السبت، 16 مايو 2026

Textual description of firstImageUrl

ج4: رسالة بحثية عن السحر في القرآن والسيرة النبوية - متى بدأ الشيطان إبليس في نشر علم السحر - في أي زمن من أزمنة الأنبياء ظهر السحر - كيف نشر الشيطان علم السحر بين البشر وهو كائن روحاني والبشر لا يرونه ولا يسمعوه إلا وسوسة - الفرق بين استحضار الجن و استظهار الجن.

  بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة بحثية عن

السحر في القرآن والقصص النبوية

(الفصل الرابع)


كيف علم الشيطان البشرية علم السحر وهم لا يرونه - الفرق بين استحضار الجن واستظهار الجن

 #- فهرس:

:: الفصل الرابع :: عن كيفية بداية الشيطان في نشر السحر بين البشر – وكيف نشره وهو لا يراه أحد - وفي أي زمن من أزمنة الأنبياء بدأت الناس تتكلم في السحر - ::

1- س10: متى بدأ الشيطان إبليس في نشر علم السحر ؟ وفي أي زمن من أزمنة الأنبياء ظهر السحر وبدأ اتهام الأنبياء بكونهم سحرة أو مسحورين ؟

2- س11: كيف نشر الشيطان علم السحر بين البشر وهو كائن روحاني والبشر لا يرونه ولا يسمعوه إلا وسوسة ؟

#- أولا: عن قوله (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) الأعراف:27.

#- ثانيا: أما عن إمكانية تواصل الجن مع الإنس لاحتمالية تلقين تعليم السحر من الشياطين .. فلذلك أدلة.

3- س12: ما الفرق بين استحضار الجن و استظهار الجن ؟

#- أولا: استحضار الجن.

#- ثانيا: استظهار الجن.

============

:: الفصل الرابع ::

============

..:: س10: متى بدأ الشيطان إبليس في نشر علم السحر ؟ وفي أي زمن من أزمنة الأنبياء ظهر السحر وبدأ اتهام الأنبياء بكونهم سحرة أو مسحورين ؟ ::..

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة):

- خطر ببالي سؤال فقلت: متى محتمل أن يكون الشيطان بدأ بنشر علم السحر في الأرض ؟ وما هي وسيلته في نشر هذا السحر بين الناس ؟


#- فقلت: الذي أظنه هو أن الشيطان بدأ في نشر علم السحر بين الناس بعد وفاة النبي نوح عليه السلام يعني بعد الطوفان بفترة زمنية طويلة .. بل وبعد النبي هود أيضا الذي جاء بعد نوح.

 

- ليه بقولك كده ؟

- لأني لما تتبعت القرآن .. لاحظت أن قوم الأنبياء بدأوا يتهمون أنبيائهم بكونهم مسحورين .. وذلك بعد زمن الطوفان ووفاة نوح عليه السلام وبعد زمن النبي هود الذي أتى بعد نوح .. ووجدت أن أول بداية لهذا السحر كانت من زمن قوم صالح وهم قبيلة ثمود.


#- دعني أخبرك كيف استنبطت ذلك من القرآن:

1- في قصة ثمود قوم النبي صالح عليه السلام قد اتهموا صالح بأنه مسحور: (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) الشعراء153.

- والمعنى: أي من الذين سُحِروا سحرا شديدا حتى غلب على عقولهم. (نقلا من تفسير المنتخب).

- والنبي صالح عليه السلام هو أقدم نبي وأول من وجدته في القرآن تم اتهامه بأنه مسحور .. وهذا معناه أن علم السحر كان بدأ في الإنتشار وعرفه الناس في ذلك الزمان.

 

2- في قصة مدين قوم النبي شعيب عليه السلام قد اتهموا شعيب بأنه مسحور:  (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) الشعراء185.

- والمعنى: أي من الذين سُحِروا سحرا شديدا حتى غلب على عقولهم.


3- في قصة فرعون مع النبي موسى قد اتهم موسى عليه السلام بأنه مسحور: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً) الإسراء101 ..

