدة باستقامة حال أو فيه صلاح وحكمة
ممن حضر مع القوم لينهاهم عن فعل هذا المنكر .. فيعينه ويقف في صفه ويساعده في
إيقاف ما يريد قومه فعله.
-
فكان جواب قومه عليه .. أن أنكروا عليه كما أنكر عليهم .. فقالوا له:
(أولم ننهك عن العالمين) من أن تؤويهم و تشفع فيهم و تدافع
عنهم ؟!! وأنكروا عليه توجيهه لهم للزواج من نساء القرية فقالوا له: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي
بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ).
ب-
فأنكروا عليه حمايته لضيوفه .. بأشد استنكار وتوبيخ .. فجاء اللفظ بأنهم قالوا (أولم ننهك) ولم يقولوا (ألم ننهك) .. فالألف أفاد الإنكار والتوبيخ .. وحرف الواو أتى
ليفيد القوة في نهيه وزجره عن التعرض لأي أحد من الناس يدخل القرية أو يقترب
منها.. و (لم) هو حرف نفي.
-
وبهذا التحذير الشديد اللهجة للوط بقولهم (أولم ننهك) .. كأنهم يبرئون أنفسهم مما سيحدث مع ضيوف لوط لأنهم
سبق وحذروه من التعرض لأي أحد .. وبذلك أصبح ما يفعله لوط في الدفاع عن ضيوفه هو
الباطل والمخالف للقانون .. وما جاؤوا من أجله هو الحق الذي من حقهم أن يفعلوه إذ
قد سبق تحذيرهم له ..!!
ج-
ومعنى أن أهل المدينة الذين حضروا .. لم يظهر من بينهم رجل رشيد يدافع عن لوط ..
فهذا معناه أن أهل المدينة فقدوا رشدهم بالكامل ولم يبقى فيهم رجل رشيد فيه بقايا
صلاح أو حكمة .. بل اسودت نفوس كل قوم لوط بالعشق الكامل لجماع فتحة الخراء عند
الذكران .. حتى تنازلوا عن إنسانيتهم بالكامل مقابل إتيان فتحة الخراء ..!!
- والله أعلم.
*******************
..:: س106: لماذا قال القرآن (وجاء أهل المدينة يستبشرن) في حين ذكر القرآن في نفس
الوقت أن الملائكة قالت (إنا مهلكوا أهل هذه القرية) ؟ ::..
- قال تعالى:
(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى
قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ
هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ
فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ
إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ
رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا
تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ
الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ
بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) العنكبوت:31-34.
- وقال
تعالى: (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ
إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا
تُخْزُونِ) الحجر:67-69.
-
فلو لاحظنا في الآيات السابقة .. سنجد مرة القرآن يذكر قوم لوط باهل القرية
ومرة أخرى بأهل المدينة .. خاصة وأن أحداث الآيات السابقة في نفس التوقيت .. إذ أن
ذهاب الملائكة للوط هو نفس توقت مجيء أهل المدينة إليه.
- فلماذا القرآن حكي عن قوم لوط فقال: (جاء أهل المدينة) ولم يقل "جاء أهل القرية"
كما أخبر الملائكة إبراهيم بأنهم ذاهبون لهلاك أهل هذه القرية وهي قرية قوم لوط ؟
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
-
قد بحثت في هذا السؤال كثيرا ولم أجد من تكلم فيه .. فاجتهدت فيه وأقول:
1-
أظن أن القرآن لما وصف قوم لوط بأهل القرية .. فذلك باعتبار المكان الذي يستوطنوه واتخذوه سكنا
لهم وفيه حياتهم.
-
ولكن لما وصف قوم لوط بأنهم أهل المدينة .. فذلك باعتبار الإرتقاء الذي كان يعيش فيه أهل
هذه القرية من علو يميزهم على غيرهم من القرى المحيطة بهم كتقدم في نواحي اقتصادية
وعسكرية وعلمية وكان لهم مباني يسكنون فيها .. وذلك بما لم يكن لقرية قريبة منهم بمثل
ما وصلوا إليه من تقدم .. ولذلك كانوا يقطعون السبيل على من يمر بجوار قريتهم دون أن
يتخوفوا رد فعل من أي قرية قريبة منهم لأنهم يمتلكون ما يقهرون به غيرهم.