- والمعنى: إني لأظنك يا موسى ساحرا، مخدوعًا مغلوبًا على عقلك بما تأتيه من غرائب الأفعال. (نقلا من التفسير الميسر).


4- في قصة قريش قوم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قد اتهموه بأنه مسحور: المشركين اتهموا النبي بأنه مسحور: (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً) الإسراء47 ..، (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُوراً) الفرقان8 ..

- والمعنى: ما تتبعون أيها المؤمنون إلا رجلا به سحر غلب على عقله. (نقلا من تفسير الميسر) ..، أي مغلوبا على عقله بالسحر.

 

#- فمما سبق أخي الحبيب يظهر الآتي:

- أن أقدم من ظهر منهم الوصف بمعرفة السحر وإصابته للناس .. هم ثمود قوم صالح حسب ما لاحظته من سياق القرآن .. والترتيب للأنبياء كالتالي .. كان طوفان نوح وبداية جديدة للإنسانية .. ونجا النبي نوح من الطوفان وعاش فترة من الزمن .. بعد وفاته جاء النبي هود .. ثم بعده وفاة هود بزمن قريب جاء النبي صالح.


#- وخلاصة القول:

- أن الذي يظهر لي من خلال تتبع أحداث قصص القرآن .. أن أقدم وصف ظهر فيه السحر كان في زمن النبي صالح عليه السلام بعد زمن نوح وهود عليهما السلام.

- وهذا فيه دلالة على أن السحر كانت بداية معرفته للبشر في زمن النبي صالح عليه السلام .. وهذا هو الزمن الذي بدأ الشيطان فيه بنشر علم السحر .. ولكن قبل ذلك لم يكن موجودا .. وإلا كان قوم نوح وهود اتهموهما بالسحر أو بكونهما مسحورين .. وسيأتي بيان عن هذه الجزيئة عند الكلام على الأنبياء والسحر في القرآن في فصل قادم إن شاء الله.

 

- والله أعلم.


***************************

..:: س11: كيف نشر الشيطان علم السحر بين البشر وهو كائن روحاني والبشر لا يرونه ولا يسمعوه إلا وسوسة ؟ ::..

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة):

- قد تسأل أخي الحبيب فتقول: لو كان الشيطان هو معلم السحر فكيف علم البشر وهم لا يرونه ولا يسمعوه .. والسحر تعليم .. والتعليم يحتاج لتلقين وتفهيم ؟! إضافة إلى ما سبق نجد في القرآن ما يمنع من رؤية الجن إذ قال تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) الأعراف:27 .. ؟


#- قلت لك .. الجواب بسيط أخي الحبيب .. فانتبه للآتي:

#- أولا: عن قوله (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) الأعراف:27.

1- هذه الآية لا علاقة لها بمنع تلقين العلم لأن العلم يمكن تلقينه سماعا وليس من خلال الرؤية .. ولذلك الكفيف يتلقى العلم مثله مثل البصير.

 

2- الآية من حيث الرؤية هي تتحدث عن رؤية الجن بحالته التي خلقه الله عليها وهو في خلف حجاب الستر الذي بيننا وبينهم ولذلك قال تعالى (مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) .. فهو قد يراك ولكن أنت لا تراه .. ولكن من حيث أنه قد يتخطى حجاب الستر فيمكن رؤيته بصورة مادية أو تخيلية ولا يمكن رؤيته بصورته الحقيقية لأنه يكتسب من عالم الأسباب المادية ما يغير صورته .. ولا علاقة لهذه الرؤية حينئذ في عالم المادة بما تكلمت عنه الآية برؤيتهم وهم في حجاب الستر بيننا وبينهم ..!! 


#- ثانيا: أما عن إمكانية تواصل الجن مع الإنس لاحتمالية تلقين تعليم السحر من الشياطين .. فلذلك أدلة.

1- دليل على إمكانية التواصل بين الجن والإنس:

- قال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) الشعراء:221.

 

#- معنى الآيات:

- قال المشركون: إن الشياطين تلقى السمع على محمد .. فرد القرآن عليهم: هل أخبركم على من تتنزل الشياطين وتلقى الوساوس ؟!