-
إذن: القرآن لما قال (جاء أهل المدينة) فذلك
باعتبار تقدمهم وعلوهم على كل قرية قربة كانت قريبة منهم ..، ولما قال القرآن (أهل هذه القرية) فذلك باعتبار محل إقامتهم
الذي يسكنون فيه.
-
فأهل القرية: دلالة على المجتمع اذي يسكن في حدود جغرافية محددة
.. أي المجتمع المرتبط بهذه الأرض.
-
وأهل المدينة: دلالة على حال هذا المجتمع الذي يسكن هذه الأرض .. وهو التقدم
المميز الذي كانوا يعيشونه .. أي رقي المعيشة التي كان يعيشها مجتمع هذه القرية.
2-
ولفظ المدينة: قد يعطينا دلالة أيضا على احتمالية اتساع رقعة الأرض التي
كان يسكنها قوم لوط .. وكأنها شملت عدة قرى ودخلت في حيازتهم فأصبحوا قرية واحدة كبيرة.
-
مع العلم أن لفظ المدينة .. يعني الإقامة بمكان .. ولا علاقة له بمساحة الأرض
كبيرة أم صغيرة .. وإنما فقط أقول أن اللفظ قد يكون فيه احتمالية دلالة لذلك على
افتراض ما قاله بعض المفسرين أن قرية لوط كانت مكونة من عدة قرى .. فلعل لفظ
المدينة يخدمهم في هذا الرأي.
3-
وأيضا لفظ المدينة: يعطينا إشارة إلى أن هذا المجتمع بالرغم مما
حدث له من ارتقاء وتقدم .. إلا أنه لم يصاحبه ارتقاء في الأخلاق والإيمان .. فلم
يساعدهم التقدم والإرتقاء بمستوى المعيشة إلى الإرتقاء بعلو الأخلاق والإيمان .. وإنما
كان سببا لمزيد من العلو في الأرض بالفساد وممارسة مزيد من الفحشاء دون رادع لهم
مغترين بما وصلوا إليه من قوة وقدرة.
-
هذا ما جال بخاطري .. والله أعلم.
3-
ولذلك حينما يتكلم القرآن عن يثرب فيقول عنها المدينة .. وذلك دلالة باعتبار ارتقائها بالإيمان على
غيرها من أهل زمانها في ذلك الوقت .. إذ كانوا أول مجتمع كبير على وجه الأرض مصدقا
بالنبي والقرآن قد اختصهم الله بذلك دون غيرهم .. وارتقى المجتمع فيها من ظلمات
الكفر إلى نور الإيمان ومحاسن الأخلاق .. حتى أصبحت المدينة قبلة لكل طالب للإيمان
الحق حتى اتسعت بأهل الحق فيها من المهاجرين مع الأنصار .. ومنها انتشر الحق في كل
الأرض.
-
فاكتسبت يثرب وصف المدينة .. لتغير حالها حين الإيمان بالنبي والقرآن .. وبهذا
الإيمان ارتقوا بعلم القرآن واتباع تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم ..، ليكونوا
صناع أكبر حضارة دينية إسلامية في العالم أجمع..، وأيضا اتسعت المدينة بالمؤمنين بعد أن هاجر إليهم أهل مكة المؤمنين.
#-
وخلاصة كل ما
سبق أخي الحبيب:
1-
يشار لأهل المدن عموما .. بأن لهم خصوصية تقدم ينفردوا بها
على غيرهم ممن ليس لهم هذا التقدم عند أهل القرى الأخرى .. ومحتمل قد يشار مع ذلك
اتساع مساحتها بكثرة سكانها .. لأنه كلما زاد التقدم زاد تعداد السكان لمطلب
الإنسان للحياة الأفضل.
2-
ويشار بلفظ القرية .. من حيث مكان الأرض التي يسكنه هذا المجتمع
من الناس.