- تتنزل على كل مرتكب لأقبح أنواع الكذب وأشنع الآثام .. وهم الكهنة الفجرة الذين بين طباعهم وطباع الشياطين تجانس ووفاق.

- يلقون أسماعهم إلى الشياطين .. فيتلقون منهم ظنوناً .. وأكثرهم كاذبون حيث يزيدون في القول على ما تلقيه الشياطين. (نقلا من تفسير المنتخب ص561).


#- وانتبه للآتي أخي الحبيب:

أ- وقوله (يلقون السمع): فيه دلالة على أن شدة الإنصات بقوة لما يلقيه الشياطين على أسماعهم.

 

ب- وقوله (يلقون السمع): يحتمل أن يكون المقصد هو أن الشياطين يلقون السمع إلى خبر السماء ثم يتنزلون به إلى أوليائهم من عالم الإنس وهم الكهنة العرافين وأشباههم .. ويحتمل أن يكون الكهنة العرافين الأفاكون الآثمون هم من يلقون السمع إلى الشياطين .. وأظن هذا هو الإحتمال الأقرب - والله أعلم.


- وسواء كان الإحتمال الأول أو الثاني .. فكلاهما يصب في نتيجة واحدة وهو أن الشياطين تلقي من أخبار السماء التي يسرقونها إلى أوليائهم من عالم الإنس الكهنة .. ويخلطونها بمائة كذبة .. سواء كانت الشياطين يلقون الأخبار مصحوبة الأكاذيب أو يلقون الخبر الصادق ثم الكاهن هو من يزيد في أكاذيبه على الخبر الذي تم إلقاءه إليه.


ج- الآيات تشير إلى حدوث تواصل بين الشياطين وأوليائهم من عالم الإنس مثل الكهنة العرافين وأشباههم .. وهؤلاء الكهنة هم ينتمون لجماعة معروفين في عصرنا بأنهم روحانيون أي لهم تواصل روحاني مع الجن والشياطين .. علما بأن ليس كل الروحانيين من الإنس هم كذبة وإنما يغلب على هذه الطائفة من الإنس الكذب بسبب تواصلهم مع الشياطين.


#- وجاء في (حديث صحيح) .. أن جماعة من الصحابة قالوا: (يَا رَسولَ اللهِ، إنَّ الكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بالشَّيْءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا .. قالَ: تِلكَ الكَلِمَةُ الحَقُّ .. يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ فَيَقْذِفُهَا في أُذُنِ وَلِيِّهِ .. وَيَزِيدُ فِيهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ) صحيح مسلم.

 

- وفي رواية أخرى جاء فيها: (سَأَلَ أُنَاسٌ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَنِ الكُهَّانِ؟ فَقالَ لهمْ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: لَيْسُوا بشيءٍ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فإنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا الشَّيْءَ يَكونُ حَقًّا، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: تِلكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحق يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا في أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ .. فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِن مِئَةِ كَذْبَةٍ) صحيح مسلم والبخاري.


- قولهم (الكهان): أي الذين يحاولون التجسس على القدر بمعرفة الغيب الإلهي المستقبلي .. وهو ما يوصف بالعراف.


- قوله (قر الدجاجة): أي يكون صوت الجن في أذن الكهان يتقرقر أي يتردد كصوت الدجاج السريع والمتقطع في منطوق صوته.

 

#- ورأيي الخاص في فهم لفظ (قر الدجاجة) وكما جال في خاطري: أن المعنى حتى تفهمه هو أن الجن يأتي يردد الكلام بصوت سريع وفيه تقطيع ولذلك يكون كثير منه غير مفهوم .. ويضطرون الكهنة للكذب لأن المعلومة التي تبلغهم لا تصل كاملة .. وسبب تقطيع صوت الجن هو حكمة من الله بنوع من الإذلال للجني والكاهن أو العراف .. لأن الله لا يطلع الناس على شيئا من القدر إلا بالقدر الذي يسمح به الله لفتنة من يذهبون للعرافين والكهنة .. وأحسب أن سبب التقطيع في إلقاء المعلومة هو الملائكة الحفظة الذين يسمحون فقط بمرور المعلومات التي سمح به القدر الإلهي .. والله أعلم.