@- فكل
مدينة هي قرية لاجتماع الناس فيها كوطن لهم .. وليس كل قرية هي مدينة لعدم علو شأنها عن غيرها
بالعلم والمعرفة والتقدم والرقي من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة والعلم والإيمان.
#- ملحوظة هامة أخي الحبيب:
-
مفهوم القرية والمدينة في اللغة .. لا علاقة له بمفهوم القرية والمدينة في
حياتنا المعاصرة .. لأن في حياتنا المعاصرة القرية جزء سكني صغير داخل محيط المدينة
ولكن على أطراف المدينة وليس فيه رفاهية حياة أهل المدينة.
-
لكن كلمة قرية في اللغة: هو المكان الذي اجتمع فيه الناس وسكنوه وأصبح
محل وطنهم .. بغض النظر عن تقدمه أو تأخره .. وبغض النظر عن اتساع مساحته أو قلة
مساحته .. ولذلك يصف القرآن المجتمعات بالقرى .. أي باعتبار المكان الذي يسكنوه
بغض النظر عن تقدمهم أو مساحتهم التي كانوا يسكنوها .. ولذلك قال جل شأنه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا
وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ
يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ
بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا
يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) الاعراف:96-99...
-
وقال جل شأنه: (تِلْكَ
الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا
وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)
الأعراف:101 ..
-
وقال جل شأنه: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
مُصْلِحُونَ) هود:117.
-
فأمريكا يصح وصفها بأنها قرية .. والهند يصح
وصفها بأنها قرية .. ومصر يصح وصفها بأنها
قرية .. وأي دولة في العالم يصح وصفها بأنها قرية بمفهوم اللغة العربية وهي لغة
القرآن .. وذلك باعتبار أنها قطعة
أرض لها حدود محيطة بجماعة من الناس يسكنوها ويقيمون فيها .. بغض النظر عن حجم
سكانها ومساحتها وتقدمها العلمي.
-
وإنما يشار بلفظ المدينة لهذه القرى .. باعتبارات أخرى اكتسبتها هذه
القرى من تقدم اقتصادي وعسكري وعلوم وعمارة مميزة في البنيان والخدمات .. فهنا تكتسب
وصف بكونها مدينة.
#- وإليك مثال من القرآن أطبقه على وجهة نظري فيما ذهبت
إليه:
- جاء في
سورة يس الآتي:
- قال تعالى:
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا
الْمُرْسَلُونَ) يس:13.
- وقال
تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) يس:20.
- فهل هي قرية أم مدينة ؟
-
لا .. هذا سؤال خطأ .. لأنها قرية وهي مدينة .. أي هي قرية مجتمعا
ومدينة وصفا .. أي هي قرية باعتبارها مكان يسكنه مجتمع من الناس .. وهي مدينة باعتبار
حال هذه القرية وما وصل فيه المجتمع من ارتقاءات وعلو في العلم والعمران تميزهم عن
غيرهم من القرى في زمانهم.
#-
فالسؤال كان خطأ .. لأن عقلك مرتبط بالواقع الذي تعيشه أنت الآن من
تقسيمات حديثة .. ولكن مفهوم القرية في القرآن هو حدود جغرافية يسكنها جماعة من
الناس .. ولذلك القرآن حينما يتحدث عن إرسال الرسل فهو يتحدث عن إرسال إلى منطقة جغرافية
معينة يسكنها جماعة من الناس سواء مساحتها كبيرة أو صغيرة .. وهي التي يسميها
بالقرية .. أي أرسل الرسل لهذا المجتمع من الناس في هذه الأرض.
-
ولكن حينما يأتي بلفظ المدينة فهنا نفهم أنه ستحدث عن حال هذا المجتمع وأن له خصوصية
أهل المدينة من علو المعرفة والعلم والعمران والخدمات وليس مجتمع بدائي.
#-
وكأن القرآن
يقول في سورة يس: أنه أرسل جماعة من الرسل إلى منطقة جغرافية معلومة
الحدود ويسكنها جماعة من الناس قد انحرفت أحوالهم عن منهج الله .. ولكن هذه القرية
كانت توصف بالمدينة باعتبار ما فيها من معرفة وعلم وتقدم عن غيرها من المجتمعات
البدائية الأخرى في زمانهم ..، وفي تلك المدينة جاء رجل كان يسكن في أطرافها وقد
آمن بهؤلاء الرسل .. ولعل الرسل كانوا قابلوها عند دخولهم لهذه المدينة وآمن بهم ..
ولما بلغه عناد قومه مع الرسل .. فأراد أن يدعم الرسل ويقوي دعوتهم بإظهار إيمانه
بهم .. إلا أن قومه قتلوه.
@-
وكأن كل مجتمع علا فيه رفاهية
المعيشة .. كان أقرب للإنحراف السريع عن غيره من المجتمعات وأبعد عن قبول الأحكام
الإلهية في أنفسهم لأنها تقيد رغباتهم النفسية عن الإنحراف .. وهذه أجدها إشارة عجيبة في القرآن
للتفرقة بين القرية والمدينة في المجتمعات التي أهلكها رب العالمين .. فكل مجتمع ارتقى
حاله بالعلم والعمران ورفاهية الخدمات في زمن الأنبياء كان سببا لجحودهم لأحكام
الله .. إلا مجتمع واحد فقط لا ينهار مهما أحيط برفاهية الخدمات وزيادة العلم
والعمران .. وهو مجتمع المدينة المحاطة بنور الإيمان واتباع النبي صلى الله عليه
وسلم في كل الأزمان .. ولذلك بقيت المدينة المنورة منورة إلى آخر الزمان.
-
وليس المجتمع المقصود به الدولة فقط .. وإنما مجتمع الأسرة أيضا .. فكل مجتمع اجتمع فيه نور
الإيمان ثبت مع سطوة الأقدار عليه (ابتلاءات الحياة) لأنه كان مجتمع صادق مع الله.
#-
عموما كان هذا اجتهادي في المسألة .. وأرجو من الله أن أكون قد وفقت فيما
اجتهدت فيه .. والحمد لله رب العالمين.
- والله
أعلم.
(الجزء الرابع والثلاثون)
:: الفصل الرابع والثلاثون :: عن قول قوم لوط للنبي لوط (أولم ننهك عن العالمين) – الفرق بين قول
القرآن في قوم لوط (أهل المدينة) و (أهل هذه القرية) ::
1- س105: لماذا رد قوم لوط على لوط بقولهم (أولم ننهك عن العالمين) بعد
أن قال لهم لوط (أليس منكم رجل رشيد) ؟ ولماذا قالوا (أولم ننهك) ولم يقولوا (ألم ننهك) ؟
2- س106: لماذا قال القرآن (وجاء
أهل المدينة يستبشرن) في حين ذكر القرآن في
نفس الوقت أن الملائكة قالت (إنا مهلكوا أهل هذه
القرية) ؟
#- في سورة يس قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) يس:13..، ومرة أخرى قال (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) يس:20..، فهل هي قرية أم مدينة ؟!!
*****************
:: الفصل الرابع والثلاثون ::
******************
..: س105: لماذا رد قوم لوط على لوط
بقولهم (أولم ننهك عن العالمين) بعد أن قال لهم لوط (أليس منكم رجل رشيد) ؟ ولماذا قالوا (أولم ننهك) ولم يقولوا (ألم ننهك) ؟ ::..
1-
قال تعالى حاكيا عما قاله لوط لقومه: (قَالَ يَا قَوْمِ
هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي
ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا
فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) هود:78-79.
#-
جاء في التفسير
الميسر:
-
فقال لوط لقومه: هؤلاء بناتي تَزَوَّجوهن فهنَّ أطهر لكم مما تريدون،
وسماهن بناته; لأن نبي الأمة بمنزلة الأب لهم، فاخشوا الله واحذروا عقابه، ولا
تفضحوني بالاعتداء على ضيفي، أليس منكم رجل ذو رشد، ينهى من أراد ركوب الفاحشة،
فيحول بينهم وبينها، فإهانة الضيف مسبة لا يفعلها إلا أهل السفاهة ؟.