2- دليل ثاني على إمكانية التواصل بين الجن والإنس:

- قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الأنعام:128.


#- قال الإمام الشعراوي رحمه الله (المتوفى:1419 هـ):

- وقد ذكر الحق سبحانه وتعالى لنا أن بعض البشر الذين استجابوا للجن قالوا: (استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) الأنعام: 128.

- واستمتاع الإنس بالجن مصدره أن الإنس يأخذ قوة فوق قوة غيره من البشر ..

- واستمتاع الجن بالإنس مصدره أنه سوف يُعين هذا الإنسان على معصيته؛ تطبيقاً لِقَسَمِ إبليس اللعين: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ص:82. (تفسير الشعراوي ج 10 ص 5894).


#- قلت (خالد صاحب الرسالة) .. انتبه أخي الحبيب لمفهوم الإستمتاع:

أ- الاستمتاع هو طلب المتعة .. أي المنفعة العاجلة التي تعود عليه دنيويا من تحقيق ما تشتهيه وترغبه نفسه .. أي أن المتعة هي منفعة تكسبك لذة وسعادة وراحة. والمقصد هنا هو ما يعود على الإنسان من نفع يحقق له رغبة نتيجة طلب خدمة الجن له .. وما يعود على الجن من نفع مقابل ما يقدمه من خدمة للإنس.


ب- فالإستمتاع هنا علاقة تبادلية في المنفعة (استمتع بعضنا ببعض) .. فالجن استمتع بإذلال الإنس وتخويفه حتى عظمه بعض الإنس ونسبوا لهم قدرات يعظمونه بها مثل القدرة على التصرف في الكون بمعرفة الغيب لتغيير القدر وتعليم السحر وفتح الكشف الروحاني بالتجسس على الغير وما شابه هذه الإنحرافات ..، فكان استمتاع الجن من الإنس هو استمتاع بعبودية الإنس لهم أو تعظيمهم وإذلال أنفسهم للجن.

 

- واستمتاع الإنس بالجن هو طلب المتعة والمصلحة بقدرات الجن من وراء عالم الأسباب الظاهر حتى ينتفع الإنسي بقدراتهم مثل تعليم السحر وتلقين العرافة والتسليط على الناس بشر الشياطين وفتح كشوفات بالتجسس على الغير وما شابه ذلك .. وهذا الإستمتاع هو استمتاع محرم.


ج- مع ملاحظة أن استمتاع الإنس بالجن يكون عن طلب استحضار من الإنس .. وذلك نتيجة معاهدة مع الجن أو استحضار بعزيمة روحانية أو تسليط نتيجة مس روحاني تحول إلى خدمة بأذى الغير وفتح كشوفات وما شابه مقابل استمتاع بالجسد الإنساني وإذلاله.

- وليس من يصاحبه جن دون إرادة منه ولا طلب هو مستمع .. لا .. لأن الإستمتاع في الآية هو طلب المتعة بقدرات الجن .. فهذا يكون عن طلب الجن بعزيمة وارادة ورغبة من الإنسي لينتفع بخدماتهم الروحانية في الناس.

 

- فالفرق كبير بين طالب الجن ومستحضرهم ومعاهدهم .. وبين من يصاحبه الجن دون إرادة منه ولا رغبة ولا طلب منه لهم.


- فانتبه إلى الفرق بين من يستعين بالجن بإرادة ورغبة منه .. وبين من يعينه الجن دون إرادة ورغبة منه مثل من قد يعينه الجن بمعرفة علاجية .. فالأول مستمتع .. والثاني معان من حيث لا يحتسب من باب المصاحبة دون طلب .. فهيهات بين هذا وذاك .. فانتبه.


3- دليل ثالث على إمكانية التواصل بين الجن والإنس:

- قال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) المؤمنون:97-98.

- والهمزات هي الوساوس التي غالبا يكون فيها تحريض على الآخر.