-
قال قوم لوط له: لقد علمتَ من قبلُ أنه ليس لنا في النساء من حاجة أو رغبة، وإنك لتعلم ما
نريد، أي لا نريد إلا الرجال ولا رغبة لنا في نكاح النساء. (انتهى النقل).
2-
وقال تعالى حاكيا عما قاله لوط لقومه بطريقة أخرى: (قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ
هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) الحجر:68-71.
#-
جاء في تفسير الميسر:
-
قال قومه: أو لم نَنْهَكَ أن تضيِّف أحدا من العالمين (وكانوا
يقطعون السبيل على المسافرين) .. لأنَّا نريد فعل الفاحشة بهم ؟
-
قال لوط لهم: هؤلاء نساؤكم بناتي فتزوَّجوهن إن كنتم تريدون قضاء
وطركم، وسماهن بناته؛ لأن نبي الأمة بمنزلة الأب لهم، ولا تفعلوا ما حرَّم الله
عليكم من إتيان الرجال.. (انتهى النقل).
3- قلت (خالد صاحب الرسالة):
أ-
حينما أنكر النبي لوط على قومه بقوله (أليس منكم رجل رشيد) .. فذلك الإنكار كان مصحوبا
بما فيه إمكانية تحريك من فيه بقايا رجولة مؤيدة باستقامة حال أو فيه صلاح وحكمة
ممن حضر مع القوم لينهاهم عن فعل هذا المنكر .. فيعينه ويقف في صفه ويساعده في
إيقاف ما يريد قومه فعله.
-
فكان جواب قومه عليه .. أن أنكروا عليه كما أنكر عليهم .. فقالوا له:
(أولم ننهك عن العالمين) من أن تؤويهم و تشفع فيهم و تدافع
عنهم ؟!! وأنكروا عليه توجيهه لهم للزواج من نساء القرية فقالوا له: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي
بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ).
ب-
فأنكروا عليه حمايته لضيوفه .. بأشد استنكار وتوبيخ .. فجاء اللفظ بأنهم قالوا (أولم ننهك) ولم يقولوا (ألم ننهك) .. فالألف أفاد الإنكار والتوبيخ .. وحرف الواو أتى
ليفيد القوة في نهيه وزجره عن التعرض لأي أحد من الناس يدخل القرية أو يقترب
منها.. و (لم) هو حرف نفي.
-
وبهذا التحذير الشديد اللهجة للوط بقولهم (أولم ننهك) .. كأنهم يبرئون أنفسهم مما سيحدث مع ضيوف لوط لأنهم
سبق وحذروه من التعرض لأي أحد .. وبذلك أصبح ما يفعله لوط في الدفاع عن ضيوفه هو
الباطل والمخالف للقانون .. وما جاؤوا من أجله هو الحق الذي من حقهم أن يفعلوه إذ
قد سبق تحذيرهم له ..!!
ج-
ومعنى أن أهل المدينة الذين حضروا .. لم يظهر من بينهم رجل رشيد يدافع عن لوط ..
فهذا معناه أن أهل المدينة فقدوا رشدهم بالكامل ولم يبقى فيهم رجل رشيد فيه بقايا
صلاح أو حكمة .. بل اسودت نفوس كل قوم لوط بالعشق الكامل لجماع فتحة الخراء عند
الذكران .. حتى تنازلوا عن إنسانيتهم بالكامل مقابل إتيان فتحة الخراء ..!!
- والله أعلم.
*******************
..:: س106: لماذا قال القرآن (وجاء أهل المدينة يستبشرن) في حين ذكر القرآن في نفس
الوقت أن الملائكة قالت (إنا مهلكوا أهل هذه القرية) ؟ ::..
- قال تعالى:
(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى
قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ
هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ
فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ
إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ
رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا
تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ
الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ
بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) العنكبوت:31-34.
- وقال
تعالى: (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ
إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا
تُخْزُونِ) الحجر:67-69.