- والحضور الشيطاني قد يكون في هيئة متصورة أمام عين من لديه شفافية روحانية .. كما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم حينما اعترضه أحد الشياطين وهو يصلي وكان يراه النبي ولم يراه أحد من الصحابة الذين حضروا خلفه في الصلاة .. كما جاء عن أبي الدرداء إذ قال: (قَامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَسَمِعْنَاهُ يقولُ: أعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ، ثُمَّ قالَ ألْعَنُكَ بلَعْنَةِ اللهِ ثَلَاثًا، وبَسَطَ يَدَهُ كَأنَّهُ يَتَنَاوَلُ شيئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، قدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ في الصَّلَاةِ شيئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذلكَ، ورَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قالَ: إنَّ عَدُوَّ اللهِ إبْلِيسَ، جَاءَ بشِهَابٍ مِن نَارٍ لِيَجْعَلَهُ في وجْهِي، فَقُلتُ: أعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلتُ: ألْعَنُكَ بلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ .. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أرَدْتُ أخْذَهُ، واللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ به وِلْدَانُ أهْلِ المَدِينَةِ) صحيح مسلم.


4- دليل رابع على إمكانية التواصل بين الجن والإنس:

- جاء في (حديث صحيح) .. عن أبي هريرة: (أَنَّهُ كَانَ عَلَى تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَوَجَدَ أَثَرَ كَفٍّ كَأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فَقَالَ: تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَهُ؟ (أي تقبض عليه) .. قُلْ: سُبْحَانَ مَنْ سَخَّرَكَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..

- قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: فَإِذَا جِنِّيٌّ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيَّ .. فَأَخَذْتُهُ لِأَذْهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

- وقال أبو هريرة: فَعَاهَدَنِي أَنْ لَا يَعُودَ .. فَتَرَكْتُهُ.

- ويحكي أبو هريرة فقال: ثُمَّ عَادَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فَقَالَ: تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَهُ؟ .. فَقُلْتُ: نَعَمْ.

- فَقَالَ: قُلْ سُبْحَانَ مَن سَخَّرَكَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

- فَقُلْتُ: فَإِذَا أَنَا بِهِ (أي ظهر وأمسكت به) .. فَقُلْتُ: عَاهَدْتَنِي فَكَذَبْتَ وَعُدْتَ .. لَأَذْهَبَنَّ بِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فَقَالَ: خَلِّ عَنِّي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ لَمْ يَقْربْكَ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى مِنَ الْجِنِّ .. قُلْتُ: وَمَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ اقْرَأْهَا عِنْدَ كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ.

- قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ (أي تركته يرحل) .. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فَقَالَ لِي: أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ كَذَلِكَ) رواه النسائي في السنن الكبرى بسند صحيح.


- وقوله (فَإِذَا جِنِّيٌّ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيَّ): دليل على أنه لم يكن في صورة إنسان سويا وإلا ا كان وصفه أبو هريرة بأنه جني.

- وقول النبي (أوما علمت أنه كذلك): معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بعض صحابته بهذه المعلومة .. ولكن أبو هريرة لم يكن يعلم هذه المعلومة أو لم تبلغه.


#- دلت الرواية السابقة على أمور:

أ- أمكانية تواجد الجن في صورة مادية في غير إنسانا سويا .. وبمكن أن يقبض عليه الإنسان في هذه الحالة ويمكن أن يقتله أيضا.

- فقوله (فَإِذَا جِنِّيٌّ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيَّ): دليل على أنه لم يكن في صورة إنسان سويا وإلا ما كان وصفه أبو هريرة بأنه جني..، بل لقال (فتمثل رجلا) أو (إنسانا) .. ولذلك في رواية البخاري قال (فَأَتَانِي آتٍ) لمجهولية الشكل الذي ظهر له إلا أنه يعرف أنه جن تمثل أمامه.

- وحاشاه جل شأنه أن يساوي الملاك جبريل عليه السلام .. بالشيطان الرجيم المطرود من رحمة الله .. فيعطي لكلاهما القدرة على التجسد في صورة إنسانا سويا .. فهذا باطل وما حدث ولن يحدث .. وإلا تم اتهام جبريل بأنه الشيطان متجسدا لمريم عليها السلام .. وما كان الله ليكرم الشيطان بصورة الإنسان الذي كرمه على العالمين والذين أمر الشيطان بالسجود له فأبى واستكبر وكان من الكافرين .. والله أعلم. (راجع رسالتي/ الملاك والجن والشيطان وإمكانية تمثيله وتجسيده في صورة إنسان).


ب- لو لم يكن الشيطان تمثل في شكل معين متجسدا .. فكيف أمسكه أبو هريرة وأراد أن يذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟!!


ج- ملحوظة: دلت جملة (سبحان من سخرك لمحمد) .. المقصد هو الإشارة إلى تمكين النبي صلى الله عليه وسلم من شيطانه (قرينه) حتى أسلم له وخضع وانقاد .. كما جاء في روايات الحديث الصحيحة أن الله أعانه على قرينه فأسلم له وخضع وامتنع امتناعا كليا عن مجرد محاولة الوسوسة للنبي صلى الله عليه وسلم .. والله أعلم.

- وقد يكون في ذلك إشارة إلى أن الله قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم قدرة في التمكن من عالم الجن بالخضوع له والإنقياد لطاعته .. إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يظهرها بين الناس أدبا مع رجاء النبي سليمان عليه السلام في دعوته التي دعاها لله .. ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث الذي ذكرته في الدليل الثالث حينما قال النبي عن الشيطان الذي اعترضه في الصلاة: (أرَدْتُ أخْذَهُ، واللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ به وِلْدَانُ أهْلِ المَدِينَةِ).

 

- ما سبق من إشارات في فهم جزئية (سبحان من سخرك لمحمد) .. هو عن اجتهاد شخصي إذ لم أجد فيما توفر عندي من مصادر علمية من تكلم في هذه الجزئية من العلماء .. والله أعلم.


#- وخلاصة القول أخي الحبيب:

1- مسألة إمكانية تواصل الشياطين مع البشر فيتلقى البشر منهم معلومات مثل تعليم السحر والعرافة وما شابه طرق استمتاع الإنس من الجن .. فهذا محتمل حدوثه وذكرت أدلة على ذلك.

 

2- انتبه أخي الحبيب: إلى أن ليس كل الناس مؤهلين ليتواصل العالم الروحاني معهم .. وإنما لابد من أن يكونوا مؤهلين لهذا التواصل الروحاني من خلال وجود تفعيل للجانب الروحاني فيهم .. وهذا شيء سأشرحه بالتفصيل إن شاء الله في فصل قادم إن شاء الله.

- هذا والله أعلم.


******************

..:: س12: ما الفرق بين استحضار الجن و استظهار الجن ؟ ::..

 

#- قلت (خالد صاحب الرسالة):

- أحببت توضيح جزئية في التفرقة بين بعض المصطلحات حتى يستقيم الفهم في عقلك بضوابط واضحة ..، إذ في حديث أبي هريرة السابق ذكره .. قد تظن أن أبا هريرة قد استحضر الجن أمامه .. وهذا خطأ كبير منك في الفهم لو ظننت ذلك .. وإنما هذا يوصف بعزيمة استظهار وليس استحضار .. فما الفرق ؟


@- أقول وبالله التوفيق:

#- أولا: استحضار الجن.

- يكن عن عزيمة يلقيها المعزم ليجلب الشيطان من عالم الحجاب إلى عالم المادة لينتفع بخدماته وقدراته الجنية والشيطانية ..، أو ببساطة تقول هو طلب بعزيمة روحانية لحضور الجن من أجل استمتاع بخدمة منه .. سواء كان هذه الخدمة معرفة غيبية أو تعليم سحر أو تجسس على أحوال ناس أو ما شابه من انحرافات يطلبها البعض من الجن.

- قال تعالى عن المستمتعين بقدرات الجن: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) الأنعام:128.

 

- ويندرج فيما سبق ما يفعله بعض الرقاة والروحانيين .. من استحضار الجن والشيطان ليتكلم على لسان المصاب روحانيا .. وهذا فيه عصيان لله .. لأن الله أمر نبيه والمؤمنين فقال: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) المؤمنون:97-98.