-
فلو لاحظنا في الآيات السابقة .. سنجد مرة القرآن يذكر قوم لوط باهل القرية
ومرة أخرى بأهل المدينة .. خاصة وأن أحداث الآيات السابقة في نفس التوقيت .. إذ أن
ذهاب الملائكة للوط هو نفس توقت مجيء أهل المدينة إليه.
- فلماذا القرآن حكي عن قوم لوط فقال: (جاء أهل المدينة) ولم يقل "جاء أهل القرية"
كما أخبر الملائكة إبراهيم بأنهم ذاهبون لهلاك أهل هذه القرية وهي قرية قوم لوط ؟
#- قلت (خالد صاحب الرسالة):
-
قد بحثت في هذا السؤال كثيرا ولم أجد من تكلم فيه .. فاجتهدت فيه وأقول:
1-
أظن أن القرآن لما وصف قوم لوط بأهل القرية .. فذلك باعتبار المكان الذي يستوطنوه واتخذوه سكنا
لهم وفيه حياتهم.
-
ولكن لما وصف قوم لوط بأنهم أهل المدينة .. فذلك باعتبار الإرتقاء الذي كان يعيش فيه أهل
هذه القرية من علو يميزهم على غيرهم من القرى المحيطة بهم كتقدم في نواحي اقتصادية
وعسكرية وعلمية وكان لهم مباني يسكنون فيها .. وذلك بما لم يكن لقرية قريبة منهم بمثل
ما وصلوا إليه من تقدم .. ولذلك كانوا يقطعون السبيل على من يمر بجوار قريتهم دون أن
يتخوفوا رد فعل من أي قرية قريبة منهم لأنهم يمتلكون ما يقهرون به غيرهم.
-
إذن: القرآن لما قال (جاء أهل المدينة) فذلك
باعتبار تقدمهم وعلوهم على كل قرية قربة كانت قريبة منهم ..، ولما قال القرآن (أهل هذه القرية) فذلك باعتبار محل إقامتهم
الذي يسكنون فيه.
-
فأهل القرية: دلالة على المجتمع اذي يسكن في حدود جغرافية محددة
.. أي المجتمع المرتبط بهذه الأرض.
-
وأهل المدينة: دلالة على حال هذا المجتمع الذي يسكن هذه الأرض .. وهو التقدم
المميز الذي كانوا يعيشونه .. أي رقي المعيشة التي كان يعيشها مجتمع هذه القرية.
2-
ولفظ المدينة: قد يعطينا دلالة أيضا على احتمالية اتساع رقعة الأرض التي
كان يسكنها قوم لوط .. وكأنها شملت عدة قرى ودخلت في حيازتهم فأصبحوا قرية واحدة كبيرة.
-
مع العلم أن لفظ المدينة .. يعني الإقامة بمكان .. ولا علاقة له بمساحة الأرض
كبيرة أم صغيرة .. وإنما فقط أقول أن اللفظ قد يكون فيه احتمالية دلالة لذلك على
افتراض ما قاله بعض المفسرين أن قرية لوط كانت مكونة من عدة قرى .. فلعل لفظ
المدينة يخدمهم في هذا الرأي.
3-
وأيضا لفظ المدينة: يعطينا إشارة إلى أن هذا المجتمع بالرغم مما
حدث له من ارتقاء وتقدم .. إلا أنه لم يصاحبه ارتقاء في الأخلاق والإيمان .. فلم
يساعدهم التقدم والإرتقاء بمستوى المعيشة إلى الإرتقاء بعلو الأخلاق والإيمان .. وإنما
كان سببا لمزيد من العلو في الأرض بالفساد وممارسة مزيد من الفحشاء دون رادع لهم
مغترين بما وصلوا إليه من قوة وقدرة.
- هذا ما جال بخاطري .. والله أعلم.