- فبدلا من طلب الإستعاذة من الله بمنع حضور الشيطان .. فعصوا الله واستحضروا الشيطان ..!! والغريب في منتصف جلسة العلاج يقرأون الآية السابقة .. !! فعجبا لهم إذ عصوا الله باستحضار الشيطان والكلام معه .. ثم يطلبون من الله أن يعيذهم من حضور الشيطان ؟!! فعجبا لهم ..!!


- وبالتالي من يستحضر الجن والشيطان على لسان المصاب روحانيا .. فهو ارتكب عدة موبقات أو جرائم .. منها الكذب على القرآن بأن آياته وسيلة لاستحضار واستنطاق الجن والشيطان .. ومنها عصيان أمر الله باستحضار الجن والشيطان .. ومنها أذية المصاب بتمكين الجن والشيطان منه فيزيده بلاء على بلاء.


#- ثانيا: استظهار الجن.

- يكن عن عزيمة لرفع حجاب الستر عن الشيطان حتى تراه فتتمكن منه وتفعل به ما تريد .. بشرط أن يكون متواجد فعلا وليس مجرد وسواس أو توهم بوجود شيطان .. وسبق وقلت أن دليل وجوده هو حدوث حركة في الماديات من حولك وأن ترى ذلك أمامك ولكن دون أن ترى المسبب لهذه الحركة.


- ومثال ما سبق .. قول النبي لأبي هريرة ليتمكن من إمساك الجن أو الشيطان الذي كان يراه يسرق من التمر دون أن يرى الفاعل .. فاخبره النبي أن يقول حينما يشعر بذلك: (سبحان من سخرك لمحمد) .. فهذه عزيمة استظهار وليست عزيمة استحضار كما قد يظن البعض ويخطيء .. فهذه المقولة التي علمها النبي لأبي هريرة .. هي عزيمة لاستظهار الجن لتراه العين .. وذلك إذا كان حاضر في المكان بهيئة مادية ولكن أنت لا تراه .. ودليل ماديته "بالرغم من عدم رؤيتك له" هو ما يظهر من أثر فعله أمامك وأنت تراه بعينك .. كما رأى أبو هريرة أن التمر ينقص أمامه ولا يرى أحد ولا يعرف كيف يحدث ذلك.

 

- ففرق كبير بين مفهوم الإستحضار والإستظهار .. فانتبه.


#- خلاصة القول:

- هناك فرق بين استحضار للجن .. واستظهار الجن ..

- وأظن لم يتكلم أحد عن هذه الفروقات من قبل .. والله أعلم.

 

@- وننتقل بعد ذلك لاستكمال حديث القرآن عن السحر من خلال مسائل أخرى نناقشها إن شاء الله.. مثل: هل القرآن ميز السحر بين كونه سحر حلال وسحر حرام ؟ وهل يوجد سحر أبيض وسحر أسود ؟ أو سحر نوراني وسحر ظلماني ؟


*****************
يتبع إن شاء الله تعالى
*****************
والله أعلم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
هذه الرسالة وكل مواضيع المدونة مصدرها - مدونة الروحانيات فى الاسلام -  ولا يحق لأحد نقل أي موضوع من مواضيع أو كتب أو رسائل المدونة .. إلا بإذن كتابي من صاحب المدونة - أ/ خالد أبوعوف .. ومن ينقل موضوع من المدونة أو جزء منه (من باب مشاركة الخير مع الآخرين) فعليه بالإشارة إلى مصدر الموضوع وكاتبه الحقيقي .. ولا يحق لأحد بالنسخ أو الطباعة إلا بإذن كتابي من الأستاذ / خالد أبوعوف .. صاحب الموضوعات والرسائل العلمية .

هناك تعليق واحد:

  1. ربي زدنا علما وفهما واستيعابا
    وجزاك الله كل خير استاذنا الفاضل
    آمين يارب العالمين

    ردحذف

ادارة الموقع - ا/ خالد ابوعوف