3-
ولذلك حينما يتكلم القرآن عن يثرب فيقول عنها المدينة .. وذلك دلالة باعتبار ارتقائها بالإيمان على
غيرها من أهل زمانها في ذلك الوقت .. إذ كانوا أول مجتمع كبير على وجه الأرض مصدقا
بالنبي والقرآن قد اختصهم الله بذلك دون غيرهم .. وارتقى المجتمع فيها من ظلمات
الكفر إلى نور الإيمان ومحاسن الأخلاق .. حتى أصبحت المدينة قبلة لكل طالب للإيمان
الحق حتى اتسعت بأهل الحق فيها من المهاجرين مع الأنصار .. ومنها انتشر الحق في كل
الأرض.
-
فاكتسبت يثرب وصف المدينة .. لتغير حالها حين الإيمان بالنبي والقرآن .. وبهذا
الإيمان ارتقوا بعلم القرآن واتباع تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم ..، ليكونوا
صناع أكبر حضارة دينية إسلامية في العالم أجمع..، وأيضا اتسعت المدينة بالمؤمنين بعد أن هاجر إليهم أهل مكة المؤمنين.
#-
وخلاصة كل ما
سبق أخي الحبيب:
1-
يشار لأهل المدن عموما .. بأن لهم خصوصية تقدم ينفردوا بها
على غيرهم ممن ليس لهم هذا التقدم عند أهل القرى الأخرى .. ومحتمل قد يشار مع ذلك
اتساع مساحتها بكثرة سكانها .. لأنه كلما زاد التقدم زاد تعداد السكان لمطلب
الإنسان للحياة الأفضل.
2-
ويشار بلفظ القرية .. من حيث مكان الأرض التي يسكنه هذا المجتمع
من الناس.
@- فكل
مدينة هي قرية لاجتماع الناس فيها كوطن لهم .. وليس كل قرية هي مدينة لعدم علو شأنها عن غيرها
بالعلم والمعرفة والتقدم والرقي من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة والعلم والإيمان.
#- ملحوظة هامة أخي الحبيب:
-
مفهوم القرية والمدينة في اللغة .. لا علاقة له بمفهوم القرية والمدينة في
حياتنا المعاصرة .. لأن في حياتنا المعاصرة القرية جزء سكني صغير داخل محيط المدينة
ولكن على أطراف المدينة وليس فيه رفاهية حياة أهل المدينة.
-
لكن كلمة قرية في اللغة: هو المكان الذي اجتمع فيه الناس وسكنوه وأصبح
محل وطنهم .. بغض النظر عن تقدمه أو تأخره .. وبغض النظر عن اتساع مساحته أو قلة
مساحته .. ولذلك يصف القرآن المجتمعات بالقرى .. أي باعتبار المكان الذي يسكنوه
بغض النظر عن تقدمهم أو مساحتهم التي كانوا يسكنوها .. ولذلك قال جل شأنه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا
وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ
يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ
بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا
يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) الاعراف:96-99...
-
وقال جل شأنه: (تِلْكَ
الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا
وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)
الأعراف:101 ..
-
وقال جل شأنه: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
مُصْلِحُونَ) هود:117.
-
فأمريكا يصح وصفها بأنها قرية .. والهند يصح
وصفها بأنها قرية .. ومصر يصح وصفها بأنها
قرية .. وأي دولة في العالم يصح وصفها بأنها قرية بمفهوم اللغة العربية وهي لغة
القرآن .. وذلك باعتبار أنها قطعة
أرض لها حدود محيطة بجماعة من الناس يسكنوها ويقيمون فيها .. بغض النظر عن حجم
سكانها ومساحتها وتقدمها العلمي.
- وإنما يشار بلفظ المدينة لهذه القرى .. باعتبارات أخرى اكتسبتها هذه القرى من تقدم اقتصادي وعسكري وعلوم وعمارة مميزة في البنيان والخدمات .. فهنا تكتسب وصف بكونها مدينة.
#- وإليك مثال من القرآن أطبقه على وجهة نظري فيما ذهبت إليه:
- جاء في
سورة يس الآتي:
- قال تعالى:
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا
الْمُرْسَلُونَ) يس:13.
- وقال
تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) يس:20.
- فهل هي قرية أم مدينة ؟
-
لا .. هذا سؤال خطأ .. لأنها قرية وهي مدينة .. أي هي قرية مجتمعا
ومدينة وصفا .. أي هي قرية باعتبارها مكان يسكنه مجتمع من الناس .. وهي مدينة باعتبار
حال هذه القرية وما وصل فيه المجتمع من ارتقاءات وعلو في العلم والعمران تميزهم عن
غيرهم من القرى في زمانهم.
#-
فالسؤال كان خطأ .. لأن عقلك مرتبط بالواقع الذي تعيشه أنت الآن من
تقسيمات حديثة .. ولكن مفهوم القرية في القرآن هو حدود جغرافية يسكنها جماعة من
الناس .. ولذلك القرآن حينما يتحدث عن إرسال الرسل فهو يتحدث عن إرسال إلى منطقة جغرافية
معينة يسكنها جماعة من الناس سواء مساحتها كبيرة أو صغيرة .. وهي التي يسميها
بالقرية .. أي أرسل الرسل لهذا المجتمع من الناس في هذه الأرض.
-
ولكن حينما يأتي بلفظ المدينة فهنا نفهم أنه ستحدث عن حال هذا المجتمع وأن له خصوصية
أهل المدينة من علو المعرفة والعلم والعمران والخدمات وليس مجتمع بدائي.
#-
وكأن القرآن
يقول في سورة يس: أنه أرسل جماعة من الرسل إلى منطقة جغرافية معلومة
الحدود ويسكنها جماعة من الناس قد انحرفت أحوالهم عن منهج الله .. ولكن هذه القرية
كانت توصف بالمدينة باعتبار ما فيها من معرفة وعلم وتقدم عن غيرها من المجتمعات
البدائية الأخرى في زمانهم ..، وفي تلك المدينة جاء رجل كان يسكن في أطرافها وقد
آمن بهؤلاء الرسل .. ولعل الرسل كانوا قابلوها عند دخولهم لهذه المدينة وآمن بهم ..
ولما بلغه عناد قومه مع الرسل .. فأراد أن يدعم الرسل ويقوي دعوتهم بإظهار إيمانه
بهم .. إلا أن قومه قتلوه.
@-
وكأن كل مجتمع علا فيه رفاهية
المعيشة .. كان أقرب للإنحراف السريع عن غيره من المجتمعات وأبعد عن قبول الأحكام
الإلهية في أنفسهم لأنها تقيد رغباتهم النفسية عن الإنحراف .. وهذه أجدها إشارة عجيبة في القرآن
للتفرقة بين القرية والمدينة في المجتمعات التي أهلكها رب العالمين .. فكل مجتمع ارتقى
حاله بالعلم والعمران ورفاهية الخدمات في زمن الأنبياء كان سببا لجحودهم لأحكام
الله .. إلا مجتمع واحد فقط لا ينهار مهما أحيط برفاهية الخدمات وزيادة العلم
والعمران .. وهو مجتمع المدينة المحاطة بنور الإيمان واتباع النبي صلى الله عليه
وسلم في كل الأزمان .. ولذلك بقيت المدينة المنورة منورة إلى آخر الزمان.
-
وليس المجتمع المقصود به الدولة فقط .. وإنما مجتمع الأسرة أيضا .. فكل مجتمع اجتمع فيه نور
الإيمان ثبت مع سطوة الأقدار عليه (ابتلاءات الحياة) لأنه كان مجتمع صادق مع الله.
#-
عموما كان هذا اجتهادي في المسألة .. وأرجو من الله أن أكون قد وفقت فيما
اجتهدت فيه .. والحمد لله رب العالمين.
- والله أعلم.
%20%E2%80%93%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%82%20%D8%A8%D9%8A%D9%86%20%D9%82%D9%88%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D9%82%D9%88%D9%85%20%D9%84%D9%88%D8%B7%20(%D8%A3%D9%87%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9)%20%D9%88%20(%D8%A3%D9%87%D9%84%20%D9%87%D8%B0%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%A9).png)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ادارة الموقع - ا/ خالد ابوعوف